السينما وتنوع الجنسيات… مخاطر الذوبان في ثقافة العولمة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ كمال القاضي: لأن السينما إحدى النوافذ المهمة للانفتاح على العالم فقد مثلت بعدا رئيسيا في العلاقات العربية ـ العربية والعربية العالمية، ومن ثم تأتي المهرجانات كداعم لتلك العلاقات باعتبارها فرصة لتلاقي الثقافات بين المجتمعات المتفقة والمختلفة في اللغة واللهجة، فأهم ما يميز الفنون بشكل عام والسينما بشكل خاص أنها عابرة للحواجز والحدود ولا تكترث كثيرا بالخلافات السياسية بين الحكومات وإنما تستهدف العناية بالشعوب آملة في خلق مناخ ثقافي صحي يكون الإنسان فيه هو المحور.
لقد أقيمت على هذه الخلفية وتلك القناعة مهرجانات عربية تسعى إلى بلورة هذا المحور في إطار من التفاهم والدبلوماسية، وعلى أثر نجاح التجارب الفنية الثقافية السينمائية في العديد من الدول ونمائها الدائم تطورت الفكرة فشملت تكوينات أخرى من الجنس نفسه والنوع نفسه، لم تعتن فقط بتفعيل الثقافات العربية ـ العربية داخل القطر الواحد، ولكنها ذهبت لما هو أبعد من مستوى التلاقي العربي إلى تلاقي القارات الثلاث في إطار واحد تحت مسمى مهرجان القارات الثلاث، حيث ينطلق من دولة أوروبية كركيزة ونقطة ثابتة ليبعث بشعاع الضوء الثقافي إلى أرجاء القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا متخطيا فكرة التعصب للغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا.
اللافت هو سرعة التجاوب من كافة الدول المعنية بالسينما، كرافد ثقافي ومعرفي مهم للمشاركة في الفعاليات، وإثبات جدارة في هذا الصدد بإنجاز نوعيات مهمة من الأفلام على كافة المستويات، فهناك أفلام تطرح قضايا إنسانية بامتياز وهي المفضلة غالبا بوصفها لا تقف عند حدود الإشكاليات التقليدية التي قد تتمثل في الخلافات السياسية وتتأزم بتأثير المشكلات الناشئة عن تلك الخلافات، فهي لا تلقي بالا لهذا كله وتتعامل فقط مع الإنسان كونه إنسانا بعيدا عن أي شيء آخر. وبخلاف هذا النوع السينمائي تزخم المهرجانات بنوعيات مغايرة تضع كل وجهات النظر أمام الجمهور وتترك له مساحات الحرية متسعة لاختيار ما يناسبه وما يوافق ميوله وأفكاره، وهي ميزة عظيمة لا تتوافر إلا في فنون السينما والمسرح وأشكال درامية متعددة الألوان فضلا عن الموسيقى والفن التشكيلي وغيرها. وربما تفسر لنا طبيعة الفنون والثقافات ظاهرة تعدد المهرجانات وعموميتها، فقد فطنت الأنظمة السياسية في كافة الدول إلى سحر الفنون وقدرتها على حل الأزمات وفض الاشتباكات السياسية، فأخذت توسع دوائر الثقافات والفنون لإيجاد وسائط إضافية للتخاطب عبر حوارات جادة وحقيقية تكون فيها الشعوب طرفا أصيلا، لذا فإننا نلحظ نشاطات مكثفة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكسر الجمود ومحاولة تقديم الفنون، ومن بينها السينما كأولويات لتقريب المسافات ووجهات النظر، كي ينعكس ذلك على العلاقات الدبلوماسية انعكاسا مباشرا وتكون البداية طوعية من المواطن الفرد الذي أقبل على المصنف الثقافي وقبل بفكرة التبادل، وأتصور أن الاتحاد الأوروبي نجح بالفعل خلال سنوات الإعداد والتجريب والدعم في تثبيت مفهوم الثقافة كنواة لمشروعه التوعوي التنموي في منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها مصر، ولو صح ما نقوله ستكون الثقافة سلاحا ذا حدين، الحد الأول ومع الافتراض الكامل لحسن النية هو إنشاء علاقات ودية بين الشعوب، قائمة على التفاهم والاستيعاب والتواصل الفكري بشكله الصحي وطبيعته البناءة وهو أمر مقبول ولا غضاضة فيه. أما الحد الثاني من السلاح الثقافي فهو ذلك الحد المخيف الذي يخشى منه على ذوبان الهويات والقوميات وفقدان الشخصية والخصوصية تحت زعم العولمة وشعار الثقافة العامة بمفهومها الكوني الأشمل ومصدر الخوف أن الشعار ذاته بارق ومغر وجاذب وربما كاذب أيضا لأنه لا وجود لمفهوم وخطاب ثقافي عالمي عام إلا بوجود هوية خاصة لكل مجتمع وكل فرد وكل إنسان. نعود إلى ما بدأناه عن أهمية الثقافة والفنون كروافد مهمة ترقى فوق الخلافات السياسية بين الحكومات والأنظمة وهو مبدأ نؤمن به ونسعى على ضوئه لتعظيم دور المهرجانات والاحتفاليات الفنية والثقافية، لكن شريط الاحتفاظ الكامل بالثقافة الذاتية والحرص كل الحرص على عدم الذوبان في خليط العولمة والثقافة متعددة الجنسيات متعددة المخاطر.

السينما وتنوع الجنسيات… مخاطر الذوبان في ثقافة العولمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية