رغم انحسار مساحة الكتابة الشعرية ضمن إطار المشهد الإبداعي في الثقافة العربية، إلا أن أصواتا جديدة مازالت تعلن عن حضورها المميز بشكل مستمر في مشغل الشعر العراقي، وربما دلالة ذلك لا تتصل بمسالة صراع الأجناس أو الأجيال، بقدر ما تعكس حساسية الذات المبدعة إزاء اللغة بعيدا عن التوظيف الظرفي العابر. وللاقتراب أكثر من هذه التجارب/الأصوات الجديدة، كان الحوار مع الشاعر العراقي الشاب محمود جمعة رئيس تحرير مجلة «مسقى» التي تعنى بالشعر العراقي المعاصر.
■ بداية .. من أين يستمد النص قوته؟
□ ما يجذبُنا إلى النصّ الشعريّ هو الشّعرُ نفسُه، والشّعرُ مجموعُ الأفكار والمشاعر والهواجس والقلق والحدس والموقفِ من الحياة والوجود عموماً، محمولاً على ظهرِص اللغة والتّصوير، فالنصّ الشّعريّ يستمدَ قوّته مِن صدقه من حيثُ هو فنّ، ومِن حيث هو تعبيرٌ عن الموقف من الموت، وصدقُه مرهونٌ بمدى جدّيته في تناوله الحياة، بمعنى آخر .. ما مدى إيمان النّاصّ بالفنّ/الرّسالة؟، هل نصّه تمرينٌ في اللاجدوى مع اللغة؟!، أم هو ذوبانُ الذات مع الوسائل التي تعينُ الشّعر على الظهور؟، أظنّ الأمرَ مهمٌ في التفريق بين النّصوص التي تُكتب من أجل أنْ تُكتب، وبين النصوص التي تُكتب مِن أجل أنْ يكون الشّعرُ/الحياة.
■ هل من مقاييس فنية تضعها في الحسبان عند بناء أو تقييم نص شعري؟
□ دائماً ما أبحثُ عن مهملٍ أو محظورٍ أو غيرِ مألوف،أحدّثك في هذا عن تجاربَ كثيرة، منها أيّام اقتحام المدينة القديمة ومنارة الحدباء، لمْ أكنْ أفكّر بشيءٍ، كنتُ أكتبُ فقط، حتّى نبّهني بعضُ الأصدقاء إلى أنّي كتبتُ قصائدَ جيّدة، علماً أنّي كنتُ في غيبوبةٍ تامّة، غيبوبةٍ غيّبتْ عني لحظة الوعي باللغة والتّصوير والبحثِ عن دهشةٍ كمعادلٍ موضوعيّ أقنعُ القارئَ عبرهُ بما أريد، فالشّعر من حيثُ كتابتُه وقراءتُه (تفاعل) مع الحياةِ.
■ وماذا عن مشروع مجلة (مسقى)، والقيم الفنية التي أردتم أن تعلنوها في مجلتكم؟
□ نحنُ نحتفي بقيمٍ فنّيةٍ، ولكنّها ليست الرئيسية التي ننشدها، فما دعانا إلى (مسقى) كثيرٌ ومتداخلٌ، بيّنتُ مع أصدقائي الشّعراءِ/كادرِ المجلّة .. مِنه أنّ الشّعر بعد انعطافةِ العراق عام 2003 غدا مِن حيث ترويجه ووصوله إلى المتلقّي مرهوناً بمدى تفاعل المؤسّسة أو انتماءِ الشّاعر إليها، والمؤسّسة لا يمكن أنْ تصنع فنّاً أو أنْ تقدّمه إلى الجماهير خالياً من الانطباع الشخصيّ أو الأدلجة، لا سيّما أنّ الظرف الذي يمرّ به العراق حرِجٌ ومأزومٌ مِن كلّ النّواحي، حيث لا يمكنُ أنْ تكون نوايا المؤسّسة عفويّة أو بريئةً، وبالتّالي أرادت (مسقى) التّعبير عن أمورٍ كثيرةٍ، منها أنّ الشّعر جهدٌ فرديّ، وفي هذا نسفٌ لفكرةِ البيان الشّعريّ الذي درجتْ عليه الأجيال الشّعريّة العراقيّة، فضلاً عن تعبيرها عن أنّ الشّعر جمرةٌ، تمسكُ بها في أشدّ اللحظاتِ خطورةً.
■ وما ملاحظاتك إزاء ما تكتبه الأسماء الجديدة من نصوص شعرية؟
□ الأسماءَ الجديدةَ حطّمتْ فكرة الثوابت والمطلق كما لم تفعل الأجيال السابقة، وجعلتِ الشّعرَ احتفاءً بالموتِ والمسرّة على حدّ سواء، ولو دخلنا أكثرَ في حانةِ الشّعر الآن، لوجدنا «إيهاب شغيدل» صاحب أكبر فأسٍ معرفيّ في تحطيمِ الثّوابت، ولوجدنا «إبراهيم الماس» مغنّياً في الرّيف البعيد على الجبال، أيضاً يشترك معه «وائل السّلطان»، أمّا «مهنّد الخيكانيّ» فأجدُه منحازاً إلى الأنثروبولوجيا في نصوصه،يشتغلُ على ثيماتٍ شعريّة يمكن أنْ أصفها بأنّها من جزء الجزء، فضلاً عن تحطيمه فكرةَ التّوحيد في الكتابة، تلك الفكرة شبيهةُ فكرة الإله الواحد في الموروث العربيّ، ولو استقرأنا أكثر في مناطق اشتغال شعريّ أكثرَ جرأةً في (شعرنة الفلسفة) لوجدنا «علي رياض» صائغاً، لكنّه سرعانَ ما ييأسُ داخلَ النصّ، وهذه خصّيصته في نصّه، والمجال لا يتّسع لذكر أسماءَ شعريّة أخرى، ما زالت في طور النحت والمحو والتّجريب.
■ أين تكمن جرأتكم في الكتابة الشعرية؟
□ تكمنُ جُرأتُنا في خروجنا عن المألوف إلى اللامألوف في الكتابة، وتعاملنا مع النصّ تعاملاً معرفيّاً علميّاً، ذلك أنّ الشّعرَ العربيّ كان وما زالَ خجولاً في الدّخول إلى الحياةِ/المُعادَلة، تلك التي تقرّب صورةَ الوجود الكبير رغم عبثيّته، إلّا أنّه يبقى محكوماً بنظامٍ دقيقٍ، تقف وراءه قوّةٌ خفيّة. الشّعرُ الذي نطمح في كتابته ونحاول هو الحياةُ التي سُرقتْ مِنّا غفلةً، وهو محاولةٌ لاستعادة مقدّراتنا بأشكالها التي سُرقتْ منّا في العدم، نكتبُ بالطريقة التي تُرجعنا إلى طبيعتِنا البشريّة، التي تشوّهت بفعل ولادتنا في بيئات مشوّهة، تُنشد الحداثةَ وهي غارقةٌ في الكلاسيكية التي نفهمها أنا وأنت، إذن:نحن نخوّض داخل هذا الاطار الجدليّ الكبير أو الثنائيّة:رفض/خضوع.
■ من جهتك، ماذا عن المغامرات الشعرية العراقية خلال العقدين الأخيرين؟
□ كثيرةٌ هي المغامرات الشّعرية التي شهدها العراق، لكنّها لم تكتمل، وهذا سببُ كونها مغامرةً، ذلك أنّ عدم اكتمالها يحصّنها من الوقوع في الابتذال، ومِن الوقوع في فخّ المعرفةِ مرّة أخرى، إذِ الشّعر سقوطٌ أوّل في فخّ المعرفة، أما الجديرُ من التّجارب الشّعرية المهمّة التي دخلت حيّز المغامرة فهي تجربة «عقيل علي»، الذي عاشَ بطريقةٍ غرائبيّة، وكتبَ بطريقةٍ أغرب، كان يعي عبرَها مهازل اللغة وهو ينتجُ نصَّه، عبدالأمير جرص السّاخر الكبير، لمْ يكنْ مغامرةً فحسب، بل كان موضوعاً مستقلّاً لمْ يُحسن تناولَه كثيرٌ مِن القرّاء، كذلك جمال جمعة، منذ بداياته الموغلة في العمق والنضوج، وما زال يكتب بطريقةٍ تتصاعد معها وتيرةُ القلق الذي يأتي عن وعي، والأمر شبيهٌ مع رعد عبدالقادر،الشّاعرُ النّبيءُ، الذي كتبَ الشّعر واستدارَ إلى نفسه في المرآة، فمات.
■ وما الذي ينبغي استبعاده من ظواهر في المشهد الثقافي العراقي؟
□ ينبغي استبعادُ ظاهرةِ (الاخوانيّات)،التي ترفعُ أناساً وتخفضُ آخرين حسب درجة قرابةِ المسؤول الثّقافيّ، ينبغي استبعادُ ظاهرةِ (المُثقّف المؤدلج) الذي يفرضُ على الآخرين أدبيّاتِه وثقافتِه الضّيّقة، ينبغي استبعادُ (عمّال الثّقافةِ) مِن المؤسّسات التي امتلكوها، حيثُ أنّ الدّرجة الأكاديميّة أصبحتْ تديرُ مؤسّسةً بأكملها فقط لأنّها (دكتوراه)، ينبغي كذلك إنْ يُعادَ النّظرُ في هيكليّة التّعليم، تلك التي أنتجتْ مجتمعاً كثيرَ التّعلّم قليل الثّقافة.
■ وماذا عن التراث الشعري العربي؟ وهل من ثمّة صراع مع هذا الموروث؟
□ علاقتي بالتراث الشعريّ العربيّ الكلاسيكيّ علاقةٌ تواصليّة، تتّسم بوصف التّراث خطوةً أولى في دخولي إلى الشّعر، أتذكّر أنّي في بداياتي الشّعريّة التزمتُ على وجه الخصوص بأدب ما قبل الاسلام، حفظتُ منه آلافَ الأبياتِ، ثمّ تدرّجتُ إلى الشّعر الإسلامي ثمّ الأمويّ فالعباسيّ وصولاً إلى العصور المتأخرة انتهاءً إلى الحديث، لذا فعلاقتي به علاقة تمتدّ إلى جذور تكويني الأوّل، أما اليوم فأجدُ علاقتي به تزداد عمقاً، لسببٍ يحتاجُ إلى شيءٍ مِن التفصيل:الشّاعرُ العربيّ القديم كتبَ الشّعر وجهاً لوجهٍ مع الطبيعة، مع الله، مع الوجود، كتبه دون أنْ يخترمه التشوّهُ الذي اخترمَ حيواتنا اليوم، تشويه معرفيّ وثقافي وايديولوجيّ، فلذا نحن نقرأ اليوم ونكتبُ ونسمع الموسيقى ونتذوّق الألوان ونفعلُ أشياءَ كثيرة مِن أجل أنْ نعودَ طبيعيّين، فضلاً عن ذلك كلّه:التّراث الشّعري العربيّ غنيّ وسابقٌ لأوانه في مواضع كثيرة، ابنُ عربيّ مثلاً أثبتَ تفوّقاً على فلاسفة اليونان في حقل الخيال، أقول لك:أنا أمتدّ مِن الماضي، تسليماً مِنّي بأنْ ليس مِن ماضٍ مضى، وإنّما ثمّة ماضٍ حاضرٍ، وماضٍ سيجيء. من ناحية أخرى .. لستُ مؤمناً بشيءٍ اسمُه صراعُ الأشكال الشّعريّة، أو الصّراع مع الموروث، ما يحدّد قيمةَ الشّعر هذا هو مدى تفاعلهِ مع الحياة صدقاً وروحاً وإحساساً ومعرفةً، التراثُ باقٍ ويستمدّ حيويّته مِن تفاعل الأشكال الشّعريّة الحديثة معه، ولكنْ ما يصفونه بالصّراع اليوم، هو مسوّغٌ ضعيفٌ لسقوطِهم في فخّ التّقليد والتكرار. وحتّى أكونَ منصفاً مُحافظاً على دقّة متابعتي للشّعر العراقيّ أقول: لستُ مؤمناً بشيءٍ اسمُه (قصيدة العمود)على مستوى ما يُكتبُ في العراق، مع وجودِ أسماء قليلة جدّاً حافظتْ على شيءٍ مِن روح القصيدةِ العموديّة، فمعظمُ ما يُكتبُ اليوم هو (أنساقٌ صحراويّة)، حيث لمْ يستطع الشّاعرُ في القرنِ الحادي والعشرين أنْ يتفاعلَ مع معطياتِ عصرِه، بلْ لمْ تؤثّر فيه إلّا أنساقُ البداوةِ والصّحراء وهو يعيشُ في المدينةِ، فقصيدةُ النّثر لا خِشيةَ مِنها إذا تسيّدت المشهد، فهي شِعرٌ كما قصيدة العمود، التي تسيّدت تراثَنا العربيّ على مدى قرونٍ وقرونٍ، فِلَمَ هذا التّحسّسُ مِنها؟!، ألأنّها قصيدةٌ مستقلّة عن السّلطة على عكسِ قصيدة العمود التي رافقتها عصوراً طويلةً فأنتجت المديحَ مثلاً؟!، ألّانّها قصيدةٌ ابتعدتْ عن تداوليّات الشّعر (المُترفة) التي سيطرتْ زمناً طويلاً على مقدّرات الجماهير العاطفيّة والذّهنيّة واللغويّة كـ (الغزلِ) مثلاً؟!، لِمَ التّحسّس مِن قصيدةٍ تُخرِجُ الحياةَ مِن ضيقِ النّظمِ والقوالبِ الوزنيّة واللعبِ باللغةِ إلى فضاءِ الفِكر؟!
■ ماذا عن الثقافة العربية، وأين تجدها تقف بين ثقافات العالم؟
□ الثّقافةُ العربيّة ثقافةٌ أصلٌ، وليستْ طارئةً على الوجودِ أو ناشئةً أو وليدةً أزمات، وبالتالي فشأنُها شأنُ جميع الثّقافات العالميّة، ولكنّ ما يؤخذُ عليها كما أُخِذ على ثقافاتٍ أخرى أنّها لمْ تتخلّص حتى اليوم مِن سدَنة السّلطةِ والخوفِ مِن المُتخيّل والمُفترض، الثّقافةُ العربيّة اليوم ثقافةُ تدويرٍ وتكرارٍ وإعادةٍ مُملّةٍ، لمْ تأتِ بالجديدِ الذي يُفسح المجال لأفرادِها أنْ يضعوا خطواتِهم في طريق العالميّة، لكن: هل هذا مأخذٌ على الأفراد؟ لا، بل هو مأخذٌ جماعيّ مؤسّساتيّ، ينسحبُ إلى الهرمِ الأعلى في كلّ بلد: (السّلطة).
حاوره: مروان ياسين الدليمي