لعل سِمةَ التمرد أبرز ما يميز حضوره الشعري والإنساني على حد سواء خلال مسيرته الشعرية التي ابتدأت في مدينة الموصل منتصف سبعينيات القرن الماضي، فكانت رحلته بدلالاتها الفنية والواقعية تفيض وبشكل مبكر بإيحاءات الخروج عن نطاق الواقع، بما يحمله من ميراثٍ تحكمه خديعة الماضي والسياسة والأفكار الملتبسة، ويمكن القول بأن صوته الشعري ينتمي إلى ذاته الخَالِصة والمُخلِصة للشعر في خيالاته ومجازاته، وهي تتحسس الأشياء وتتلمسها، لتمنحها في صورتها الشعرية دفئاً إنسانيا طالما لم تكن ذات الشاعر مثقلة بانتماء أيديولوجي يكبل حريتها الإبداعية ويمارس عليها مفرداته السطحية بتراكيبها وأقنعتها القمعية مثلما كان عليه حال الرهط العام من شعراء المنابر في العراق حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، لتبدأ مع ذلك العقد الزمني، ومع أول قذيفة مدفع في ماراثون الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثمانية أعوام رحلة قطيعة شبه جماعية مع الأيديولوجيا، وربما هذا الخيار الوجودي منح الأعرجي لغته منذ أن أعلن عن نفسه مساحة مفتوحة من الحرية الفنية لم تكن فيها مُلزَمَة في أن تلتحق بمركب يمضي مع التيار. يمكن القول بأن الأعرجي/الشاعر يسكنه اغتراب حاد عن عالمٍ تنصَّلَ عن الاحتفاء بالجمال والإنسانية وبتفاصيل الحياة الإنسانية الهادئة، ومن هنا تتجلى فتنته الوجدانية بصورها قبل أن تفقد براءتها سواء في انزياحاته الشعرية، أو في الحوار الذي أجريناه معه.
■ إلى أين يسير الشعر وسط تحولات كبيرة تشهدها الذائقة الإنسانية؟
□ بما أن الشعر مشاع ويمتلك رؤية مفتوحة إلى أقصى فاعليته، أقصد في تناغمه مع المسارات المعرفية، التي تقوده نحو التحولات المنبثقة من التخليق الجمالي عند الشاعر المجيد طبعا، لا بد من تفعيل مشهديته عند مزايا الذوق العام، كي يجبر المتلقي على الاستمرار معه، حتى إن كان إشاريا يستبطن من فهمه هذا الإطلاق الذي يثير دهشة التلقي، وهنا يكبر الإحساس بأن الشعر في عصرنا هذا يتجه نحو الإشارة، قد يكون الصمت مفردة جامعة تتصل مع التلقي فتكون أكثر إيضاحا من جملة فيها صراع يكتنفه الغموض.
■ الشاعر العربي المعاصر جرّب عددا من الأشكال من بعد تجربة رواد الحداثة في مطلع خمسينيات القرن الماضي، السؤال الذي يمكن طرحه الآن: هل وصل الشعر إلى أفق مغلق في إطار التجريب والبحث عن شكل جديد للبوح؟
□ البدائل عن نظام القريض والتفعيلة، وحتى الأنساق البديلة أيضا، هي بمثابة انسلاخ عما أتعبنا من تعدد هذه الأشكال لأجل العثور على نص فيه تكوين شمولي، ولديه الإمكانية الفاعلة في التوافق مع وضع الإنسان المعاصر بمعناه الحديث، ومنه ما يعمل على التكثيف، لصناعة تاريخ للحاضر ولا يخضع للتقليد هاضما كل التحولات في حركة الفكر، لذا لا تستطيع أن تفصل الشكل عن المضمون، ليبقى البوح مستندا إلى حركة ما يدور من جروح يومية ترافق مراياه في الإنتاج، إذن لا آفاق مغلقة أمام حركة الوعي الذي يتجدد بديناميكية الفعل الخائض في غمار السياسات والاقتصاد والحروب، فالشكل الجديد الذي يريده الشاعر هو السلام للإنسان وبعدالةٍ، والشاعر هو من يؤسس معالمها، وفي مجتمعاتنا هذا هو البعيد.
■ هل يمكن تأشير نقلة مهمة قد حدثت على صعيد الكتابة الشعرية المعاصرة في مدينة الموصل نستطيع تأطيرها تاريخيا أو أسلوبيا؟
□ العراق كله شعر، أكيد هنالك تحولات كبيرة على مستوى الكتابة الشعرية منها ما يضيء ومنها ما يحتاج إلى إضاءة، وعندما نؤشر إلى شعرية أحدهم، لا بد أن نتفحص ما يكتنز النص من تقانة، كي نقول هذا نص فيه نقلة مهمة يَتجمَّل بها الشاعر، لذا فالكتابة الآن مفتوحة ومتجددة حسب المكان الظرفي للإنسان، فللموصل ظرفها الخاص هذا لأنها قد ليْكَتْ بأنياب تحيطها من كل جانب، بالتأكيد ستخرج أسماء كثيرة اشتغلت على أسطرة ما حدث خدمة للفاعلية الشعرية، وما جابت به خواطر الذوات فضاءات المعضلة، والآن بدأت فاعليتهم في ترتيب ما تشتت لتدويل سمات الموصل شعريا وحتى قصصيا وروائيا وسردا، ناهيك عن الدراسات الأكاديمية التي تدرس كل هذه الأشكال أسلوبا وتاريخيا.
■ النص الشعري الذي يكتبه كرم الأعرجي على ماذا يرتكز في بنيته الفنية وما هي طبيعة الاستجابة التي يتوخاها لدى المتلقي؟
□ الخيال واستخراج المستعصي من الواقع، إن عدم غوص الإنسان في فهم وجوده المنقسم ما بين الاكتشاف والمنهج الحياتي هو الضياع في فلك الفوضى العام، والتوافق العقلي والروحي هما امتداد معرفي يخضعان للمعنى الوجودي في سر الجوهر الإنساني للكاتب، وهذا ما أحدثته لغة البساطة الممتلئة بالحكي المركز لدَيّ، لذا أراني مرتاحا جدا لما أكتب، هي بصمة لا يمكن تقليدها، لذا تمنيت أن تكون قصائدي أسرع من الضوء هكذا دائما اقترح المعادلة، هذا لأنني مختلف.
■ على ماذا يبحث النص الشعري لديك؟
□ حين تتضح معالم الرؤية في الاكتشاف أبحث، ورغم الصعوبات البلاغية المحصورة في المجاز والاستعارة والتشبيه كتعبير، وبدون الإعجاز الغيبي، أشاهدني منشغلا كثيرا بالاكتشاف وبشكل متواصل علني أراني عندما أدير حدقتي نحو داخلي العميق.
■ هل يكتفي الشاعر بنصه الشعري فقط وهو يؤكد حضوره في إطار فاعلية دوره كمثقف إلى جانب كونه مبدعا؟
□ موهبة الشاعر عندما يختزل بتكثيف مشغله الشعري مقتصدا باللغة، بدون الإخلال بها.. أكيد لا يكتفي الشاعر بنصِّه ويسعى دائما التحليق أكثر مدعوما بما يملكه من ثقافة، وما يرِده من الوعي الآخر، أقصد القراءات، وكل هذا بحث متصل تارة بالواقع وأخرى بالخفاء، إذن الفاعلية موجودة في كل شاعر يعي دوره كمثقف مفيد يحتمي بنصه الإبداعي.
■ ما الذي يمكن أن يشغلك عن كتابة الشعر؟
□ كل الأشكال الأدبية الأخرى، وأنا أحب المسرح كثيرا وأكتبه، وكذلك كتابة القصة ومما يعجبني أيضا هو كتابة النقد الانطباعي الذي ترتكز عليه كل التقليعات الفكرية الحديثة .
■ ما الذي خرجت به على المستوى الشعري والإنساني خلال الفترة التي سقطت فيها مدينة الموصل تحت سلطة تنظيم الخلافة، خاصة أنك لم تغادرها وكنت شاهدا عليها؟
□ طَمْرُ المشاعر لسبب مجهول يعني أن الحياة المدنية تدخل في متاهة الوحشة والانسلاخ عن جسد الإنسانية لتضيع في سجن الدهاليز المبهمة، لأن الحياكة تجيء دائما من الغرف الحُمر بدون مواعيد مؤجلة، مخططو الدم الرائج يضّاحكون ونصفنا تحت الأنقاض، والنصف الآخر مهجَّر ومسلوب الإرادة، سائح وموزّع تحت وطأة الخيام وشبح المذلّة برعاية الأمم، إنها مؤامرة باسم الإله والأديان، لتثوير العواقب، براكين مستعرة لا تنطفئ تقودها المعاصي وباسم الإله السلام.
«الهدهد» اول مجموعة شعرية أصدرها الأعرجي عام 1990، «فضاء العصي الخمس» 1995، «المتحف» ـ نص مسرحي ـ 1999 ، «أوقفوا العالم إني أترجل» 2000، «هكذاأنقب» 2000، «هذا التعري قبل قدوم البحر» 2001، «فوضى صور» 2008، «منابت ضوء» ـ نصوص مسرحية ـ 2013، حاليا لديه تحت الطبع كتاب نقدي بعنوان «النسيج المتعاقد بين المتخيل والعقل» ومخطوطة شعريه بعنوان «اللحظة العظيمة» ومسرحية ذات فصل واحد تحمل عنوان «المعضلة» وستصدر قريبا مجموعته القصصية «في انتظار هرّة»، وسبق أن أصدر مجاميع مشتركة تحت هذه العناوين «صوت، أفق، فيض، مشهد» تولى إصدارها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين/ فرع نينوى، يتولى الأعرجي مسؤولية نائب رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين /فرع نينوى