قليلون هم الشعراء الفاعلون والمؤثرون والمبدعون الحقيقيون، ومن بين هذه القلة التي اكتوت بنار التجربة الذاتية وأعطت عبر لهب هذه التجربة الكثير الشاعر فوزي كريم، هذا الشاعر الناسك والمتوحد والمنصرف طوال سني حياته السبعين إلى الشعر والكتابة والابتكار الفني والجمالي، إن كان على الصعيد الشعري أو النقدي، أو على صعيد التعامل مع عالم الموسيقى بشتى آليات تنوعها وتطورها المتصاعد في هذا الحقل الرفيع والراقي، أو على صعيد التوغل السردي في عالم النثر المنيف والمُبهج في الحقل الاوتوبوغرافي، السيروي، من سيرة ذاتية وجماعية ومكانية، مسافرة في عالم الأزمنة القديمة والحديثة، وعوالم الأمكنة الغابرة والجديدة، مجسداً أياها في كتب نادرة وبديعة، مثل «من الغربة حتى وعي الغربة»، وهو كتابه السيروي الأول، والذي يمكن تصنيفه فنياً بأدب الرحلة والسيرة الشخصية، ذلكم الكتاب الذي طبع سيرة فوزي كريم، وألقى الضوء ببراعة وفي وقت مبكر على ملامح هجرته الأولى، إلى وهج بيروت الستينيّات، حيث الكل كان يسعى إلى ذلك المكان المثير والحافل بعالم الأنوار والنجومية والصحافة المغرية والثورات الحديثة والمسلحة، ثم كتابه اللاحق»العودة إلى غاردينيا»، وهو يوثق لعودته إلى العراق بعد سني منفاه التي اقتربت من الثلاثين عاماً، معظمها قضاها في العاصمة البريطانية لندن، حتى كتابه الأخير»مراعي الصبّار»، هذا ناهيك عن عمله الشعري الذي أصدر فيه أعماله الكاملة التي تعدت الأثنتي عشرة مجموعة شعرية، وأكثر من مجموعة قصصية، دون أن ننسى دراساته التي جسدها في كتبه النقدية، الهامة والمثيرة للجدل، مثل كتابه «ثياب الإمبراطور» و»وتهافت الستينيين»، وفيه نقد لاذع لأبرز رموز جيله المأخوذ بالضوء والشهرة والإثارة. أما ترجماته فإنه يؤثر ترجمة الشعراء الوحيدين والعدميين والميّالين إلى الصمت والعزلة والمنزويات، أمثال الإيطالي كوازيمودو، أو شعراء الزهد والحكمة مثل كاليداسا، وغيرهم من الشعراء المشمولين بمس وضرب من الوسوسة. أما الموسيقى التي صاحبها منذ اليفاع وأفنى العديد من سويعات حياته في سماعها وتتبع مصادر ينابيع رؤاها فقد سطّر فيها أكثرمن ثلاثة كتب وهي»صحبة الآلهة ـ حياة موسيقية» و»والموسيقى والشعر» و»الموسيقى والرسم».
من هنا يتبدى لنا الشاعر فوزي كريم وهو في النهاية شاعر، أولاً وأخيراً، على أنه بحد ذاته مكتبة غنية ومتنوعة، لا تقتصر على الشعر وحده، بل ذهبت إلى الحقول المجاورة له، تلك التي ينتفع منها الشعر فنياً، ويسعى لكي يكون شعره فيه الكثير من الأسرار والرؤى، وليكون شعراً مزوّداً بالفن والحكمة والدلالة الرؤيوية التي تُضفي عليه الكثير من الغموض الموحي، ذي البعد الماسي المعتم، حتى يُصقل في النهاية ويغدو شعر حَيْرات، وشعر أعماق دفينة، يحتاج من متتبعه إلى أكثرمن مسبار لكي يسبر عمق هذا الفن الشعري المصحوب بثقافة مكينة ومتنوعة، شهد فيه كاتبه محطات وتجارب عديدة لكي يصل إلى هذا الصنيع المتقن .
وأنا ماض في الكتابة عن فوزي كريم الشاعر والناقد والناثر المتمكن، أجد سطوري تكاد لا تتوقف، رغم كون الحيز هو مخصص بالأساس لكتابه الجديد «مراعي الصبّار»، وهو مدوّنة يومية، ولكن المدونة لدى فوزي هي أيضاً شعر من نوع آخر، شعرنة النص والمكان والزمان، ابتغاء إلى إضفاء هالة من نوع فريد على سيرة أصدقائه الذين فقدهم الواحد تلو الآخر في رحلة المنافي الطويلة، فهو خير من اكتنه أعماقهم وفتش في دواخلهم، باحثاً بخبرة الشاعر الحكيم عن مواطن الألم والمسرّة، عن ملامح الرعب والاستكانة خلال حياتهم التي بدت جدّ قصيرة له.
يتناول فوزي كريم في يومياته «مراعي الصبّار» في الغالب أصدقاء له قد رحلوا وخلفوا شيئاً ما في دخيلته، أو تركوا أثراً في حياته وتفاصيل عيشه، أي مخلفين أثراً بليغاً لا يستطيع صاحب «عثرات الطائر» نسيان تلك الآثار والأوجاع والهواجس التي يتركها الأصدقاء الغائبون في أفق حياته اليومية .
ففي الصفحات الأولى، يتحدث الشاعر عن صديق أثير من جيل الستينيات هو القاص عبد الستار ناصر، يسترسل في الكتابة عنه، بطريقة موجعة، ومؤثرة، وعميقة، خصوصاً حين يحضر الموت فيما بينهما، يكتب له عبد الستار ناصر عبر إهداء رقيق، ولكنه إهداء كتاب مُحيّر، ويثير مروحة من الأسئلة والمشاعر وموجة من الشكوك المُلغزة، فالإهداء يتحدث عن أحدهما بأنه سينتهي ويغادر العالم، فكلاهما مكلوم وموجوع وبه علة. هنا يستذكر فوزي صحبته مع عبد الستار، ويستذكر البدايات والكتب الأولى والأماكن والمقاهي والحانات التي جمعتهما. ثم يميل في صفحات أخرى ليتناول صديقاً آخر، من أيام بغداد وسكنهما المشترك قرب القصر الجمهوري في بغداد، مسمياً ذلك الفصل بـ «ليلة الكابوس»، إذ سيتم أعدام أخي صديقه من قبل النظام الديكتاتوري السابق. وبُعيد صفحات قليلة يتحدث في فصل آخر، بطلاقة وظرف لافتين، عن صديق يأتي إلى لندن يسمى الحاج إسماعيل، وهو قريب إلى حد ما منه، فيصفه بلغة متهكمة وساخرة ولطيفة، فيها استغوار سايكولوجي، يفنّد شخصية الحاج إسماعيل، ومن ثم يتوغل في تسجيل يوميات أخرى عن صديق آخر، إبّان قدومه إلى لندن والعيش فيها، متحدثاً عنه بطريقة سردية، ممتعة، وعن صديقته التونسية التي يجد لديها ميل اتجاهه، مفصلاً سهرات تلك الأيام في المراقص ومشارب لندن الوسعية والكبيرة والجميلة، إلى أن يصل إلى تدوينة أخرى، يوضح فيها منافع سفرة له إلى ميلانو، ملقياً المزيد من النور على سفرته تلك، ومُبيّناً التفاصيل الكثيرة التي حفلت بها تلك الرحلة، شارحاً جماليات ميلانو المدينة المتوسطية، الساحلية الساحرة والفاتنة بأجوائها البحرية، ومعرجاً على وصف منافع وأوجاع رحلته. فالمنافع تتجلى في المآثر التي قدمها له صديقه في ميلانو داخل شقته الصغيرة، وواصفاً بعين رحالة قديم أجواء تلك الرحلة، دون أن يترك هواجس مرضه الذي يصاحبه في كل لحظة يعيشها، فينبغي عليه التحسب وهو المسافر، من مطبات القلب ومظانّه ومشتقات أمراضه التي يولدها أثناء السفر والترحال، فالدواء معه دائماً، يحمله في حله وترحاله، فمرض القلب لدى فوزي، مرّت عليه أعوام عديدة، ولن أنسى ذلك اليوم، حين كنت جالساً في مقهى الروضة في دمشق، مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، حيث كنت أقيم فيها، يوم سمعت ذلك الخبر، وهو إصابته بجلطة قلبية. كان الشاعر شاباً أيضاً وفي نهاية الثلاثينيات من عمره، ولكنها الأقدار شاءت ذلك. من هنا نجد في الكتاب الكثير من الحديث والإشارات المسهبة إلى مرضه المزمن هذا، فهو سرعان ما يدهمه القلق والاضطراب والارتباك أثناء السفر وخلال أيامه، فرحلته إلى دمشق عبر دعوة من إحدى الصديقات الأديبات الخليجيات، لقضاء نهاية عام وبدء عام جديد، يدوّن فوزي فيها عذاب وبهجة ومتعة وأسى تلك الرحلة بأسلوب مرهف لكائن رقيق الحاشية، سيفقد في تلك الليلة متعة السهر والشراب والرقص، مختلياً بغرفته المخصَّصة له، بعيداً عن الأنوار والأجواء الاحتفالية، مدارياً جرحه الداخلي، بحكمة الشاعر وعناء المُتأمِّل .
أما الفصل الأكثر تأثيراً في كتاب «مراعي الصبّار»، فهو المكتوب عن صديقه الحميم، الشاعر الراحل شريف الربيعي. إنه فصل مكتوب بحب لا يضاهى لشريف، رفيق البدايات الشعرية، أيام كانا في مطلع حياتهما الأدبية، أيام كانا شابين تخطيا للتو مرحلة الصبا، فشريف الذي يكبر فوزي كريم بسنوات قليلة، كان من سكنة منطقة «الشاكرية»، وهي منطقة سكنية في غاية الفقر، كانت ملاصقة لمنطقة «كرّادة مريم» التي تسكن فيها عائلة فوزي كريم، وهي أيضاً قريبة من شاطئ دجلة، حيث تكثر مهنة صيد السمك، وتكثر شاليهات الصيادين والشباب السبّاحين، هناك في تلك الأجواء نشأت العلاقة بين شريف الميّال بطبعه إلى تكوين الصداقات من كل نوع، وفوزي الحذر والمتوجس والملموم عن فيض العاطفة التي كان يتمتع بها شريف الربيعي، فضلاً عن حس السخرية الذي عرف به، هذه السخرية التي هي وليدة اسى جواني، لا عمق له. وكان شريف في تلك اللحظات الزمنية البعيدة من صداقته لفوزي، كان قد سبقه إلى عالم الميديا والنشر والصحافة، وبذا يكون قد كوّن علاقات مع كل أطياف الجيل الأدبي والفني والصحافي لتلك الفترة الذهبية، مما حدا بهما إلى الاشتراك في مجموعة شعرية واحدة، جمعتهما وأعدّت للنشر، ولكنها لم يكتب لها الحظ لكي تنشر، ويعزو هنا الشاعر فوزي كريم السبب إلى كونه لم يكن آنذاك قد نشر شيئاً ما في الصحافة الأدبية والثقافية العراقية، أي كونه كان مبتدئاً، وربما لهذا السبب بحسب فوزي كريم، كان قد تخلى شريف الربيعي عن نشرها ومتابعة الإصرار على طبعها، بفضل علاقاته المتنوعة مع المختصين بشؤون النشر والإعلام .
إذاً بوصف قصاص حاذق، وله عين رائية تُسجل حتى الرفيف والنبض والأحاسيس، سجّل فوزي كريم الأيام والسويعات واللحظات التي سبقتْ نهاية شريف الربيعي، وصف تدمع له العين، وصف تلك الأوقات الحرجة من شخصية نادرة وساخرة ومتهكمة طوال حياتها، كتفاصيل المعيش وتفاصيل الأصدقاء المحيطين بشريف، تلك الشخصية التي كرستْ جُلّ حياتها لمراعاة الآخر وأهملت نفسها، شريف الربيعي الذي انتمى باكراً إلى صفوف المقاومة الفلسطينية في الأردن، وأغوارها، حاملاً الفكرة الثائرة، كان يتجنّب العداوات والتماس مع الآخر، ولكنه في الموقف كان مثالياً، فهو شيوعي سابق، وبقي حالماً بالثورة، وواصل التصدي للديكتاتوريات، ولم يتخل عن حلمه الفلسطيني، فظل منتمياً له، منذ بدء شبابه الأول خلال التجربة الفلسطينية في الأردن، حتى بيروت ودمشق وقبرص ولندن، ليثوي في المآل في أرض باردة بعيداً عن العراق وعن أحلامه الأولى.
فوزي كريم: «مراعي الصبّار»
دار المدى، بيروت 1915
190 صفحة
هاشم شفيق