السينما التركية بين الواقعية الجديدة والكوميديا التجارية

حجم الخط
1

شهدت الساحة السينمائية التركية خلال شهر يناير/ كانون الثاني المُنصرم صراعاً يُلخص الواقع التاريخي للسينما في تركيا، بين الكوميديا التجارية والواقعية الجديدة من أجل كسب الجمهور، حيث استطاعت الكوميديا التجارية التفوق من ناحية شُباك التذاكر، لكن القيمة الفنية دائماً كانت في صالح الواقعية الجديدة، ليُدلل سقوط الواقعية مرة جديدة عند شباك التذاكر رسالة خطيرة، من حيث هروب جمهور المشاهدين من الواقع، أو من القصص التي تُحاكي حكايات شوارعهم ومدنهم إلى قصص لا تتصل أبداً بالواقع، وإذا أُخذت هذه الرسالة بصورة جدية بعيدة عن التقييم الفني من قبل المُنتجين فإن واقع السينما التركية ربما يكون في خطر. ولتسليط الضوء على ذلك الصراع نعرض قراءة سريعة لنموذجين، الأول يُمثل الكوميديا التجارية والثاني الواقعية الجديدة:

«عارف و216»: تكنولوجيا عالية وفراغ قصصي

يتحدث الفيلم عن قصة عارف وصديقه القادم من الفضاء «216»، والراغب بالعيش مثل الإنسان، حيث يحاول الاندماج مع المجتمع البشري بدون أن يكون غريباً، لكن شكله دائماً كان يقف في وجه دخوله لهذا المجتمع، ويواجه216 خديعة كبيرة من رجل أعمال، لكن صديقه عارف يحاول إنقاذه وإنقاذ البشرية كذلك.
رافق فيلم «عارف و216» حملة دعائية هائلة، حيث قدمت جولة الساعة السابعة الإخبارية في قناة D التركية ترويجاً غير مسبوق لهذا الفيلم، عن طريق اجراء لقاء مع بطل ومنتج الفيلم جيم يلماز، وروجت إحدى العلامات التجارية التركية المُتخصصة بالإلكترونيات لهذا الفيلم عن طريق الإعلانات التي غزت بشكل واضح جميع قنوات التلفزة التركية، وقبل ظهور الفيلم بأيام قليلة شارك بطلا الفيلم في برنامج مسابقات غنائي ذائع الصيت على TV8 في حلقة خاصة بمناسبة رأس السنة، إلى حين ظهور الفيلم في صالات العرض التركية بتاريخ 5 يناير، حيث وصل عدد المشاهدين لهذا الفيلم خلال الأسبوع الأول من العرض حوالي 2 مليون و92 ألف مشاهد، ما يعني أنه رقم تاريخي لم يصله أي فيلم تركي، لكن في النظرة الفنية للفيلم نجده يعيش حالة ضوضاء خيالية في ظل مشاهد كوميديا مع لمسات نقدية للواقع الموجود، واعتمد الفيلم على التقنية فشخصية216 القادمة من الفضاء أُعدت بطريقة تكنولوجية عالية الجودة، استطاعت جذب الجمهور، لكن العامل الرئيسي الذي استطاع من خلاله الفيلم تحقيق نجاحه من زاوية شُباك التذاكر هو استغلاله لثلاثة عوامل، اسم بطل الفيلم الكوميدي جيم يلماز الذي يملك جمهورا واسعا، وشخصية 216 الغريبة التي يُجسدها كذلك فنان مشهور أوزان غوفان، وأخيراً الحملة الدعائية الكبيرة التي تُعتبر الأضخم في تاريخ السينما التركية.

«أكثر» فيلم إنساني من العيار الثقيل:

ظهر الفيلم في صالات عرض سينمائية محدودة جداً بدون حملة إعلانية ، فهي التجربة الأولى للممثل التركي أونور سيلاك في مجال الإخراج، فقرر بدايتها من خلال فيلم مأخوذ عن رواية «أكثر» للكاتب هاكان غونداي، فكان فيلما من طراز رفيع، فهو يسلط الضوء على قضية التجارة البشرية، وبالتحديد قضية تهريب اللاجئين السوريين إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، وأخذت كاميرا المُخرج تغوص في غياهب هذا المجتمع، الذي يبحث عن المال والعهر أكثر، مقابل مجتمع يبحث عن نفس أكثر من أجل لحظة جديدة لحياة ربما تكون أكثر إنسانية.
تمحور الفيلم حول قصة الطفل التركي «غازه» الذي يعمل مع والده في تهريب السوريين عبر الحدود، ووضعهم في المخزن اللابشري تحت أرض بيت «أحد» والد «غازه» هناك يرسم المُخرج ملامح قاسية للإنسان القاتل والمقتول ويصنع أسئلة تحاصر الجميع.
عرض الفيلم حالات الاضطهاد التي يتعرض لها اللاجئ السوري من تجويع إلى اغتصاب مُنظم، مروراً بقتل الطفل «جمعة» أمام عيني أُمه، ويُدفن أمام عيني «غازه» الذي يُشكل له مشهد دفن جمعة نقطة تحول كبيرة. لكن لا يستطيع أن يخرج من مملكة والده الملوثة بدماء «جمعة»، وليبدأ البحث عن نفس أكثر من بين اللاجئين الهاربين الجُدد فلتأتي صورة «أهرا» التي تُجسدها الفنانة التركية «توبا بيوكاستون» حيث حاول المخرج البحث من خلال نظرات «أهرا» عن نفس جديد لما تبقى من الروح الصالحة للطفل «غازه»، لكن مرة جديدة تنتصر التجارة البشرية في وجه ما تبقى من جمال في هذا العالم، عندها قرر «غازه» قتل أباه انتقاماً للطفل «جمعة»، ولم يخرج الفيلم من الواقعية حتى في اللحظات الأخيرة، حيث مثلها بطريقة فنية ذات معان كبيرة من خلال مشهد متابعة «غازه» لموت اللاجئين من خلال كاميرا مراقبة وضعها في المخزن، في رسالة واضحة بأن كاميرا المراقبة هي ذاتها التي يشاهد العالم من خلالها سقوط اللاجئين عند سواحل أوروبا وبين حدود دول العالم.
ولابد من التعريج على الجملة الأولى في الفيلم التي تظهر مكتوبة ملخصة واقع البشرية وهي «أول آلة استخدمها الإنسان هي الإنسان».
ومن خلال المرور على نموذجين من الأفلام التركية التي عُرضت في الشهر الماضي، يبدو أن الواقعية الجديدة في السينما ماتزال تُمثل الفن القادر على المحافظة على ذاته ضمن تاريخ السينما التركية، بينما تبقى السينما التجارية وبالتحديد الكوميدية عابرة في صالات العرض مع بقاء لفتات كوميدية تُستخدم من قبل البعض بعيدة تماماً عن إيجاد مكان لها في السياق السينمائي.

٭ كاتب فلسطيني

السينما التركية بين الواقعية الجديدة والكوميديا التجارية

عاصم الجرادات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية