شامة درويش شاعرة جزائرية، حاصلة على ماجستير نقد معاصر وقضايا تحليل الخطاب من جامعة الجزائر 2017، وتعمل أستاذاً مساعداً في جامعة أم البواقي. شاركت في عدة ملتقيات وندوات أكاديمية وثقافية، كما حصدت العديد من الجوائز. من دواوينها «جدائل متمردة» و«كعْب يمشي على حافّةِ الألوَان». وللوقوف على تجربتها الشعرية كان معها هذا الحوار ..
■ بداية هل يمكننا الفصل بين اللغة والكينونة؟
□ مارتن هيدغر جعلهما شيئا واحدا، لأنّه استبطن أصل الأشياء، فاللغة الشعرية تشبه تماما لغة الأطفال، لما لها من قدرة على تطعيم الواقع بالخيال، ولما لها من هواية المغامرة غير المحسوبة، فقد نكون متمرّدين على إنسانيتنا لبلوغ مرتبة الخوارق والعجيب، وربما يكون انزلاقا نحو عوالم الأسمى والأرفع والأنبل.
لابدّ من وجود الشعر، لأنّه الشيء الوحيد الذي يعيد بناء الأشياء، ويرجع بنا إلى الوراء، فيستعيد العلاقة بين عوالم الخيال وعوالم الإنسان، وهو الوحيد القادر على التوغّل بنا إلى الأزمنة الخيالية والأزمنة السحيقة. قد أكون شاعرةً أحيانا، لكنّني إنسانٌ دائما.
■ أي حدود ترينها بين الشعر والسرد؟
□ لم تعد الخطابات الحداثية تذعن لتلك التوثيقية التجنيسية، ولم نعد نرتهن لتلك الوثوقية التصنيفية، بل لم يعد الخطاب يرتهن للصوت الواحد، إذ تتعدّد الأصوات داخله، فتتعدد الذّوات، وتتماهى ونكون أمام مفارقة سؤالية: كيف نقول الآخر؟ كيف تقول الذّات ذاتها؟ وكيف نقول الوطن؟ ومع ذلك يمكنني القول: إنّ السرد شعور بما نكتب، والشعر سرد لما نشعر به.
■ من أين أتيتِ بالقصيدة ؟ ولماذا تكتبين المجاز؟
□ من حديقة المعنى أتيتها، لكي أقول للعالم (إن القصيدة جرح مفتوح، كلّما كتبناها أدمت وأوغلت في الغموض) ذلك المجاز الحزين، يتخفّى خلف المفاهيم، يجيد الترنّح بين المقولات، يكاد يقول شيئا، لكنّه في النهاية لا يقول أي شيء واضح، فيتمنّع المعنى خلف المجاز، ويحتفي بغموضه وبساطته أحيانا، فالشيء العميق هو البشرة، كما يقول بول فاليري، فوراء السطح ينبغي البحث عن الأعماق دوما، وبما أنّ المجاز عمق، فلا أجدني أكتبه مختارة، بل مرغمة على تتبّع تفاصيله وإيجازه في معظم الأحيان.
■ هل لك من طقوس وعادات عند الكتابة؟
□ في حساب اللغة والكلام يسقط الزمان والمكان، يكونان عدما، فلا أنا تماما في المكان الصحيح ولا أنا في الزمان الصحيح. قد يقول قائل إنّ إرادتي هي التي تحكمني، ويُسقط الزمكانية من وجوده، لكن هل يصحّ التملّص منهما، والمكان محاصر بالزمان القديم؟! أحتاج إلى نسف الكثير وتدمير الكثير واستبدال الكثير، كي أثبت مقولة (الخيال تمرّد على كلّ الظروف)، لأنّه لا مكان للأفئدة العصيّة والمتمرّدة. كما أنّني أعتقد أنّ الكتابة طقس حميميّ، مزاجي، وولادة عسيرة من رحم الوجع، أليست الجنة في اعتقاد العموم مكانا؟ لكنّها زمان موغل في التقرّب من الله، ذلك هو جوهرها، وبما أنّ المفاهيم لا ثبات لها، فالمكان غير ثابت، لأنّ الكتابة وحي، ونحن أنبياء التبليغ لو يعلمون.
■ لا يخلو أي اختيار للعناوين من معاناة، ما الذي حدث مع «جدائل متمردة»؟
□ تلك الجدائل هي انبعاث الروح بعد سباتها عشرية كاملة من الزمن في اللاجدوى، وحياة اجتماعية غير منتجة، بمعنى لم أكن أنا حين توقفت عن الكتابة، وتخلّيت عن أكثر الأشياء عمقا في حياتي. ثمّ ما هي الحياة؟ أليست جملة تتعثّر بالمعنى واللاّمعنى؟ ثمّ ما معنى ألاّ أكتب وأنْوَلِد كلّ يوم مع نصّ جديد، وأموت بعد أن يخرج منّي نفسه الأخير، لأعيد بعث الروح داخلي مرّة أخرى، ومع كلّ موتة أتجدّد. العناوين أو العتبات، هي آخر شهقة قبل ارتكاب جرم نهاية النص، في انتظار عملية التشريح المفتوحة على كلّ تأويل.
■ وما هي هذه الجدائل الشاقة لعصا الطاعة؟
□ هي كلّ ما ترسّب في الذات، هي القصيدة التي لم تأت بعد، وهي الضفائر الملتوية مع منعرجات الحياة، وهي أحلامي المتهالكة والمتحقّقة، والمؤجّـــلة، التي لن تتحقّــــق لعديد الأســـباب.. تلك الجدائل يا سيّدي ممارسة موغلة في الخطــــورة، لأنّها ببســـاطة تأويل لصدمة المواجهة، وتعبــــير عنقوديّ عن وعيٍ مفارق وعنف ما يصنعه الموقف، انطلاقا من منافٍ وإقصاءات واغترابات موجعة وعتبات ساخنة، تلك التي قد تقودنا إلى الجحيم، أو توهمنا أو توقظنا من غفوتنا، لنجد أنفسنا في سجن المعنى رغم شساعته. قد نقصّ بعض الأحجيات، ونقع في النقائض، تماما مثلما تفيض أحلامـــنا المحشــــوّة بالشغف، والملغومة بالحرية والآملة بالتطهير، والذات المرتهنة بالتعالي.
■ وكيف جاء اسم ديوانك «كعب يمشي على حافة الألوان»؟
□ كنت أمشي على دروب وعرة محاولة مني تذليل المنعرجات الوجودية الممكنة، فالتفتُّ حولي فلم أجد شيئا تغيّر. دربي رماديّ بحذائي العادي. قرّرت ولوج عوالم الألوان والمشي على حوّافها بكعب عالٍ. تلك هي الورشة/الوجود التي جعلتني أنحت كعبا من لون الطريق.
■ لو غصت الآن كشاعرة في أعماق طفولتك، فما الذي تجدينه هناك؟
□ قد لا نتـــوافق في كثــــير من الفصول الذهنية، والمشاهد الفكرية، لكنّ هناك نقطة جذب تجعلنا ننتمي إلى هـــذا الكون، نقطة اسمها (الولادة)، حينما نختلف في الحب، نحن نضيف إلى هذا الكون فصلا آخر من فصـــول التماهي الروحي، فكلّما حدث التطابق بين اثنين محبـــّين تولّد الملل وتمكّــنت الرتابة من الناس. لهذا تحديدا أقول: إن اختلافنا معنا هو تجديد لطفولتنا العميقة. وأنا الآن أعيش طفولتي من خلال قصيدتي التي لن تكتمل، وتلك تهمتي.
حوار ـ عبدالله المتقي: