تعيدنا قصائد الشاعر زعيم النصار إلى فضاء كتابة القصيدة المركبة، وإلى تقانة جملتها التصويرية، حيث تنفتح لغتها النثرية بمزاجها الثمانيني على شعرية الأنا، عبر أفقها البصري، وعبر تجريدها وتجريبها، وعبر حدس رؤيتها، وإشعاع فكرتها، إذ يستنطق من خلالها الشاعر سرائر اليومي والوجودي والمسكوت عنه، ولاستكناه ما يتجلى فيها من إشراقات، تلك التي تتجاوز حدود الشعري إلى السردي واللساني إلى السحري، والسيمائي إلى العياني والواضح.
النصار شاعر أفكار، بقدر ما هو شاعر رؤى، وهذا التركيب يجعله الأكثر قربا لمنطق التأويل، ولهاجس الشاعر المسكون بمغامرة البحث عن الغائب، وفي استدراك ما لا تستدركه الحياة بوصفها أياما للأخطاء، وسيرة الفواجع الضاجة بالأسفار والخيبات والحروب والخسارات، إذ هي المقابل الرمزي لسيرة الشاعر المطرود والهارب والمعارض والحائر، وهو ما يدفعه للرهان كثيرا على اللغة، بوصفها مجال استعاراته الكبرى، أو بوصفها البيت والعلامة والمجسّ، أو هي شعلته البرومثيوسية، تلك التي يحملها في أسفاره مهووسا بفكرة الخلاص، وبمراثي وجعه الشخصي والوطني، إذ تتسع القصيدة لأسئلة تلك الأسفار، أسئلة قلقه وانشغالاته، ولما يتساقط من ترجيعات لعبته الشعرية، حيث الفكرة التي تحيله إلى فضح العالم المشوه، وحيث تمثل الأنا الشعرية لتجلياتها في المتن النصي، وفي أنسنة وجوده عبر الآخر المُنادى والغائب بأقنعته المتعددة..
قصيدة النصار ترهن طاقتها التعبيرية إلى نَفَس الشاعر الطويل، وإلى فضاءات المغامر والحالم والمؤول والسيميائي، وصاحب النص المفتوح، والأسئلة الوجودية، وأسفار الجسد والشهوة والخيبة والذهاب إلى شروق الفكرة، كما يسميها إبراهيم نصر الله، حيث صوفية الحلولي، ولذة المريد، وتجريدية العارف بالسرائر.
المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر زعيم النصار «الحياة في غلطتها» الصادرة عن دار الروسم/ بغداد/ 2015 تضعنا أمام هاجس تلك المعطيات، التي تستدعي بالضرورة قراءة ماكرة، قراءة ندوب القصيدة، وندوب الجسد، وندوب الحرب والأسى، إذ تتحول هذه القراءة إلى باعث للكشف عن أقنعة قارّة لتورية المعنى، ولشهوة الاختباء في معطف اللغة، تلك التي تشبه أغلاط الحياة ذاتها، إذ يبحث الشاعر عما هو ضدها، عن الحياة المشبوكة بالحلم والحرية والبحث الدائب عن الحكمة، وعن التلذذ بشغف استعارتها، وبصور وجودها الباهرة في مرآة المعنى وفي لذة بوحها..
المجموعة تضعنا أمام مغامرة عالية للكتابة الشعرية، من حيث تمثل التجربة، والانشداد إلى اللغة غير المروَضة، تلك التي تعتمد تقانات التلون التصويري، والبناء السردي في تشكيل وحداتها الشعرية، إذ يمثل عتبة عنوانها موجِّها سيميائيا للاستدلال على فكرة مجاورة المعنى- هاجس المجموعة- حيث التجاور التعبيري بين الحياة وغلطتها، وحيث ما توحي به من فائض للمعنى، ذلك الدافع على توتير مستويات المفردات والأفكار وتأويلها، ولإعطاء الضمائر بوصفها ملفوظات تعبيرية دفقا يعكس وعي الشاعر لوظيفة هذه الملفوظات، ولتقانة التداخل والتنافر والاستعادة بعيدا عن (الاقتصاد اللغوي) وقريبا من (الاقتصاد الدلالي) حيث تتقطع الجملة الشعرية لافتات لاستجلاب فكرة المعنى، ولتركيز نوع من الإيقاعات الداخلية، تلك التي يتداخل فيها التكرار مع كثافة المعنى، وعبر تشكلات بصرية ولفظية تتحقق عبرها رؤية الشاعر وإحالاته النفسية والمزاجية، فمفردة الشبيه تتحول إلى فكرة للإدانة، وكذلك للتعرية وللبحث عن الحقيقة، حيث النسخ الشبيهة، وحيث أشباه الرجال الذين يلاحقونه، والتي تمثلها من خلال عتبة المقدمة، حيث تنسحب إلى رؤية الشاعر رمزية الحكمة التوراتية المنسوبة للملك سليمان بوصفها معادلا دلاليا وتعبيريا لتأويل أسفاره اللاحقة، أسفار البحث عن الضائع والمخفي والممحو تحت غلظة الحياة والسلطة والحرب والمنافي والخسارات..
«أخرج من المدينة التي كانت حياتها أشبه بلافتة حرب غامضة، أُهيم، أُيم..أتّبع قيثارة ضائعة، أُدير ظهري للصحراء..صحراء وراء الكلمات، أحصي أفاعيها، أهبط في كتبٍ خفيةٍ في كل طية منها، كنت أشمّ رائحة الجنون الذي قاد لساني إلى دكة المذبحة، أرى في طريقي أشباه رجال قالوا: لم نكن قادرين على الخلاص، كم كرهنا أنفسنا، كم كانت الطريق ملتوية إلى إنقاذها)
يتلبس الشاعر الثمانيني- حسب التوصيف السائد- زعيم نصّار ذات الهاجس في كتابة القصيدة الطويلة، قصائد الأفكار والتأملات والاستعادات، لكنه هنا يدرك خطورة الانخراط في هذه اللعبة، لذا هو يعمد إلى صناعة الجملة القصيرة بوصفها ملمحا فنيا وتعبيريا، يفكك من خلالها مبنى القصيدة الطويلة بنثريتها وتركيبها، ويمنحها نوعا من الترسيم الاستعاري القائم على الضمائر، لضبط سيولة لعبتها اللغوية، ولابتكار قصيدته الخاصة/ قصيدة الأنا وليست قصيدة الجماعة، إذ يؤطرها بتقانة الكثافة التصويرية، وبتقانة البناء والتقطيع، حيث تفجير ما تمور به طاقة النثر من بلاغة سردية، ودينامية متواترة للاستعارات، والاستئثار بما تنطوي عليه من شفرات، تلك التي يستحضر عبرها عناصر الإثارة بدءا من ثنائية الإشارات، وانتهاء بثنائية المطابقة والمخالفة في ثنائيات الأنثى/اللذة، والسيرة/الكشف، والحرية/الحرب، والمهجر/الغياب والخروج/المتاهة..
هذا التمثل الشعري/الإستعاري يجعل الشاعر الأقرب إلى كتابة قصيدة مزاجه، أو كتابه أوجاعه، وإلى تدوين ما يبوح من سرائر كشوفاته، وهواجس غرائزه، واستحضار أنثاه، وانتهاك المخفي في سيرته، تلك التي تدفعه إلى التلذذ باعتراف ضمير (الأنا) ضمير المزاج، ومساكنة ما يتساقط من(فائض المعنى) كما يسميه بول ريكور، أو بما يجعله أكثر بحثا عن وجوه أخرى ومتعددة في سيمياء النص، حيث (لا يوجد معنى حقيقي للنص) كما يقول بول فاليري..
حوادث عجيبة
لانعرفها
أنت التهمتِ
نصف حياتي واحترتِ
الحيرةُ خلاصة الموجود،
ولأننا نصفان لحياة واحدة، صرنا نحلم بحياة أخرى، أنت غلطة العمر، بك خرجت من جنة العميان، تحررت، تحررت من ذاك العماء، هربت حتى لا يراني أحد
إعتماد الشاعر المبنى السردي لمجموعته الشعرية عبر وحدات النسخ الثلاث، يطلقه في فضاء مغامرة الكتابة، إذ تساكنه شعرية التحول، وشعرية الشكل السيري، وشعرية الرؤية، وشعرية المعنى والسؤال والحدث. فهذه النسخ المتخيلة – كعناوين لقصائده الطوال- تجسّد هاجس الشاعر في بحثه عن الحقيقة، مثلما تجسد طاقته الحركية في توكيد أنموذجه الشعري، وما يمكن أن يستدعيه من لوازم تتعلق بالبناء، وبالزمن الشخصي والشعري في أن معا، وكذلك بالحلول في المعنى المتخيل، أو حتى بما يشبه المنولوج الشعري الذي تتلون فيه الضمائر، وتتسع فيه الإحالات إلى استحضار ما هو غائب، وما هو جلي أمام شعرية الأنا، تلك التي ترى، وتستعيد، والتي تهيمن على تقصي ما يتجلى المشهد الشعري، حتى إن تعددت ضمائر ملفوظاته..
قصائد المجموعة هي الحمولات الشخصية للشاعر، وهي لحظات تأمله للوجود، الوجود المنسوخ، لكنه الحقيقي أيضا، وأحسب أن هذه الكتابة الشخصانية أسبغت على المجموعة توسيما أكد وحدتها العضوية- على توصيف سوزان برنارد لقصيدة النثر، لكنها أيضا دونما اعتباطية، لأن اغلب القصائد تتمثل رؤية العالم بالمعنى الإبصاري، أو بالمعنى المتخيل، والتي يستعيد معها سيرته الفاجعة، وحياته التي أخذت الغُلظة منها طراوتها، وتركته عند عتبة اللغة، يستعين بها لكتابة البوح والاستذكار والاعتراف، ولتخصيب ذلك المعنى الغائب بحساسية حضوره واغترابه معا، إذ هو الشاعر الرائي والمسافر والباحث والمدون غير المقُيّد بوهم السيرة..
النصار يستعيد العالم والحرب والأنثى عبر اللغة، يمارس من خلالها لعبته الباهية في التمرد والصخب وفي التجاوز، وحتى في تضخيم الأنا، بوصفها صاحبة القاموس والعشبة، ومدونة السيرة، وبوصف الشاعر هنا هو القارئ الوحيد للسرائر، وهو المُصغي لحفيف شهواتها، ولأصواتها الخفيضة، أصوات الأنا المجروحة والمهزومة والباحثة عن أثر اللذة، وعن الآخرين/ الأهل/ الأصدقاء الذين شاهت عناوينهم.. «يصغي لهلوسة سوداء، يُصغي لنبوة في أدراجه فيثرثر عنها كثيرا، ليلتقطها صديق عابر، ويخفيها في النبع، في ليلة حمراء، الأرملة تحكي لمرآتها حكاية اسمها لعبة الصبر، تنبض حروفها في دم القتلى على رقعة الشطرنج».
ناقد عراقي
علي حسن الفواز