■ على خلاف أورهان باموق، الذي اعترف بفضل الرسام (الذي ود أن يكونه)، على الكاتب (الذي كانه)، في العديد من الخصال التي وهبه إياها في التقاط المشاهد وتدوينها. يقول إسماعيل الرفاعي، الفنان والشاعر السوري، إنه لا يفضل إخضاع تجربته للتصنيف والعنونة، ويجد حرجاً أحياناً في التعريف عن نفسه بالشاعر أو الفنان، ذلك أنه ليس ثمة خصومة بين هذا وذاك. وليس، بالأحرى، هناك فرق يذكر، طالما أنهما يقومان بالمهمة ذاتها. الأولى بالرصد والمراقبة، كما يقول، ليس الفوارق في التصنيف بينهما، بل كيف يؤديان هذه المهمة.
ومثلما يرى الرفاعي خطأ في محاولات التصنيف. فهو يرى، أيضاً، مشكلة في تقييم الفن بناء على معطيات مسبقة، و»مساطر» تؤطر العمل، وتطفئ جوهره في دياميس التعريفات، ذلك أنها تسقط من العمل ميزة الكشف. وعندما يكون لدى المتلقي تصور عن الأجمل، فإنه يقوم بتضييق الآفاق على نفسه. وعندما يتم الحديث عما يفيض من داخل الإنسان، فإن مصدر العمل الإبداعي هو الروح، ويتم تلقيه من خلالها. عندما نريد أن نفهمه، أو نختزله. يرى إسماعيل، أننا «سنقع في مشكلة التأطير، التي هي عملية ذهنية، بالتالي فنحن نقيم بالأدوات الخاطئة». ليست هناك لغة مشتركة بين الذهن والروح، تقييم العمل الفني من خلال الذهن سيجعله مقعّراً. الفن هو تعبير عن المطلق. محاولة فهم المطلق بالمحدود، هي عملية خاسرة.
الحضور الكامل، الذي هو وسيلة الإنسان للبوح بلسان الكون، يعني انقطاع المنتج عن ذهنه، وعن حركة العقل القهرية، وقدرته على التلقي بكليته، أن لا يكون ثمة ما يحول بينه وبين ما يراه. أن يرى السحب جميعها في قطرة ماء، وأن يشاهد الكون كله في عشبة، أي أن يكون الجوهر المطلق قادراً على التكشف في أبسط الأشياء. فالأمور تحدث ببساطة، والوردة لا تبذل جهداً في إشاعة العطر، إنه يفيض من تلقاء نفسه. والحياة، مهما بدت معقدة في ما نراه، لن تتكشف إلا بالاستسلام للفيض الداخلي، بعيداً عن القسر والإجبار.
يرى إسماعيل الرفاعي، أن لحظة الاكتشاف الأولى للحياة، تمر دائماً عبر المشهد الأول الذي يراه المرء، وعبر التجربة الأولى التي خاض غمارها. العالم كله يقف عند عتبة الباب. واكتشاف كل ما يمور في هذا العالم، ينطلق من اكتشاف المرء لذاته في حالتها البكر، قبل أن تتلوث بالأخطاء والمفاهيم والمقولات و»الأخلاق» السائدة، سيان فيها بين القبيح والحسن.
ومن هنا يأخذ الفرات قيمته لدى إسماعيل، فهو حين يتحدث عن الطبيعة في أي مكان في العالم، يكفيه أن يقول «شجرة الغرب». وحين يتحدث عن نافذة بيته المطلة على الفرات، لا يتحدث بذاكرة الحنين فقط، كما يقول، ذلك أن هذا المشهد يدفعه لكشف عوالم أخرى لم يكن يعرفها من قبل، أي أن «الحارة» تتحول لدى الرفاعي إلى الطريق الذي يقوده نحو العالم بخطوة واحدة.. يعقب على هذا بالقول: كل من قرأ روايتي «أدراج الطين»، كان يقول لي باستغراب «وكأنك كنت تكتب عن حارتنا». فهو يرى أن فان كوخ حين رسم وردة عباد الشمس، لم يكن يريد بذلك نقل مشهد لوردة ما في أحد الحقول، بل كان يرسم الأرومة الأصلية لعباد الشمس، التي هي وردة جميع الحقول. وعندما يتحدث عن أم محمد، التي كانت تقص الحكايا على أطفال الحارة، كان يعني بذلك كل عجائز الأزقة، الجالسات على كراسي القش في ساعة الغسق. وبالتالي ليس هناك انحياز للمكان، بحسب قوله، «الفرات أطلقني إلى خريطة أوسع إلى تضاريس وعوالم وأرواح أخرى. ولا أخفي أنني وقعت في شراك الحنين، ذلك الذي يحجب عن المرء كل ما سواه، حتى أدركت في لحظة ما أن الحنين يمكن أن يكون قيداً».
هامش:
صدرت لإسماعيل الرفاعي مجموعة شعرية بعنوان «وعد على شفة مغلقة»، ورواية «أدراج الطين»، ويعمل على إصدار مجموعة تحت عنوان «الطفل عند منعطف النهر».
من نصوصه:
أعلم أيضاً/ كم من الجماجم تصطك تحت عباءتك/ كقلائد مُعدّة لسياج الأرض/ تخطئ عيناك قراءة الضوء،/ كلّما دنوت من المصابيح العائمة هناك/ تفرّ ظلالك وتتلاشى عند برك الدم/ النوافذ مغمضة الستائر/ الأقواس تسقط عن جسورها في الأبواب القديمة/ يتقشّر ذهب الزخارف/ وينزلق وجهك عن زئبق المرايا/ وأنت تلتهمين القرابين دون هوادة/ أكنت تعدّين لذلك كلّ هذه السنين؟/ أكنت ترقبين شجر المدينة/ بفأسك المثلوم هذا؟
كاتب سوري
مصعب النميري