السينما بين سيرة نجم «آراب آيدول» وعازف بيانو مخيم اليرموك

حجم الخط
1

باريس- «القدس العربي» من راشد عيسى: كلما سمعنا عن موسيقي يعزف وسط القصف والخراب، تذكرنا ذلك المشهد المؤثر من فيلم «التايتانك»، عندما أصرت الأوركسترا على متابعة العزف، فيما السفينة تغرق، تهوي سريعاً في الماء. أحببنا ذلك، أحببنا أن نؤمن بأن هنالك ضميراً نقياً وشريفاً وشجاعاً يضع عينيه في عين الموت تماماً، ليثبت أن الوظيفة، المهنة، شرف أيضاً، تماماً مثلما فعل قبطان السفينة، حين وجد أن كل محاولاته في إنقاذ المركب الضخم باءت بالفشل، فأطلق النار على رأسه مباشرة.
كان مشهد موسيقيي «التايتانك» نوعاً من المجاز البصري، يصعب أن نتصوره قابلاً للحياة على أرض الواقع، أو على أرض مركب يتهاوى ويغمره الموج من كل حدب، لكن المشهد في مخيم اليرموك حقيقي مئة بالمئة، واقعي من لحم ودم وعطش. لقد تابع العالم كله، كما لو أنه أمام كاميرا تلفزيون الواقع، ذلك الشاب الفلسطيني وهو يحمل البيانو الخاص به على عربة ويركض إلى ساحات وشوارع المخيم، المدمرة والخالية تقريباً ليعزف بجنون.
كان اسمه أيهم أحمد، لم نتابع تماماً اللحن والأغنية قدر ما أُخذنا بهذا الشغف الذي دفع الشاب الثلاثيني لا ليعزف لوحده وحسب، بل ليعزف مع الناس ولهم، يؤلف معهم الأغنيات، ويدربهم صغاراً وكباراً على أدائها، هو المغني وكاتب الكلمات وعازف البيانو والمايسترو، وهو من يدفع عربة البيانو بنفسه من شارع لشارع.
لعلها المرة الأولى التي تتحول فيها آلة البيانو إلى آلة موسيقية شعبية على يد أيهم ورفاقه في مخيم محاصر، بعد أن كانت موسيقى القِرب، وقبلها الناي واليرغول تشعل نار الأعراس، حتى أن بيانو المخيم امتلأ بالرسوم والأعلام الفلسطينية، كما زُينت من قبل القِرب الاسكتلندية بالأعلام والكوفية الفلسطينية.
راح أيهم ورفاقه يغنون لشد أزر المحاصرين، ويرسلون أشواقهم إلى فلسطينيي مخيم اليرموك الذين توزعوا في أرجاء الأرض. سواء في محيط دمشق، أو في مختلف مدن العالم، من لبنان إلى برلين وسواها.

حادي المخيم

سنوات من الحصار ولم يكلّ المغنون ولم يملوا، إلى أن أحرق المتطرفون بيانو المخيم، فقرر أيهم أن البلاد التي ليس له فيها بيانو لن تكون صالحة للعيش بعد. شد الرحال عبر حواجز النظام والإرهاب المرادف، عبر الصحراء السورية القاسية، والجبال التركية ليصل إلى بحر اليونان، ومن ثم ليعبر كما عبر الآلاف من اللاجئين، اليونان، مقدونيا، إلى أن وصل ميونيخ الألمانية، آملاً من جديد في أن يؤسس فرقته الخاصة ليغني لمخيم اليرموك من جديد، بل يمكن القول إن الشاب لم يتوقف لحظة عن الغناء للمخيم، فقد ظلت الفيديوهات تتوالى من غير بيانو هذه المرة، فقط صور لشاب أعزل يدندن أغنيات المخيم ذاتها؛ كان موجعاً أن نسمعه يغني في طريق هجرته، من على الحدود البعيدة «يا مهجرين عودوا، طال الزمان وطوّل، اليرموك إحنا زنوده، عنه ما نتحول».
رحيل أيهم، واحتراق البيانو، يقفل الباب على واحدة من أجمل أساطير الثورة السورية. العبارة الأخيرة لم تسقط سهواً، نعرف أن الشاب فلسطيني عزف وغنى من قلب مخيم فلسطيني، ولكن لن يكون سهلاً أن نفصل حكاية فلسطينيي المخيم، وباقي المخيمات، عن المأساة السورية، وقد يليق بحكاية أيهم وأسطورة بيانو اليرموك أن تحمل الحكاية السورية والفلسطينية معاً.
لكن من المحتمل أيضاً أن تهمل حكاية أيهم، وبالضبط لأنه ملتبس بين قضيتين، فكثير من السوريين لا يقع المخيم ضمن أولوياتهم، كما أن الفلسطينيين واقعون بين نار النظام السوري، الذي يرى اصطفافهم الواضح إلى جانب معارضيه، ونار كثير من المعارضين الذين يأخذون الفلسطينيين بجريرة بعض قياداته التي تقف بوضوح أيضاً إلى جانب النظام. المخيم إذن ليس أولوية عند السوريين، ولا عند الفلسطينيين، ومعروف كيف أن بعضهم قدم قضية المخيم كسائح جاهل، كما فعل المخرج والممثل الفلسطيني محمد بكري في فيلم سماه «يرموك».
فماذا إذن عن سينمائيي فلسطين المبدعين، ومن بينهم على سبيل المثال المخرج المتألق هاني أبو أسعد، صاحب فيلم «الجنة الآن» و»عمر»، خصوصاً أننا نشهد اليوم ولادة فيلم سينمائي جديد له عن ظاهرة غنائية فلسطينية، كما جرى تقديمه دائماً، ونعني فيلم «يا طير الطاير» الذي يحكي قصة صعود نجم «آراب آيدول» المغني الشاب محمد عساف. ومع أن من المبكر أن يحكم المرء على أحقية هذه السيرة (سيرة عساف) في التحول إلى فيلم سينمائي، إلا أن ما لمسناه منها لا يشي باستثناء، ونحن بانتظار أن يسوغ الفيلم نفسه هذا التناول، ولكن على الأقل بالقياس إلى ظاهرة بيانو اليرموك، وعازف اليرموك، سنجد أنفسنا أمام حكاية مرسومة بأثر تلفزيوني، بينما يليق ببيانو اليرموك أن توظف طاقات إنتاجية كبيرة من أجله. انظروا حكاية عازف اليرموك الذي ولد لرجل موسيقي أعمى، كان يأخذ ولده أيهم من عمر السادسة لمسافة أكثر من عشرين كيلومتراً عن المخيم، كي يعلمه الموسيقى، آملاً أن تكون الموسيقى منقذاً للفلسطينيين من محنتهم، كما حدثني أيهم من مكان لجوئه في ميونيخ. أعمى يعزف للناس، ويعلمهم الموسيقى، ثم يضع الراية بين يدي ابن سيظل يدور في ساحات المخيم عزفاً وغناء وموسيقى حتى النفس الأخير، لنجده من ثم يخوض عذاب اللجوء، عابراً كل أصناف الحواجز البشرية والطبيعية.. هل من سيرة أغنى وأشقى!
مشاعر متضاربة يحملها المرء إزاء عازف البيانو تاركاً مخيم اليرموك، عابراً الحدود؛ الفرح بنجاته وسلامته، وشعور مرير بالهزيمة، حين يضطر حادي المخيم، الشاب الذي طالما دعا للبقاء والصمود، إلى أن يهاجر. العزاء الوحيد الذي يمكن أن يشعر الناس بالانتصار هو أن تبقى هذه الحكاية، أن تروى، وتخلد، كواحدة من أجمل حكايات الثورة السورية، كواحدة من أجمل حكايات الفلسطينيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية