شكل الحضور الكثيف للشباب العربي وانخراطه في الانتفاضات والاحتجاجات التي شهدتها المنطقة، مدخلاً أساسياً وربما حتمياً لتفسير ما حدث من احتجاجات بوصفها تعبر عن استفاقة الشريحة المجتمعية الشبابية بعد أن كانت عاملاً خاملاً في الحياة السياسية.
ووفقاً للحكاية والسردية المعهودة حول مشاركة الشباب، شكّل شعورهم بالإحباط وانعدام الحريات عاملين خلفا مشاعر غضب في أعماقهم، ما دفعهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي هرباً من واقع الكبت السياسي. وهو ما مكن هذه الشريحة المجتمعية من خلق مجتمع متخيل إلكتروني جديد أقل تديناً وأكثر تحرراً ودعماً للسياسات العلمانية. ووفقاً لجون اسبوزيتو الباحث المتخصص في السياسات الدينية في الشرق الأوسط، في مقالة نشرها على موقع «سي أن أن» عام 2011 فإن «الموجة الراهنة من المظاهرات الشعبية كانت بقيادة شباب خاب أملهم بسبب إخفاقات الأنظمة الاستبدادية الإسلاموية في السودان وإيران وطالبان في أفغانستان، والسعودية كذلك، وأن الشباب ما عادوا يفضلون حكماً دينياً، بل حكماً ديمقراطياً».
وبناء على السردية السابقة، تشكّل عدد من البديهيات والمسلمات، حكم معظم المقولات حول الشباب العربي وعلاقته بالانتفاضات بوصفه: أكثر تعلماً، وأكثر انفتاحاً، وأكثر ميلاً للتظاهر، وأكثر رغبة في التغيير.
وفي الرد على هذه السردية، ترى رباب المهدي استاذة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في القاهرة في مقالة حملت عنوان «تشريق الانتفاضة المصرية»، أن مقولة «الاستثناء العربي» في قبول الديمقراطية قد استبدلت بعد الربيع العربي بالمجاز الاستشراقي «يقظة العرب» الذي يتسم بإضفاء الرومانسية والغرائبية، وأن هناك رؤية أخذت تلقى رواجاً عند النخب المحلية بوصفها نخبا تتعاون في نشر السرديات الغربية حول الشرق (وفقاً لمقولات سعيد وبارثا تشاترجي)، وتكمن هذه الرؤية في الفرضية التي تقول إن الانتفاضات العربية هي بالأساس ثورات شبابية لاعنفية أبطالها مواقع التواصل الاجتماعي لاسيما «فيسبوك» و«تويتر»، الذين يتمتعون بالقيم الغربية الديمقراطية، كما أنهم يستخدمون الأدوات نفسها. ووفقاً للباحثة، فإن هذا التقييم والرفع من شأن بعض الشباب عبر جعلهم أيقونات ثورة، بينما يُنسى غالبية من شاركوا في الانتفاضات والذين ينتمون في جلهم للطبقات المهشمة، هو أمر يدعو للحيرة والقلق، لأنه يقوم على سردية تدعمها وسائل الإعلام والقوى الغربية، مما يؤسس مرة أخرى لرؤية امبراطورية غربية ترسم صورة جديدة للهامش، يُنبذ فيها المهمشون الحقيقيون (الطبقات المشاركة في الثورات) لصالح بناء متجانس استشراقي جديد يدعى «الشباب». ورغم إشادة الأكاديمي الإيراني حميد دباشي في كتابه «الربيع العربي ونهاية حقبة ما بعد الاستعمار» برؤية المهدي ومشروعيتها في ما يخص التمثيل الناقص والمشوه للواقع وللجماعات التي شاركت في الانتفاضات، فإنه يرى مع ذلك أن هذه اللغة التي اعتمدتها الكاتبة لقراءة السرديات الغربية حول الانتفاضتين التونسية والمصرية بوصفها لاتزال تصاغ تحت رحمة المستشرقين واستعاراتهم التي تشوه حقيقة تجربتنا الحيوية، باتت نمطية، لأنه وفقاً لدباشي إذا أردنا أن نفك شيفرة التطلعات الثورية الحديثة التي توجه الطريقة التي يتكلم بها الناس عن انتفاضتهم، يجب أن نتخلى عن التفكير والكتابة، بطريقة رد الفعل على الأفكار المبتذلة للاستشراق، خاصة أن ثنائية غرب/شرق، كانت ثنائية مزورة منذ بداياتها الأولى، وقد استنزفت نفسها معرفياً.
ويستطرد دباشي في هذا الجانب بالقول: «إن المهمة التي علينا الاضطلاع بها بعد الربيع العربي هي الشروع بإنتاج كتلة من المعرفة عبر لغة تليق بهؤلاء الأبطال، الذين لم يعنوا بشعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، إسقاط النظام السياسي فحسب… بل كانوا يعنون إسقاط اللغة التي ورثناها في فهم الأشياء ونقدها، ولذلك بدلاً من استيعاب الأشياء بطريقة استرجاعية كي تتلاءم مع معرفتنا المتوارثة ومع أشباح الماضي المتمثلة في «الاستشراق»، نحن بحاجة إلى أن نتغلب على قلق الاستشراق، وننقل عدسة تنظيرنا نحو تاريخنا المتطور، ونتوقف عن محاولة تفسير الأمور وفق ما يرتئيه الرجل الأبيض الوهمي، الذي جلس في عقل ادوارد سعيد طوال الحياة، ذلك الرجل الأبيض الخيالي ميت وهو لم يكن بالأصل، لقد كان خرافة صنعها عصر ما بعد الاستعمار».
ورغم أن دباشي، استطاع في معالجته لرؤية رباب المهدي، أن يُظهرِ الاستنتاجات المتسرعة في تحليلها، بقي مع ذلك مشغولاً في كتابه هذا بمراجعة الإرث الفكري لمنظري ما بعد الاستعمار، وكشف مسألة أننا لم نعد مخلوقات ما بعد كولونيالية. مما جعله لا يولي اهتماماً بمقولة الشباب كمقولة تحليلية؛ على الرغم من تكوينه السوسيولوجي (درس سوسيولوجيا المعرفة أساساً). لكن هذه المقولة كانت محط اهتمام من قبل السوسيولوجي الأمريكي الإيراني الأصل آصف بيات، الذي انطلق في دراسته «استعادة الشبابية» المنشورة في كتاب «الحياة سياسة» من مقولة الشباب كمقولة اجتماعية، عبر رفض فكرة ربط الشباب في ضوء مركزية السن، لصالح تعريف يربط الأخير بمطالب الشباب وباستعادة الشبابية. ووفقاً لبيات، لا تعد الشبابية بوصفها طبقة ثورية فكرة جديدة. فقد اقتنع كثير من المراقبين خلال الازدهار الرأسمالي في حقبة الستينات، بأن الشباب (النشطاء في الجامعات، والحركات المناهضة للحرب، ومن يقومون بإنتاج أساليب حياة بديلة) يشكلون القوة الثورية للتحول الاجتماعي في المجتمعات الغربية. ولذلك نظر هربرت ماركيوز في الولايات المتحدة إلى الشباب على أنهم احتلوا موقع البروليتاريا بوصفها فاعلاً رئيسياً في التغيير الاجتماعي.
مع ذلك يرى بيات أن هذه الرؤية غير دقيقة، ذلك أن الحركة الشبابية ليست كالحركة السياسية النشيطة للطلاب، كما أن الحركات لا تُعرف ببساطة بهوية الفاعلين، وإنما من خلال طبيعة المطالب التي تنادي بها، ولذلك ليس بالضرورة أن تكون الحركات الشبابية فاعلة على المستوى الثوري والسياسي، وربما هذا ما بينته النزعة السياسية المحافظة لكثير من صغار السن في الغرب فيما بعد الستينيات، الأمر الذي دفع ماركيوز لاحقاً إلى التراجع عن موقفه الأول، عبر الاعتراف بأن سردية تشكيل الشباب لطبقة ثورية غير دقيقة.
وبناء على ذلك يقترح بيات القيام بعملية فصل بين الحركات الشبابية والحركات السياسية الطلابية، من خلال النظر في خلفيات وتشكل الحركات الشبابية، التي تعتبر ظاهرة حديثة وحضرية كما يرى. ففي المدن الحديثة يتحول الصغار إلى «شباب» عن طريق تطوير وعي خاص حول كونهم صغاراً وحول شبابيتهم. كما أن وسائل الاتصال الجماهيري والفضاءات الحضرية والحدائق العامة، ومراكزالشباب، والمحلات التجارية الكبيرة، ونواصي الشارع المحلية، تقدم مجالات لتشكيل الهوية الجمعية والتعبير عنها. وهنا يمكن للجماهير المتفرقة من الأفراد الصغار أن يشتركوا في خصائص عامة للتعبير عن مظاهر القلق المشتركة، وطلب الحرية الفردية وبناء هويات مخالفة وتأكيدها. ومع ذلك فإن الهويات تتشكل بالأساس عبر «الشبكات السلبية»، التي تتم إقامتها من خلال الإدراك الضمني (الكامن) لمظاهر التشابه والظهور في الفضاء العام، ومن خلال الاشتراك في اقتناء الرموز الجمعية المستخدمة (القمصان والسراويل وأساليب قص الشعر).
وقد تبين لبيات من خلال مقارنته بين المشهدين الإيراني والمصري، أن ظهور هذه الأنماط الجديدة من التعبيرات عن الذات، لا يعني ابتعاد الصغار عن الدين، بل باتوا جزءاً مركزياً من حركة الإصلاح ما بعد الإسلاموية (كما في حالة إيران)، أو تكيفوا مع القواعد الاجتماعية والسياسية كما في حالة مصر. ففي الوقت الذي يرفض فيه معظم الشباب حضور الاحتفالات التي تقام في المساجد، فإنهم يذهبون إلى المحاضرات العامة والخاصة التي قدمها «مثقفون دينيون»، وهي ظاهرة انتشرت في منتصف التسعينيات.
ورغم الرؤية السابقة، بقي بيات محافظاً وحذراً حيال أي توقعات سياسية لهذه المظاهر الجديدة، الأمر الذي عبر عنه في نهاية دراسته بالقول: «إن هذه الاستراتيجيات، على الرغم من أنها تجديدية قد تكيفت مع النظام السائد للقوة، الأمر الذي يعني أن الشباب المصري قد ظل يمارس تجديداته من داخل النظام السياسي للدولة المدنية الدينية». رغم ذلك، فإن كتاب بيات الصادر عام 2009 (والمترجم للعربية عام 2014) وغيره من الكتب التي انشغلت بالكشف عن الممارسات الثقافية والاجتماعية الجديدة للشباب العربي، بدت مع بدايات الانتفاضات العربية، وكأنها تمتلك قدرات تنبؤية كبيرة حول ما يحدث في العالم العربي، خاصة على مستوى قراءة اللاحركات الاجتماعية ورصد مظاهر السراويل العلمانية داخل شوارع الشرق الأوسط، وهذا ما أدى في مرات عديدة إلى الوقوع في شراك تفسير الانتفاضات العربية بناء على هذه الدراسات (رغم أهميتها البالغة)، وبالتالي تفسير ما حدث من حراكات، من خلال العودة إلى معرفتنا ببعض تحولات الماضي. وبذلك تكون النتيجة أن الثورة كانت أمراً لا محيد عنه، وأن جذور هذه الحراكات تعود للمظاهر الجديدة الشبابية التي شهدتها بلدان المنطقة، وهو ما ساهم في تعزيز سردية الشباب العربي بوصفهم قادة وأبطال هذه الثورات.
نهاية شهر العسل مع سردية الشباب المرح:
وأمام هذه السردية التي جعلت من التبدلات على مستوى الذات والمظهر لدى الشباب العربي، تفسيراً لكل ما حدث لاحقاً داخل العالم العربي، بدون القول مثلاً إن هذه الحركات الشبابية قد لا تعني – كما أشار بيات- تشكيل مصدر حتمي للتغيير. يرى كلا من مايكل هوفمان وأماني جمال، باحثين في جامعة برنستن في دراستهما المشتركة «التفضيلات السياسية للجماعات الشبابية» المنشورة في كتاب «شرح أسباب الانتفاضات العربية»، أنه من الخطأ الإسراع في بعض الاستنتاجات التي ترى أن التفضيلات الاجتماعية تترجم دوماً إلى سلوكيات سياسية، وأن حالة اليأس من قبل الشباب، أو حالة الإحباط قد تدفع هؤلاء الشباب إلى تبني طريق الثورات بوصفه الطريق الأمثل للتغيير. كما أن رصد بعض التغيرات على المستوى المظهري أو الخطابي حيال القواعد الأخلاقية أو الدينية، ليس من الضرورة أن تعني رغبة في التحرر من الدين لصالح أنماط من الحياة أقرب إلى السياسات العلمانية، أو حتى رؤية جديدة على مستوى الحكم السياسي، ولذلك بدلاً من ذلك يقترح علينا الكاتبان العودة إلى الوراء (قبل الانتفاضات العربية) وإعادة النظر من جديد بعلاقة الشباب آنذاك بالتغييرات والأنظمة السياسية والحالة الدينية، وهو الأمر الذي ساعد برأينا على زعزعة النظر بالكثير من التقييمات التي قيل إنها دفعت الشباب للقيام بثورات مثل: البطالة، والكبت السياسي، وولادة مظاهر شبابية جديدة، واشتهاء العلمنة.
وبناء على دراسة لبيانات أخذت من استطلاعات مقياس التغيرات العربية، التي أجريت في سبعة بلدان عربية قبيل الربيع العربي من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. يظهر لنا تحليل بياني حول الرضا من الحكومة نتيجة مفاجئة، مفادها أنه بشكل عام ثمة قابلية عند الجيل الأصغر تفوق تلك الموجودة عند المجموعات الأخرى للاعتقاد أن قادة الحكومات يهتمون بالمواطنين العاديين وأن الحكومة تخلق ظروفاً تفسح مجالاً للازدهار. وعلى عكس الصورة الشائعة عن الشرائح السكانية الشبابية على العموم والشباب العربي على وجه الخصوص، فإن المواطنين الأصغر سناً في العالم العربي متعاطفون بقدر أكبر مع قادتهم.
ويوضح رسم بياني حول التقييمات الاقتصادية حسب المجموعة، أن الشباب في أول موجة من استطلاعات مقياس التغيرات العربية، كانوا أكثر رضا عن الظروف الاقتصادية في بلدانهم من الأجيال القديمة. وقد يكون للظروف المتغيرة (ارتفاع أسعار الأغذية عالمياً) دور في التعجيل بتجييش الشباب ضد الأنظمة المختلفة في العالم العربي. إلا أننا لا نملك – حسب الباحثين- إلا دليلاً ضعيفاً للاعتقاد بأن تلك التغيرات قد تكون هي وراء الاحتمال القوي نسبياً بانخراط الشباب في التظاهر ضد الأنظمة المختلفة. كما يؤكد رسم بياني آخر حول البطالة والمشاركة في التظاهرات أن متغير البطالة في حقيقة الأمر مرتبط ارتباطاً سلبياً مع التظاهرات في النماذج كلها. كما يبين رسم آخر حول السمة الرئيسية للديمقراطية، أن الفئات الأصغر سناً يفهمون السياسة كما يفهمها الكبار، فالجيل الأصغر مرجح أكثر بقليل من الآخرين للاعتقاد بأن الانتخابات هي السمة الأساسية للديمقراطية. ولكن يبقى الفرق بسيطاً وليست له أي دلالة مهمة من الناحية الإحصائية.
من جانب آخر، يرى الباحثان أنه كثيراً ما أخذ يتردد بعد الربيع العربي فكرة مفادها أن الشباب هم في العادة الأقل تديناً وممارسة للشعائر الدينية، ولذلك فهم الأكثر مطالبة بمسألة الفصل بين الدين والسياسة، والتسامح مع الديانات الأخرى. في حين يبين مخطط بياني حول دعم الشريعة والتسامح بين الأديان أن الشباب قد أبدى ميلاً مقبولاً لتأييد فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية وميلاً أقل للقبول بالعيش بارتياح مع أصحاب المعتقدات الأخرى. كما أن انخفاض مستوى التدين الشخصي لم يترجم إلى مواقف تطغى عليها الصفة العلمانية أو مواقف سياسية غير متشددة. وعلى الرغم من انخفاض متوسط تدين الفرد، يبقى الدين هوية سياسية محورية. حيث يوضح الرسم البياني المتعلق بهوية المسلم أن الشباب مرجحون أكثر للتعريف عن أنفسهم كمسلمين بالدرجة الأولى وليس كمواطنين لدولة كذا أو مواطنين عرب. وبذلك فإن أشكال التدين الجديدة قد لا تتماشى بالضرورة مع الهوية السياسية الدينية، وقد لا تكون إشارة لانخفاض أهمية الدين ـ وخصوصا الإسلام- في الحياة العامة.
وبناء على هذه النتائج، يرى الباحثان أن التعبئة الشبابية ضد الأنظمة السياسية المختلفة لم يكن محركها الأساسي «الشكوى» من النظم، لأن الشباب كان أكثر ميلاً إلى الشعور بالرضا عن الأنظمة الموجودة مقارنة بمجموعات أخرى. وعلى نقيض ذلك، يبدو أن «فرصاً» حقيقية ومرئية، قد تكون وراء التعبئة الشبابية. والأحرى بنا البحث حول هذه الفرص السياسية وكيف تشكلت بدل الارتهان إلى سرديات ومقولات عامة مثل سردية الشباب.
٭ باحث سوري
محمد ربيعو