الشحن الطائفي في العراق بين ذكرى عاشوراء وتحرير الموصل

بغداد ـ «القدس العربي»: فرض التحشيد الطائفي نفسه على المشهد العراقي هذه الأيام في عدة مناسبات أبرزها ذكرى استشهاد الامام الحسين وأصحابه في واقعة الطف في كربلاء، وفي انتهاء الاستعدادات لخوض معركة تحرير الموصل.
وبلغ الشحن الطائفي ذروته في العاشر من محرم، يوم الاستشهاد، حيث توافدت حشود هائلة من الشيعة العراقيين والأجانب إلى كربلاء لزيارة مرقد الامام الحسين واداء الشعائر الحسينية، وسط أجواء استغلها السياسيون لتحقيق أكبر قدر من التعبئة الطائفية للشارع الشيعي، في شكل فاق ما اعتاد عليه العراقيون في مثل هذه المناسبات.
وكانت المبالغة في الطقوس والشعائر الحسينية هذا العام، برزت عبر عدة اتجاهات منها التشدد في تنويع الشعائر وزيادة المواكب الحسينية ومراسم العزاء وطبيعة الشعارات المرفوعة في اللافتات والخطب على المنابر الحسينية، كما حرص موجهو الشعائر على الزج بالمناسبة المقدسة مع قضايا داخلية مثل محاربة تنظيم «الدولة» وتواجد القوات التركية في العراق، كما برز في تناول شؤون الدول التي تلعب فيها القوى السياسية الشيعية، دورا في محاولة توجيه الأمور لصالح برنامج الطائفة الواسع، كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن والبحرين والسعودية وغيرها. ولا يخفى على المتتبع، ان وراء مبررات المبالغة في الشعائر الحسينية، أسباب متنوعة منها رغبة بعض القوى السياسية في البروز أمام الجمهور الشيعي، لتحقيق أهداف سياسية وانتخابية، إضافة إلى نقل رسالة سياسية طائفية للأطراف الأخرى، بوجود هيمنة كاملة على كافة شؤون البلد، وتسخير كل امكانياته السياسية والأمنية والخدمية من أجل الطائفة.
أما عن معركة الموصل، فمع إعلان القيادات العسكرية استكمال الاستعدادات العسكرية والإنسانية لخوض المعركة الفاصلة لطرد تنظيم «الدولة» من مركز تواجده الرئيسي في العراق، وفي انتظار إعلان ساعة الصفر للبدء بالمعركة، تصاعدت حدة تبادل شن الهجمات والتهديدات بين البلدين، رغم امكانية تأجيل سبب الخلاف لما بعد معركة الموصل. فبالتزامن مع عقد القيادات العسكرية والسياسية اجتماعات متتالية لوضع اللمسات الأخيرة للمعركة، تصاعدت تصريحات قادة الميليشيات الرئيسية، بالاصرار على المشاركة في معركة الموصل رغم رفض مجلسها وعشائرها وقواها السياسية مشاركة الحشد الشعبي في المعركة وتأكيد عدم الحاجة لوجوده، ما يؤكد المخاوف من وجود برنامج طائفي، كشفت عنه صحافة غربية بالإعلان عن وجود مخطط إيراني لفتح وتأمين طريق يمتد من إيران إلى البحر المتوسط عبر محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار والموصل، وصولا إلى سوريا.
ولعل أبرز المواقف والتصريحات الصادرة عن الميليشيات والتي أثارت المخاوف داخل العراق وخارجه، من تداعيات طائفية محتملة قد تبرز بعد تحرير الموصل ودخول الحشد الشعبي إليها، هي تصريح قيس الخزعلي قائد ميليشيا العصائب الذي قال لأتباعه في اجتماع نقلته وسائل الإعلام «أننا سنقاتل قتلة الحسين وأتباع يزيد في الموصل»، وتصريح قادة ميليشيات الخراساني التابعة للحرس الثوري الإيراني بأن رئيس الحكومة حيدر العبادي أعطى تخويلا كاملا لرئيس الحرس قاسم سليماني بقيادة معركة الموصل، ما دفع دول الخليج العربي وتركيا وبعض المنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية، بالتحذير من «كوارث» قد تسفر عن دخول الحشد الشعبي إلى الموصل وتوقع نزوح أكثر من مليون من أهالي المدينة جراء المعارك وهربا من دخول الحشد الشعبي إليها وتكرار ممارسات طائفية وقعت في مناطق أخرى.
وجاءت أزمة تواجد القوات التركية شمال العراق وتبادل حكومتي البلدين الانتقادات والاتهامات حول شرعية وجودها ودورها في محاربة تنظيم «الدولة» لتوفر فرصة أخرى لبعض القوى في التحشيد الطائفي لدخول سوق المزايدات عبر استعراض العضلات واطلاق التهديدات للقوة التركية المتمركزة في معسكر بعشيقة قرب الموصل وللقوى العراقية المتعاونة والمؤيدة لها.
وتبقى معركة تحرير الموصل، مفترق طرق لمستقبل العراق الذي أصبح ساحة صراع إقليمي مكشوف، يبدو العراقيون فيها محدودو التأثير في مسارات الصراع والتنافس والتي ستظهر معالمها في مرحلة ما بعد التخلص من كابوس تنظيم «الدولة» مع أمل ضعيف لدى العراقيين بان يكون لهم دور في عدم ظهور خطر جديد مثل ذلك التنظيم أو أشد خطرا منه ضمن إطار غياب التوجه نحو المصالحة الوطنية، وتنامي نفوذ المروجين للفتنة الطائفية التي يراهن عليها البعض في البلد المنكوب.

الشحن الطائفي في العراق بين ذكرى عاشوراء وتحرير الموصل

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية