الشاعر بيرم التونسي في مذكراته: أيام البرد والجوع والمنفى

حجم الخط
0

 

الشاعر الغنائي الكبير بيرم التونسي الذي أتحفنا بالروائع من قصائده المغنّاة، والذي ترك بصمة لا تمحى في طريقة الأداء الشعري الطربي، وخلّف نفحة خاصة به في مساق الأغنية الغرامية، ولمسة في طريقة البوح الغزلي والعشق الإنساني، قد تظنه الأغلبية ذلك الشاعر المتولّه والمغرم والعاشق، وذلك المؤلف الذي يحلّق في أجواء من النشوة والرغبة والمسرات الجمالية والمنغمس في عالم مترع باللذات والنشوة اليومية، الحافلة بالسهر والطرب والتطويب الذاتي. كما قد يظنه المتتبع لشأن الغناء العربي وعالمه وسحره والمترصد لكل تفاصيله، بأنه ذلك الدونجوان وزير النساء وغيرهما من التسميات والصفات التي تلحق عادة بشعراء الغزل والحب والرقة، ولكن القارئ قد لا يعرف الحياة الأخرى للشاعر بيرم التونسي، تلك الحياة الحقيقية والمضنية خلال مشواره الطويل، ألا وهي حياة المنفى والاضطهاد والمراقبة، تنضاف إليها حياته الصحافية، فهو كان صحافياً قديراً من الطراز الحديث حسب مفاهيم ذلك الزمن من فترة الثلاثينيات من القرن المنصرم، صحافياً ذا قلم نقدي لاذع، حاد كالسيف، ينتقد ويهجو ويؤشر ويُدين، وتكوي ناره من يمسّه فيحرقه بلهبه القوي الذي لا يهدأ. لقد هجا الملوك ونهش ترفهم، وتقدم صوب الفاسدين فافترس أحلامهم وانقض بمداده ملطخاً سمعتهم وهوسهم بالترف والمال والجاه والنعيم.
وفق أفق هذا المسار، ووفق تلك الأطر والطروحات والأفكار الإنسانية، التي التزم بها أمام نفسه وأمام قرائه وناسه ومتابعيه ومحبّيه، تعرض التونسي بيرم إلى الملاحقات والمطاردات والمنع من الكتابة، وتُوِّجتْ كل تلك الغزوات النقدية بالنفي نتيجة تجاوزه الخطوط الحمر ووصول جمرات قلمه إلى حضن الملك فؤاد الأول، الشخصية الأولى في مصر الكبيرة التي كانت تضم مصر والسودان، وتهيمن بهيبتها وقوامها آنذاك، على مجمل الكيان العربي، ذلك الكيان الذي كان ضعيفاً، وخارجاً للتو من العباءة التركية والفرنسية والإنكليزية والأحلاف الاستعمارية.

سنوات المنفى

حين يتحتّم عليه الرحيل، يحصل بيرم التونسي المطالب بمغادرة أرض مصر، على تذكرة سفر من قنصل فرنسا في الإسكندرية، ويرحل ذات صيف عنها، على متن عبارة فرنسية، ليصف لنا وهو على متن العبارة، تلك الأجواء من الرحلة، بطريقة سردية تشي بأدب الرحلات، وتحمل في نسيجها المتشابك والمتعدّد نوعاً من السيرة الذاتية، في عموم تجربة المنفى وما لاقاه من عَنَت وبَرَم وأسى أثناء تلك الرحلة الشجية والصعبة، في الباخرة التي ستقله إلى منفاه، حيث سيلتقي الشاعر بجمع من العرب المهاجرين، للبحث عن عمل في أمريكا اللاتينية، يتعرف إليهم ويشاطرهم همومهم ووساوسهم من الحياة والعالم ورحلة المجهول تلك، واصفاً ذلك الجمع بالسوريين، وهم بالتأكيد ذلك الخليط من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين أيضاً الذين تتقارب لهجاتهم وطريقة عيشهم وأسلوب حياتهم اليومية من بعضهم البعض، ناهيك عن مفهوم سوريا الكبرى أيامئذ.
في الباخرة سيستمتع بأجواء الشمس وفضاء البحر والسماء الزرقاء المرقشة بالنجوم في الليل، وهذه الرحلة كانت هي أول سفرة له، وكأنه ذاهب في نزهة سياحية، أو مسافر لغرض الاستجمام ونشدان الراحة، لذا نجده وبحب بالغ يصف تلك اليوميات الحارة والدافئة على سطح السفينة وكأنه روائي يسطر رحلته إلى عالم الجمال والخيال والفتنة، رغم أن التذكرة كانت من فئة الدرجة الرابعة، حيث سيكون أكلهم مختلفاً، ونومهم مختلفا كذلك، ولكن يحق لهم الاختلاط والحديث مع من يشاؤون، ولهم الحق في ارتياد المقهى التي يرغبون ويألفون دون تمييز.

الوصول الى مرسيليا

يصل إلى مرسيليا بعد تلك الرحلة العجائبية الحافلة بالصداقات والمناكفات والغرائب، يصل غريباً يجرّ حقيبته، في واقع جديد وغامض، وهو في الطريق يشاهد ويتفحص ويتحرى المكان الذي سوف يؤويه، يصادفه شاب، يبحث عن رزقه اليومي في حمل الحقائب، ودّ أن يكون دليلاً للمسافر والغريب، وحين يتبيّن عبر ذلك اللقاء السريع في الشارع، أن هذا الفتى شاب سوري سيشكره، لكن الشاب سوف لن ينصرف بسهولة، وحين يعرف أنه عربي قادم من أرض عربية، سيسأله الفتى بفضول، من يحكم سوريا الآن؟ فيجيبه بيرم: إنه الجنرال غورو، يحتد الفتى ويهدّد عبر يده التي أخرجها من جيب معطفه، سوف أعود إلى سوريا لأقتل هذا الجنرال.
في مرسيليا سيعمل بيرم التونسي في مصنع للحرير من أجل تأمين لقمة العيش، وهي المهنة التي تعلمها عن أبيه وجده، يعمل في ظروف في غاية الصعوبة، يخرج في الثانية صباحاً، وفي درجة حرارة منخفضة تحت العشرين مئوية ليعود مساء، خائراً ومنهكاً، فاقداً لذة الحياة.

العودة إلى القاهرة

ذات يوم يضربه الحنين بقوة إلى مصر، فيعود إلى القاهرة بعد أن منحه قنصل «أنقيلتيرا» أي إنكلترا، جوازاً، كونه تونسياً يريد السفر لرؤية أهله، فيصل إلى القاهرة عبر باخرة يابانية، كانت تقل طلبة مصريين، عائدين إلى بلدهم في عطلهم الدراسية.
في القاهرة سيُغيّر أسمه إلى محمد صابر، يمكث قرابة الأسبوع فيها، جالساً في المقاهي والمطاعم ومتسكعاً في شوارعها دون أن يعرفه أحد، أو يتصل هو بأحد، خشية الوشاية، ولكن الأمور سوف لن تجري هكذا تحت طاقية الإخفاء طويلاً، حتى تأتيه رسالة من عائلته في الإسكندرية، تطالبه بالحضور إليهم، لغرض زفاف أحد أفراد عائلته، فيصل إلى الإسكندرية التي يحبها، ولا يستطيع الابتعاد والنأي عنها طويلاً، ولكنه وهو المطارد، لم يكن أمامه من خيار سوى العودة مرة ثانية إلى المنفى، فالمدينة صغيرة والوشاة كثيرون.

المهن الشاقة والجوع

اشتغل الشاعر والصحافي بيرم التونسي خلال إقامته في منفاه القسري، بمهن شتى، من بينها عامل في فرز الحديد من الخردة في إحدى الضواحي الفرنسية، مع السكن والطعام والأجر القليل.
وعمل غسال صحون في مطعم قرب السوربون، وبعد هذا العمل اشتغل عامل بناء في ضاحية باريسية، وحين ضاقت عليه وترك عمل غسل الصحون، ابتدأ العمل في ممالح لتجريف الملح وفرزه عن الشوائب، ونقل وتعبئة الملح النظيف في عربات حديدية إلى محلات التسويق. وعمل سبّاكاً في معمل للحديد، ومعلما للعربية لطالب إنكليزي، وبائع أدوات كهربائية، وصحافياً أيضاً لتحرير صحيفة في القاهرة، كان يكتبها من الألف إلى الياء، ولكنها وكالعادة، تلكأت في الدفع مما اضطره إلى العوز الشديد حتى دهمه الجوع والبرد، ولما لم يجد شيئا يأكله ذات يوم من أيام فترة عيشه في ليون، وليس في مرسيليا التي قضّى فيها جل سنوات منفاه وهي خمسة أعوام، لجأ إلى البحث في القمامة داخل منزله فوجد بصلة، فقرر شيّها، عبر عود ثقاب شحذه من جاره، ولما لم يجد أمامه من وقود، سيضطر إلى حرق ما عنده من أوراق، وهي قاموس عربي/ فرنسي، وديوان شعر أبي العتاهية، فضلاً عن رسائل كل من السيد درويش ومحمود عباس العقاد.
كل هذه الأعمال التي قام بها كان يصفها بطريقة الشاعر المرهفة والأنيقة والبارعة، وكذلك الساخرة والمتهكمة والتراجي ـ كوميدية أيضاً. إنها مقالب الحياة ومباذلها وشؤونها اليومية وهي تواجه الشاعر والصحافي المرفوض والملفوظ من قبل القوى التي تسعى لأن يكون الشاعر والصحافي خانعاً وخادماً وطائعاً رهن إشارتها، بيد أن هذا الأمر لم يستطع أنْ يحصل مع شاعر بوزن التونسي بيرم، الشاعر الصُلب الذي لا يعرف المهادنة، وقول كلمة نعم، لم يعرف الاستخذاء والمثول أمام الوصايا لكي تُملى عليه، بل كان الرفض وناره هو الطاس الذي تجرع جمر حرارته ومرارته، طوال سني حياته، من هنا اتسمت مواقفه بالجريئة، تلك الجرأة النابعة من قول الحقيقة، مهما كلفته من توابع وخسائر ومصائب. وهو في موقفه هذا كان رائدأ لا يجارى في صوغ المثال للشاعر الذي لا ينحني، بل وقف كالطود ليقول كلمته الصادقة، الخارجة من الحنايا، ولطالما كلفته هذه المواقف المزيد من الحرمان للمزايا والخصوصيات والعطايا التي كان يتمتع بها التبَّع والخانعون من الصحافيين والشعراء والكتاب من باعة الضمير والقلم.

السفر إلى تونس

حين ضاقت به طرقات المنفى، عاد إلى تونس وبقي فترة فيها، ولكنه كان يجد الجحود من أبناء بلدته، فهو هناك بالنسبة إليهم تركيّاً، وبالنسبة للمصريين فهو تونسي، وللأجنبي فهو مصري مطارد وله مشاكل سياسية، وكان معتدّاً حقاً بنفسه، فله عدم رضا وارتياح حتى من قبل القادة والزعماء الوطنيين، من أمثال سعد زغلول والنحاس، إضافة إلى الملك وحاشيته والبطانة الحاكمة آنذاك.
ولد بيرم التونسي، هو ووالده في الإسكندرية، عن جد مولود في تونس، كان يمتهن صناعة الحرير الذي تعلمه من صهره المصري. جاء الجد إلى مصر أثناء قيامه برحلة الحج، وفي طريق العودة فتن بالإسكندرية، فبقي فيها، كوَّن الجد ثروة لا بأس بها، ولاح منها حفيده بيرم بعض المال الذي أنقذ حياته وحياة عائلته، التي صارت تعتاش منها بعد رحيل بيرم إلى المنفى.
ابتسم الحظ لبيرم التونسي، إبّان زمن الملك فاروق، ومن ثم صعود نجمه بعد غياب الملكية، وذيوع صيته على نحو لافت بعد تأدية كوكب الشرق أم كلثوم للعديد من أغنياته الشهيرة وكذلك أسمهان، تلك الأغنيات التي رفعته مجدداً إلى القمة، ناهيك عن تلقف أغانيه من قبل قمم الغناء العربي وملحينه في تلك الفترة الذهبية من الزمن الجميل.

محمود بيرم التونسي: «المذكرات»
دار أخبار اليوم، القاهرة 2015
144 صفحة

الشاعر بيرم التونسي في مذكراته: أيام البرد والجوع والمنفى

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية