أنا مهاجر،
أعيش منذ زمن طويل في مخيم متخيل
لا يراه أحد
بعد سنوات
لي مدني وقراي من كلمات
وذاكرة مرضى يتشاتمون في مصعد.
بين حين وآخر، وعلى فترات متقطعة، يفاجئني الشاعر العراقي الكبير صلاح فائق بإرسال بعض من قصائده اللامعة على بريدي الخاص، مسجلة بصوته الشجي، الحزين حد الألم. إلقاء رصين لمبدع استطاع أن يسيطر على جزء من الذائقة العربية في السنوات الأخيرة. شاعر له مريدون وجدوا في قصائده أنفسهم، وتجاربهم المعذبة. إنه في منفاه البعيد، الاختياري، في إحدى جزر الفلبين النائية، يطارد الطبيعة البكر، والكلمات الهائمة في هذا الأفق البعيد. يترك العراق، هاربا من حكم بالإعدام بعدما وفر له الشاعر الشهير عبد الوهاب البياتي جواز سفر ووسيلة للهرب، إنه لا ينسى له هذا الفضل وهو يحدثني عنه طويلا.
ينطلق سارحا في المدن، تاركا تاريخه خلف ظهره، لم يستثمره، أو يحاول الاسترزاق به. على المبدع أن يكون نظيفا -هكذا يقول-ويترك لندن بعد حصوله على الجنسية الإنكليزية، يترك كل شيء، لكنه أبدا لا يترك الشعر، هذا هو هاجسه الوحيد، وهويته التي تطارده في كل مكان، وفي كل وقت، مؤمنا بمقولة لوتريامون:
ينبغي للشعر أن يصنعه الجميع، لا شخص واحد.
حتى لو سرت نبرة ذاتية، تبحث عن «أنا» يبدو عليها التشظي بين هويات متعددة، والعيش خارج وطن تعيس الحظ، يعاني طيلة الوقت أزمات لا تنتهي، فإنه موجود بكل كيانه في أشعاره، يتنفس قصائده، فليست هناك مزاحمات أخرى تقضي على الشعر، فهو الأمل الباقي له في هذا العالم. يجابه به كل المؤثرات الخارجية، ويتماهى مع أشيائه الحبيبة. قد تستطيع، وبسهولة واضحة، أن تحدد نصه وتنسبه إليه، ضاربا بعرض الحائط إهمال نقاد البنيوية الجدد لدور المؤلف وتفريغ النص من وجوده، أثناء بحثهم عن المعنى.
قصيدته تخصه وحده، مطابقة لحاله، لسورياليته التي يحياها منذ فترة طويلة كرد فعل لواقع متأزم، عبثي، وغير عقلاني. لقد صنع نفسه بحرفية واقتدار، مستغلا الإمكانيات المتعددة التي تتيحها تكنولوجيا الاتصالات، والفضاء الأزرق. ربما بدا واحدا من أولئك الذين يتعاملون مع هذه الوسيلة الفعالة بتحضر بالغ، شاشة الكمبيوتر هي ورقته البيضاء التي يبوح لها دائما، وفي كل يوم، بنزواته وأحلامه، بنوازعه الباطنية وآماله، راسما لنفسه خطا مغايرا أوجد له جمهورا أوسع كان رهينا لأسماء قليلة. ربما أرغمني هذا المثال على التعامل الجاد مع فيسبوك، حتى أنني استنفدت مجموعة نصوص سردية كاملة على صفحتي الشخصية في تجربة ماتعة، ناسيا النشر الورقي تماما حتى ضممتها بين دفتي كتاب فيما بعد.
الشعر لدى صلاح فائق إدانة وتفاصيل ومعيش وثارات، تصفية حسابات أحيانا مع كائنات لا مرئية، لكنها تمر بلا قسوة، محققا شرط العلاقة الصحيحة بينه وبين هذا الفن الجميل. فقد عرف كيف يحيا في هذا العالم كشاعر، شاعر فقط، حتى لو امتهن ألف مهنة أخرى، ووقع أسيرا لعدد من الفنون الأخرى، محاولا العمل كعازف بيانو بعدما سقط في غواية هذه الآلة البديعة. فعلها وتدرب كثيرا ولكنه في النهاية عاد، مكتفيا بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية ومعزوفات البيانو الشهيرة كرديف للشعر، فلا شيء يفوق إخلاصه لهذا الولع.
في دواوينه المتعددة، يعمل على اقتناص جوهر الأشياء وإعادة خلق حضور مرئي لها، مفعما بالتفاصيل والحركة، مع امتلاكه القدرة على التركيز والإيجاز، وحسا عاليا بالتناسب، يعطيه ميزة إنهاء القصيدة في التوقيت المحدد. إن المحصلة الشعرية لأعماله هي سرد للحظات درامية، عاينها وعاشها، واندمج فيها بكليته، لم يفلت منها لحظة واحدة دون اعتصارها. حتى الهشاشة لها مكان بارز، ودور له تأثير بالغ في مسيرته، ومنجزه الذي وضعه في خانة الكبار.
زرت مدينتي
رأيت بيوتها تحتضر
أرى شعبي الآن في التلفزيون
مبعثرا، قتيلا، جريحا في أروقة مستشفيات
وعلى جسور.
حكامه مجرمون، خونة
لا أحد يعرفهم، حملتهم مدرعات وسفن أجانب
من قارات.
شعبي نسي ماضيه، أسماله تتدلى
أشجاره هزلت، هرب نهراه، ومتاحفه تهمس من هاوية.
فوق سور بابل يقف كلكامش
يتطلع، مذهولا، إلى شعبه وقد أصيب بالجنون. إن محنة سرية تتمشى في حنجرته، واضحة بجلاء، تلحظها عندما تستمع إليه مباشرة، لكنك لا تستطيع أن تحدثه عنها، حيث يمنعك الخجل من اقتحام خصوصيات إنسان.
منذ عام مضى، في القاهرة، وأثناء زيارته الوحيدة لها، كان لقائي معه. حكى لنا الكثير، الذكريات الجميلة، والذكريات المريرة. سرد جزءا كبيرا من سيرته الذاتية كجواب للأفق، ومشاء لا يعرف الملل وهو يسرى في جنبات الكون. حكى بمرارة عن مآسي العراق، عن المعارضين الذين ذهبوا إلى الحواضر الغربية ثم أصبحوا أثرياء عندما انضموا إلى المعارضة تحت غطاء المظلة الأمريكية. حكى كثيرا، مبحرا في تراجيدية إغريقية أدت به إلى عالم غارق في العزلة، يحياه متعمدا كمثالي جريح.
في مصر ثمة محبون له، مخلصون للشعر، استطاعوا افساح الطريق أمامه لملاقاة القارئ هنا. كان أول من لفتني إليه الشعراء محمد عيد إبراهيم، وفتحي عبد الله، وأسامة حداد، ومحمد حربي، باحتفاء يليق به من جانبهم، حتى وصل إلينا هذا الصوت النائي، وصرنا نتابعه بمحبة واهتمام. في الوقت الذي أتذكر فيه روستريفور هاملتون، في كتابه المهم «الشعر والتأمل»، حيث يقول في فقرة لامعة: إن كل قارئ ناقد، فالعقل مرن وتنسيقه في تغير مستمر، وهو ينتقل دائما بين التجربة الجمالية للقصيدة، أي الاستماع إليها، وبين التجربة العقلية، أي الحكم عليها، والناقد الجيد هو القارئ الذي ينتقل بين هاتين التجربتين على نحو مفيد. ينتقل بين الجمالي والنقدي ويضبط تحليله بمعيار إدراكه المتجدد دائما.
الشعراء الجيدون يستطيعون دمج تجاربهم وتناقضاتهم التي تستعصي على الكتمان أو التعريف المنطقي في لعبة الفن. إنه مساهمتهم في الوجود، والوسيلة الفعالة للدفاع عن ذوات منهكة، لم تعدد ترتبط بشيء سوى واقع متخيل وزائف، ورؤية مجازية للعالم، أقل فلسفية مما يجب. ومنهم من يميل إلى الحس الصوفي، جانحا أحيانا إلى مفارقة العقائد. صلاح بدأ حياته قاصا، فأنقذه رفقاؤه من جماعة كركوك ووجهوه إلى كتابة الشعر عندما لاحظوا طغيانه على متن سرده. كان يحب الشعر الآشوري والسومري، ويعشق الشعر القصصي الإنكليزي.
عندما سألته عن الشعر العربي، قال: أحب شعر الهجاء. كان الأمر مفاجئا لي. قلت ضاحكا: لكنك لست بهذا العنف. وفي سؤال مباغت، قلت له: من أنت؟ أجابني: أنا عراقي. لم أنتم إلى شيء آخر، كردي، تركماني، آشوري، سومري، شيوعي، ثوري. كل هذا المزيج.
بعيدا عن هذه القسوة، أتخيلني سأعثر قريبا
على منجم للذهب
هذه حالي وأنا أستلقي على موجة
لا أدري إن كنت أحلم أو أتوهم
لأني مشيت حافيا بين ملوك
تبادلت نظرات يائسة معهم
ورأيتهم يتلاشون.
صابر رشدي