أثناء دراستي للصحافة في جامعة صوفيا، قضيت العقد الأخير من حكم الشيوعيين في بلغاريا، كنت مولعة بالفن السابع، وكانت السلطة تولي اهتمامها بالثقافة، وتضع السينما في سلم أولوياتها، على اعتبار أنها أهم الفنون تبعا لمقولة لينين. كانت دور العرض تزيد على ثلاثة آلاف صالة، وتنتشر في كل مكان، من العاصمة إلى أصغر قرية، وكان القطاع السينمائي، يتألف من ثلاث وحدات إنتاجية، هي: «ملادوست» و»بويانا»، و»قسم الأفلام» في التلفزيون البلغاري، ويتمتع بخمسين إلى ستين مليون «ليفة» من ميزانية الدولة سنويا، وينتج مالا يقل عن خمسة وعشرين فيلما روائيا طويلا في العام، أي ما يعادل قرابة نصف ما أنتجته السينما البلغارية خلال مرحلة ما قبل التأميم، حيث لم يتجاوز العدد الخمسة وخمسين فيلما بلغاريا، ظهرت ما بين الأعوام 1915 و1948.
كانتْ صالة «سِرديكا» على مقربة من كليتي، وكنتُ لا أفوّتُ أيا من عروضها الجديدة، ولم تكن العروض تقتصر على الأفلام المحلّية وحدها، بل تتخللها الأفلام الأجنبية الجادة، التي لا تتعارض مع قيم الثقافة الإشتراكية. كنت أنهي دروسي، وأصطف على الدور الطويل أمام شباك التذاكر، وفي بعض الأحيان يستغرق وقوفي أكثر من ساعة، فأغلب البلغاريين كانوا مثلي من عشاق الفن السابع، وكانت الأفلام الجيدة تثير أقلام النقاد، وتحرّك جلسات مطوّلة من النقاش لدى مشاهديها.
كانت الدولة تحتكر قطاع السينما من الإنتاج إلى التوزيع فالعرض، وكانت تفضّل الموضوعات التاريخية والسياسية على غيرها، وتحبّذ أسلوب الواقعية الاشتراكية دون سواه، وتفرض رقابة صارمة على محتوى الأفلام، البلغارية والأجنبية على حد سواء، ولم تكن البنية السينمائية التحتية مزوّدة بما يكفي من التقنيات المتطورة، التي كانت بحوزة معظم السينمات الأوروبية في ذاك الحين، لكن ومع كل هذه المعوّقات، فقد تكرّست الدورة الإنتاجية والتسويقية، لصناعة سينمائية مستمرة ومتنامية في النصف الثاني من القرن العشرين، هي التي صاغت هوية السينما البلغارية وتقاليدها، بوصفها رديفا للسينما المسيّسة، التي تناصر قضايا الفقراء والمظلومين في العالم، وهي التي أسفرت عن الكثير من الأفلام المميزة، بعضها استرعى اهتمام المحافل الدولية، ومنها ما يعتبره البلغار من الأعمال الصالحة لكل زمان، كفيلم «الجدي» لميتودي أندونوف، و»أن تحب بالإكراه» لنيكولاي بولف.
وعلى الرغم من الرقابة الصارمة، ذات الصلاحيات الواسعة، فقد ظهر العديد من الأفلام التي تنتقد السلطة، والتي تعرّضت للقص وللمنع أو التأجيل، كفيلميّ «الفدائيون» و»البالون الموثوق» لبينكا جيليازوفا، أو فيلم «القرية» للمخرج إيفان ترزييف، الذي مُنع عرضه لعشر سنوات، مع أنه دُعي إلى مهرجان «كان» ضمن تظاهرة «نظرة خاصة» عام 1987.
تزامن تخرجي ورحيلي عن بلغاريا مع انهيار المعسكر الاشتراكي، وكنت كلما تابعت مهرجان دمشق السينمائي، أفتش بين قوائم المسابقة أو التظاهرات عن الأفلام البلغارية، ولم يحالفني الحظ سوى مرة واحدة، ولم يكن الفيلم على القدر الكافي من الأهمية. حين عدّتُ إلى صوفيا بعد أكثر من عقدين، استيقظت ذاكرة شبابي، وأخذتني إلى الكلية التي درست فيها، ومن بعدها اجتاحني الحنين لحضور السينما، عبرّتُ ساحة ليفسكي، لم أعثر على أثر لصالة «سِرديكا»، وجدت مكانها بناء قيد الإنشاء. بحثت عن الصالات الأخرى التي ارتدتها، كانت إما أُغلقت، أو أُقيم على أنقاضها مبنى آخر، استفسرّتُ، وقيل لي: لم يبق من الصالات سوى اثنتين، الأفلام باتت تُعرض في المولات الحديثة. ما الذي حلّ بقطاع السينما، ما هي آخر الأفلام، وهل ثمة ما يسترعي الحضور؟ سألت معارفي من العرب والبلغار، ولم أشعر باهتمام أي منهم بالموضوع، وبدوري نسيت السينما، وغرقت بمتابعة إجراءات إقامتي في البلد الغريب.
عثرّتُ على الحلقة المفقودة من ذاكرتي في بداية السنة الجديدة، التي تصادف حلولها مع مرور مئة عام على ولادة أول فيلم بلغاري بعنوان «البلغاري شهم» لفاسيل غندوف عام 1915، حيث تصدرتّ أخبار السينما البلغارية وسائل الإعلام، وتناولت الأزمة العميقة، التي طاولتْ قطاع الإنتاج السينمائي منذ تسعينيات القرن الماضي، حين أوقفتْ الحكومة دعمها المالي له، واضطر أغلب العاملين فيه إلى تقديم استقالتهم، ووجد معظم السينمائيين أنفسهم بلا عمل، وبذلك انخفض الإنتاج إلى فيلم أو أثنين في العام، وفي بعض السنوات تعذر حتى إنتاج فيلم واحد.
صحيح أنه بعد عام 1992 تأسست الشركات الخاصة للأفلام الروائية والوثائقية وأفلام الرسوم المتحركة، وانضمت إلى عملية الإنتاج السينمائي القنوات التلفزيونية الخاصة، خُصّخصت صالات السينما، وأصبح توزيع الأفلام من شأن الجهات الخاصة، وفي عام 1997 انطلقت الدورة الأولى لمهرجان صوفيا السينمائي، ومع انتشار تقنيات التصوير الرقمي، بدأت تظهر ما يُعرف بـ»الأفلام المستقلة»، وحققت نجاحات هامة على مستوى الفيلم التسجيلي، لكن كل تلك المسّتجدات، كان ينقصها التمويل، ولم تستطع إخراج السينما البلغارية من كبّوتها، التي لم تكن سوى إحدى مرايا الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلد.
مع بدايات القرن الحادي والعشرين، أعادت الحكومة البلغارية النظر بسياستها إزاء القطاع السينمائي، وفي عام 2004 تم تأسيس «مركز الفيلم الوطني»، بوصفه هيئة إدارية تابعة لوزارة الثقافة، تُعنى بدعم وتمويل السينما المحلية، وخُصص لهذا الغرض حوالي ستة عشر مليون «ليفة» من ميزانية الدولة السنوية، ما أسفر عن ارتفاع وتيرة الإنتاج إلى أربعة أو خمسة أفلام في العام. وإلى ذلك قام المركز بإطلاق مهرجان «الوردة الذهبية» للأفلام الروائية في مدينة فارنا، ومهرجان «الأفلام الوثائقية والرسوم المتحركة» في بلوفديف، وبات يشرف على تنظيم مهرجان صوفيا للأفلام الأوروبية، الذي تم اعتماده كمهرجان دولي بمسابقة للأفلام الروائية من الفئة الأولى والثانية عام 2010، وبحسب استطلاعات مجلة «فرايتي» أصبح المهرجان واحدا من خمسين مهرجانا دوليا، لا يجوز تفويتها.
وفي الثالث عشر من الشهر الجاري افتتح «مركز الفيلم الوطني» أولى فعاليات الاحتفالية بمئوية السينما، التي ستستمر طوال العام الحالي بمجموعة من المحاضرات والمعارض والعروض السينمائية، بدأت في صالة «أوديون» مع ثلاثة مختارات من أرشيف السينما البلغارية: أولها فيلم «الحب جنون» لفاسيل غندوف (1917)، وهو أول فيلم روائي محفوظ بنسخته الكاملة للعرض، ثم الفيلم الوثائقي «يوم في صوفيا» لزخاري جاندوف (1946)، وأخيرا فيلم الرسوم المتحركة «العرس» لسلاف باكالوف وبيمن بتكوف.
وتشير الأرقام إلى أن السينما البلغارية في العام الذي سبق يوبيلها المئوي، حققت أعلى وتيرة إنتاجية وصلت إليها منذ عقدين، حيث أسفر عام 2014 عن خمسة عشر فيلما طويلا، وتسعة عشر فيلما قصيرا، أنتج «مركز الفيلم الوطني» منها خمسة أفلام، هي: «المنطقة العازلة» سيناريو وإخراج غيورغي ديورغلوف، «النشوة البلغارية» لإيفان نتشف، «أمبير» لزخاري باينوف، «غرق سوزوبل» لكوستادين بانوف، و»ثلاثة أيام في سرايفو» لنيكولاي تودوروف، بينما قام المخرجون الشباب بإنتاج بقية الأفلام، ومنها «الاغتراب» لميلكو لازاروف، «فيكتوريا» لمايا فيتكوفا، وفيلم «الدرّس» لبيتر فالشانوف وكريستينا غروزيفا، الذي عُرض في أكثر من مهرجان دولي، ونال جائزة المخرجين الجدد في مهرجان «كان سيبستيان». ويتوقع الخبراء، أن يتزامن عام المئوية مع العمل على إنشاء اقتصادات تعاونية موحدة لسينمات دول شرق أوروبا، تأخذ على عاتقها الاهتمام بمسائل الإنتاج والتسويق والتوزيع على المستويين المحلي والإقليمي.
تهامة الجندي