السينما فن سام يصقل الذوق ويدحر الفكر الإرهابي المتطرف

حجم الخط
0

عندما نذهب إلى السينما فإننا نحب الحياة. أدى توقف تدريس الموسيقى في المؤسسات التعليمية في العقود الأخيرة من القرن الماضي وعدم تدريس السينما والمسرح والفن للنشء في مؤسسات التعليم العام، إلى انتشار الفكر المتطرف الدخيل على المجتمع المغربي، المصدر من الحركات الأصولية المتطرفة الراديكالية، التي تجعل من الخطابة التي هي أدنى مراتب الفهم سلاحا لنشر فكرها الغارق في التخلف.
وساهم منع تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع في شيوع الفكر المتطرف لدى الشباب المغربي وتعطيل عقولهم عن التفكير والنقد والاحتجاج وتجميد فكرهم وجعلهم تابعين للحركات الراديكالية التي تخلط بين الدين والسياسة بغية تحقيق مآرب سياسية على رأسها بلوغ الحكم وتسيير الشأن العام المحلي. السينما سلاح خطير لتنوير العقول ونشر قيم الحرية والفكر وطرح الأسئلة المقلقة التي تؤرق السلطات السياسية والآلة الدينية التي تخشى على مصالحها الاقتصادية. السينما تساهم في إثراء وتعميق النقاش السياسي والاقتصادي والفكري. السينما تجعل المتلقي-المشاهد- يتساءل ويطلب تبريرات لما يقع في الحياة من فقر وظلم حقوقي وسياسي وقهر اقتصادي واجتماعي، الأمر الذي يرفضه الساسة والأصوليون المتطرفون القدريون، ويدعون كل من يطرح سؤالا إلى الصبر والرضى بالقضاء والقدر والكف عن الاحتجاج، لذا يرفض الأصوليون الفن والسينما والنحت، جملة وتفصيلا، ويكرهون السينما ويعتبرون الإنفاق عليها تبذيرا، ولا يطالبون بتطويرها واستغلالها في نشر قيم الحرية والإنسانية والسلام والمحبة بين مختلف الحضارات والثقافات والديانات، بيد أنهم يستغلون منابر المساجد للدعاء بالويل والثبور على الفنانين ونعتهم الفسق والفجور وكيل الوعيد لهم بالحرق في جهنم، في المقابل يعجزون عن انتقاد الساسة والفاعلين السياسيين الحقيقيين وتحميلهم مسؤولية تفشي الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، الذي ينخر الوطن ومطالبتهم بعدم الجمع بين الثروة والسلطة، وبمعالجة أزمة البطالة والسكن والصحة والتعليم والعدل والحقوق والحريات، وبالتوزيع العادل للثروات التي يزخر بها الوطن على منابر المساجد. نهاية القرن العشرين استغلت حركات الإسلام السياسي الراديكالية والمعتدلة أشرطة الفيديو لنشر أيديولوجيتها وأفكارها المسمومة الممزوجة بالدين لتبرير منهجها في بلوغ السلطة والحكم، وكان لها ذلك، ولم تعتبر زمنئذ أشرطة الفيديو حراما لأنها بدعة من صناعة الغرب؟
شهدت المدن الهامشية الواقعة جنوب المغرب والأحياء الفقيرة في المدن الحضرية المغربية وسط وغرب المغرب، نشاطا مكثفا وفعالا للحركات الرديكالية الأصولية والمتطرفة تجلى في اعتماد هذه الأخيرة على تقنيات الفيديو لنشر فكرها عبر بث أشرطة في غرفة مظلمة مغلقة بعيد تقديم وجبات دسمة للحركات التلاميذية لتسهيل استقطابها، حركيا وأيديولوجيا وسياسيا، بانخراطهم ضمن صفوفها، ويجعلهم يعتقدون أن أطروحة الحركة هي الإسلام الصحيح النقي الخالي من الشوائب، وبالتالي وجب الانضمام إليها لأنها تشكل الإسلام الحقيقي. هنا يتعطل عقل الشباب عن التفكير بسبب قلة الاطلاع والاحتكاك بالكتب والاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة أفلام سينمائية راقية تهذب الذوق وتقوي الملكة الفكرية ومتابعة الإعلام المهني الحرفي الحر والاستماع إلى جميع الآراء، يفكر بدلهم مشايخ متطرفون ودعاة لهم نظرة مغايرة للواقع يسقطون خطابا يعود إلى العهود الغابرة ويعجز عن مسايرة العصر. النتيجة نحصل على شباب يحمل أفكارا متطرفة يعتبر رأي» مشايخه» هي الصواب والعالم كله على ظلال غارق في الجهل. فيولي وجهه شطر بؤر التوتر للجهاد في سبيل الله حسبما فهم.
السينما فن سام يصقل الذوق ويجعل خيال المتلقي متنورا ومتسعا ويدفعه إلى طرح أسئلة فلسفية تزعج الآلة الدينية المتطرفة التي تأمره بالكف عن طرح الأسئلة وان يمثل لأمرها ويخضع لما تقول ويسمع ويطيع، كما تزعج الساسة والثيوقراط. لأنهم يخشون انتقاد العقل المتنور للأيديولوجية الدينية التي تخدم مصالح الثيوقراط ويهاب الساسة حضور جمهور ذي عقل ناقد لدورات المجالس الجماعية والبلدية والإقليمية والجهوية. عندما يتابع عدد الجمهور الذي يحضر الديربي المحلي لكل مدينة أو عدد المصلين الذين يصلون الجمعة أو الفجر في رمضان في الأحياء الفقيرة والهامشية، حيث تكثر المساجد أو الغراجات الدينية، دورات المجالس المحلية والإقليم والجهوية فاعلم أن ثمة وعيا سياسيا خطيرا يهدد مصالح الساسة لدى الجمهور الملم بأهمية حماية المال العام للحصول على تنمية حقيقية.
الفن السابع يفتح دماغ المتلقي ويجعله يطالب بحقوقه كاملة غير منقوصة وبالتجديد في الخطاب والفكر بما فيه الخطاب الديني، الأمر الذي يثير حفيظة المتطرفين الأصوليين وحركات الإسلام السياسي. لذا ينبذ الأصوليون الفن. فهاكم مثالا: في الموسم الدراسي 1995/1996 كان أستاذ مادة التربية الإسلامية الذي درسني في إعدادية المختار السوسي- التي شيدها الطيار الكورسيكي كازا نوفا إلى جانب مسجد ومستشفى ومدراس ومسبح، نهاية الأربعينيات من القرن الماضي- يصف الفن بـ»العفن» أي الوسخ. يبدو أن الفرنسي يؤمن بـ»لكم دينكم ولي دين».
السينما اليوم في المغرب فكر وثقافة على وزن قول أبو سفيان «آلهة قريش تجارة وعبادة» تسوق صورة المغرب خارجيا ويفوق تأثيرها تأثير الدبلوماسية العرجاء وتزدحم بفضلها الفنادق بالسياح والمنتجين والمخرجين والممثلين والتقنيين. ويفد إلى المغرب حجيج شركات الإنتاج وأهل الفن، وتدر دخلا معتبرا لخزينة الدولة، بلغ عام 2014- 105 مليون دولار- بفضل تصوير أفلام أجنبية في المغرب. أما عام – 2015- فقد فاقت إيرادات تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب 40 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2015. وبلغت الميزانية التي يتم استثمارها في المغرب من خلال تصوير الأفلام الأجنبية 40، 6 مليون دولار. إذن السينما في المغرب ثقافة وتجارة.
فشل المنظومة التعليمية في تكوين وتخرج أجيال تفكر وتنتقد، لا تحفظ وتكرر كالببغاوات، وبعيد اجتياز الامتحان تنسى ما حفظت، وعدم الاحتكاك بأمهات الكتب وعدم إدراج تدريس السينما والموسيقى ضمن المنظومة التربوية – التعليم العام- جعل الشباب فريسة سهلة للتنظيمات الأصولية المتشددة الراديكالية. لذا وجب الاعتماد على الفن السابع لدحر الإرهاب والإرهابيين ونشر قيم التسامح والتلاقح والترادف والسلام والمحبة والاختلاف.
نخلص إلى أن الفن السابع أبلغ وسيلة لمحاربة الفكر الإرهابي المتطرف وأعظم سفير للمغرب. السينما مهة اقتصاديا ولها دور محوري في نقل الثقافة المغربية إلى العالمية، لذا وجب تشجيع انتشارها في المغرب على أوسع نطاق والعمل على تكوين كتاب محترفين في كتابة السيناريو ونقاد جيدين ذوي اطلاع واسع على تاريخ الفن والسينما، وجمهور متذوق مولع ملم بالثقافة السينمائية.

صالح بن الهوري ـ المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية