القاهرة ـ «القدس العربي»: صاحبت بعض الثورات العربية في فترة الخمسينيات والستينيات حركة سينمائية مهمة ونشيطة وثقت لتواريخ تلك الثورات وملابساتها ونتائجها، وربما كان الأبرز منها ثورة 23 يوليو/تموز في مصر، وثورة الجزائر.
وتبلورت الرؤى السينمائية بشكل واضح عبر صور تسجيلية وبانورامية، سواء في السينما التسجيلية أو الروائية الطويلة، ولكن لم تحظ ثورة اليمن التي اندلعت شرارتها في 26 سبتمبر/أيلول من عام 1962، بالاهتمام السينمائي الكافي لتوثيقها كمنجز شعبي بالغ الأهمية، كان سببا في إحداث التحول التاريخي في اليمن الشقيق، ويكاد يكون الإسهام السينمائي الوحيد هو الفيلم المصري اليمني المشترك «ثورة اليمن»، الذي كتب قصته صالح مرسي وصاغ فيه الحوار علي الزرقاني وأخرجه عاطف سالم، فيما أسندت البطولة لعماد حمدي وماجدة الصباحي وحسن يوسف وصلاح قابيل وصلاح منصور، بجانب بعض الممثلين اليمنيين، وهو ما يجعله في التصنيف أقرب إلى الفيلم المصري ـ المصري منه إلى الفيلم المشترك، لولا أنه كان معنيا بقضية الثورة اليمنية ويحمل اسمها وعنوانها.
الفيلم وإن كان التجربة الروائية الطويلة الوحيدة، لكنه ليس الفيلم الوحيد ولا العمل الدرامي الوحيد، فهناك أفلام تسجيلية صورها بعض الفرنسيين تمثل وثائق تاريخية مهمة وإن كانت قليلة وقصيرة، وأيضا اعتنت الدراما التلفزيونية بحفظ الثورة اليمنية وتوثيقها من وجهة نظر يمنية، وتمثل ذلك في مسلسلات مثل «الفجر، خفافيش الظلام، نجوم الحرية»، والأخير على وجه التحديد لمخرجه علي بن علي هو الأقوى فنيا، حيث جسد بعمق أحداث الحركة الوطنية اليمنية عام 48 وتناول اغتيال الإمام يحيى حميد الدين، وما أعقبه من محاكمات للمثقفين والمفكرين والعلماء وإعدام لبعض كوادرهم الثورية، مرورا بحركة الثلاثاء عام 1955، وعلى قدر تميز هذا العمل الدرامي الكبير إلا أن الأسبق فنيا وإنتاجيا هو الفيلم سابق الذكر «ثورة اليمن»، لذا فإن التركيز عليه نقديا كان أكبر بوصفه باكورة الأعمال الفنية التي اجتهدت في تقديم صورة فنية معادلة للثورة من وجهة نظر صناعية.
ورغم وجود رموز ضالعة في التأريخ والتوثيق الدرامي والتمثيل والإخراج مثل صالح مرسي، عاطف سالم، علي الزرقاني، عماد حمدي، ماجدة وصلاح منصور، إلا أن الحكم لم يأت في صالح الفيلم، حيث رأى النقاد والسينمائيون أنه كان أقل بكثير من الحدث ووصفوه بالخفة والسطحية وأخذوا على كاتب السيناريو علي الزرقاني والمخرج عاطف سالم وصالح مرسي اتجاههم لتصوير شخصية الإمام التي جسدها الممثل القدير صلاح منصور بالشكل الكاريكاتيري الذي جاء في الفيلم، حيث ظهر وهو يلهو كالأطفال بلعبة السكة الحديد في دهشة وبلاهة أنه ليس هو الإمام الذي حكم البلاد وتحكم في العباد لسنوات أذاق فيها الشعب اليمني سوء العذاب.
المعالجة على هذا النحو اعتبرت سقطة فنية وتاريخية كبرى، ولم تشفع الجائزة الذهبية التي حصل عليها صلاح منصور عن هذا الدور للفيلم أو البطل، مع الأخذ في الاعتبار الاعتراف الكامل من جانب المعترضين في كفاءة وقدرة صلاح منصور بطل «الزوجة الثانية» و»أبو ربيع» وصاحب الدور الأميز في «بداية ونهاية» ويبدو من سياق ما كتب عن الفيلم أن الاعتراض لم يكن على أداء منصور، ولكن على الصورة الكلية لتكوين شخصية الإمام النفسي والسياسي، فرجل بهذه البلاهة الواردة في الأحداث لا يمكن أن يتولى الحكم وتقوم ضده ثورة.
أما شخصية عبد الله السلال التي أداها وجسدها عماد حمدي، فلم تواجه بالهجوم نفسه، وأيضا لم تلق التأييد الكامل، وكذلك ماجدة وصلاح قابيل وحسن يوسف تبددت قدراتهم الفنية نتيجة غياب الموضوعية في التناول، وظهور غالبية الشخصيات بشكل مسطح ومجاف للواقع والحقيقة.
وحسبما ورد في شهادة الكاتب المسرحي اليمني عبد الكريم مهدي عن صورة اليمن والفيلم الموثق لها أن من العيوب البارزة في السيناريو والقصة والإخراج هو التجاهل الكامل للفترة التي سبقت قيام الثورة وشهدت فيها البلاد قحطا وجفافا وتبويرا للأراضي الزراعية وفقرا مدقعا، وهي الأسباب الرئيسية للصورة ومقدماتها الأولى، فضلا عن خروج جموع الشعب للتظاهر أمام قصور الأئمة، وما حدث من إغلاق لأبواب القصور في وجوههم وما ترتب على ذلك من صدام مروع أدى إلى امتلاء الساحات بالشهداء.
كل هذه الأحداث الدامية أغفلها الفيلم الذي بدأت أحداثه من عودة الطالب اليمني الجامعي من القاهرة ونزوله في المطار، ثم تبشيره بالثورة والتحريض عليها، من دون أي مقدمات مقنعة أو مثيرة.
ويكمل مهدي شهادته في السياق ذاته ذاكرا أن النقطة المحورية، وهي محاولة الاغتيال الفاشلة للإمام أحمد حميد الدين، وإصابته إصابة بالغة نقل على أثرها إلى مستشفى «الحديدة» ومات بسببها عام 1960، وانتقال الحكم إلى ولي العهد محمد البدر الذي ظل حاكما حتى فجر الخميس 26 سبتمبر، حيث إطلاق الشرارة الأولى للثورة اليمنية عام 62. كل هذه التفاصيل غابت أو تم تغييبها في الفيلم الذي قدم الطالب حسن يوسف باعتباره البطل مفجر ثورة اليمن الأصلي، بالقطع يعد هذا تشويها للتاريخ والحقيقة.
ومن المواقف التي واكبت تصوير الفيلم، ووردت عرضا ضمن ما كتب عنه، أن الفنان صلاح منصور كاد يفقد حياته حين رآه بعض العامة وهو يرتدي زي الإمام فأسرع نحوه محاولا الاعتداء عليه في ميدان الشهداء، وهو ما يعكس قدرا من المصداقية أو العناية بشكل الشخصية مما يمثل مفارقة بين ما وجه إليها من نقد للمضمون ومستوى الاقتناع بها ظاهريا.
«ثورة اليمن» بما له وما عليه هو الفيلم الروائي الوحيد الذي تناول وقائع الثورة بشراكة مصرية ـ يمنية ورؤية غلب عليها الطابع السياسي وغاب عنها الجوهر الموضوعي.
كمال القاضي