في عام 2011 صدرت عن مركز الجزيرة للدراسات الترجمة العربية لكتاب رئيس الوزراء التركي الحالي ووزير الخارجية وقتها أحمد داود أوغلو بعنوان «العمق الاستراتيجي» الذي كتب قبل فترة يسيرة من تلك التحولات الدرامية التي عمت العالم العربي من ربيع وتغيرات إقليمية وتحديات.
أوغلو المتخصص في العلاقات الدولية، الذي يمكن مقارنته بالأمريكي هنري كيسنجر في مجال التنظير لعلاقات بلاده الخارجية والتأثير على توجهاتها، أوضح رؤيته لعلاقات تركيا بمحيطها، من خلال فكرة العمق الاستراتيجي، التي ملخصها أن الدفاع عن تركيا لا يبدأ من حدود تركيا، بل من الدوائر المحيطة بها، أي العالمين العربي والإسلامي ودول البلقان وجمهوريات آسيا الوسطى وغيرها من المناطق التي يمكن اعتبارها حيوية بالنسبة للأمن القومي التركي. هذه الفكرة التي لا تنطبق على تركيا وحدها، بل على كل دول العالم التي لا يكون استقرارها مكتملاً إلا باكتمال استقرار جيرانها.. هذه الفكرة البسيطة تمت إساءة فهمها من عدة أوجه، مما جعل دول المحيط الإقليمي العربية تنظر بتشكك إلى الجار التركي.
من ناحية تم الترويج لأن تركيا لا تتعامل هنا كدولة ند لجيرانها، بل كإمبراطورية عثمانية تسعى لإعادة أمجادها وفرض سيطرتها على المحيط العربي، ومن ناحية أخرى تم النظر لسياسة «العمق الاستراتيجي» كمشروع يهدف لإباحة التدخل في شؤون المنطقة بدون قيد أو شرط نمما يهدد الدول العربية الأضعف والأكثر هشاشة. سوء الفهم هذا جعل تلك الدول، أو غالبها، تضيع الكثير من الوقت في منافسة لا معنى لها، وفي خوض معارك بدون معترك، فتركيا التي انفتحت على العالم العربي بشكل كبير منذ نهاية القرن الماضي لم يكن شاغلها هو السيطرة على المنطقة، بقدر ما كان خلق شراكات قوية قد تغنيها عن ميولها الغربية، خاصة مع الموقف غير المفهوم الذي، تقريباً، يرفض ضمها إلى الاتحاد الأوروبي بمسوغات متجددة. إن الحل الوحيد لتعويض الفشل التركي في أوروبا كان خلق تلك الشراكة الاستراتيجية مع العالمين العربي والإسلامي الغني بالموارد والبشر والبترول، لكن كل خطوة كانت تخطوها تركيا في هذا الاتجاه كان ينظر إليها بضيق، حتى وهي تقدم مساعدات أو تعرض الدعم الفني والتقني.
أما الطبقة السياسية والثقافية المهوسة بمحاربة التيارات الإسلامية فقد اختزلت القضية في أن أردوغان قادم من حزب إسلامي (وأحياناً يتم اعتباره من الإخوان المسلمين) ولذلك فقد اعتبرت أن أي مكاسب يحققها هي مكاسب للحركات الإسلامية المعارضة في المنطقة، مما سوف يقوض أمن السلطات على المدى البعيد. لقد تجاهلت هذه النظرة رفض أردوغان لوصف نفسه أو حزبه بأنه «إسلامي»، كما تجاهلت انتقاده لتجربة الإخوان إبان محاضرته في القاهرة قبل حتى اندلاع الربيع العربي، مما أثار حفيظتهم وقتها.. هذا الاختزال جعل ذلك الفريق يرى في دعم تركيا لحركات المقاومة الفلسطينية وعلاقتها المتميزة بقادة حماس كمجرد علاقة بين «إسلاميين» يجمعهم تنظيم واحد، وكذا كان الحال إبان حكم الرئيس محمد مرسي، فرغم أن تركيا تعاملت مع مصر مبارك ومصر المجلس العسكري إلا أنه جرى تضخيم وتحذير مبالغ فيه من تلك العلاقة مع الرئيس المنتخب، باعتبار أنه قد يشكل حلفاً ضد آخرين، كما تم تصوير عروض الشراكة والدعم التركي لمصر بعد الثورة على أساس أنها محاولة لاحتلال مصر وإخضاعها للنفوذ التركي.
لكن الحقيقة هي أنه لا يمكن المزايدة على المواقف التركية التي صمدت أكثر من غيرها في وجه المتغيرات الإقليمية.. لنتذكر هنا أن الموقف التركي الرسمي كان منذ البداية ضد التدخل العسكري في ليبيا، وأنها حذرت من مغبة المساس بالسيادة الوطنية الليبية رغم فقدان القذافي شرعيته بعد أن توعد بشكل علني مواطنيه.
نعلم اليوم وبعد مرور كل هذا الوقت أن النظرة التركية كانت صائبة، وأن الحل لم يكن طبعاً في ترك الليبيين لمواجهة مصيرهم، ولكن على الأقل تدخل دول إقليمية بقيادة إقليمية يهمها بشكل فعلي الاستقرار الليبي.. قيادة موثوق بها ويمكنها أن تقف مع الليبيين حتى اكتمال بناء الدولة، عوضاً عن الاكتفاء بضربات عشوائية هنا وهناك وفقط. للأسف فإن فكرة تكوين قوة إقليمية كانت فكرة مستبعدة مع كل تلك النظرات المتشككة والمعادية للدولة التركية التي، للمفارقة، أصبحت الرقم الأول في المنطقة اقتصادياً وعسكرياً.
في سوريا التي تمتعت بعلاقات مميزة مع تركيا والتي شكلت لحد كبير البوابة التي دخلت عبرها تلك الأخيرة إلى العالم العربي، لم تسارع تركيا إلى الوقوف مع الثوار والمطالبة بتنحي الأسد، بل عملت على إسداء النصح واستغلال علاقتها بالرئيس السوري، من أجل محاسبة المفسدين والمبادرة بالإصلاح، لكن كل تلك الجهود، وجهود دول عربية أخرى، باءت بالفشل ومع استمرار المراهنة على الحسم الأمني انحازت تركيا بقوة للشعب السوري معلنة أن الأسد فقد شرعيته.
مقابل ذلك الموقف الواضح والمسؤول لتركيا جاء موقف الدول العربية، في غالبها، متلوناً بين التباكي على الأزمة الإنسانية وضرورة تنحي بشار الأسد، إلى فتح المجال للدعاة والخطباء للتركيز على الأزمة السورية وإطلاق حملات جمع التبرعات، مروراً بظهور جسم المعارضة وتكون «الجيش الحر» الذي تم دعمه إعلامياً ثم نهاية باعتبار الأسد جزءاً من حل الأزمة كما عبرت المواقف الدولية التي ساندها العرب من طرف ظاهر أو خفي.
ما هي الحلقة المفقودة هنا؟ وما الذي أدى لذلك التلون غير المبرر، خاصة أن الأزمة لم تخف بل زادت اشتعالاً؟ إن الموضوع ببساطة كان، مرة أخرى، الخشية من سيطرة تنظيم إسلامي، مهما كانت طبيعة تشدده، على البلاد بعد نهاية حكم الرئيس بشار الأسد، وهنا وجدنا وفي إحدى المرات النادرة، والمعلنة، على مر التاريخ المعاصر أن مصالح النخب العربية الحاكمة التقت بوضوح مع مصالح الكيان الصهيوني، الذي أعلن تخوفه من وصول أي نوع من الحركات الإسلامية الحاكمة إلى سدة الحكم في سوريا وأن مصلحته تقتضي عدم تنحي القيادة السورية الحالية.
وفجأة اختلط الحابل بالنابل وأعلنت «النصرة» فجأة مبايعتها لتنظيم «القاعدة»، ثم ظهر «داعش» الذي بدأ، للغرابة، بمحاربة الثوار وإطلاق هجماته عليهم، وهو المزودة بشكل غامض بأحدث الأسلحة وأعظم المقدرات المادية والاستخباراتية.
لكن حتى في ظل هذا الغياب للمنطق وللحقيقة الكاملة فإن الموقف التركي المبدئي لم يتزحزح، وحين تحدث المجتمع الدولي عن ضرورة محاصرة «تنظيم الدولة» وتحرير كوباني، كانت تركيا ترى أن الأولوية ما تزال تنحية بشار الأسد وتحرير كافة الأراضي السورية من بقايا قوات نظامه ومن يدعمها من ميليشيات إيرانية ولبنانية وغيرها. إلا أن اختلاف وجهات النظر العربية – التركية لم يقتصر على الأزمة السورية، وهو ما جعل مهام أردوغان ومحاولاته التوفيقية في غاية الصعوبة، فقد ظهرت فجأة الأزمة المصرية بعد انقلاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي.
ومرة أخرى انحازت تركيا لمبادئها الرافضة للخروج عن شرعية الانتخابات بهذه الطريقة، في حين أعلنت الدول العربية الأكثر أهمية دعمها للرئيس السيسي الذي سوف يطوق جماعة «الإخوان» ويساهم في الحد من انتشارها، عبر اعتقال ومحاكمة أبرز قادتها الذين سيتم تصويرهم على أساس أنهم العقل المدبر لكل محاولات هز العروش التقليدية في العالم العربي.
لم تنجح الضغوط المختلفة في إثناء تركيا عن مواقفها بشأن الأزمة في مصر، كما لم تنجح في تحييدها إزاء العلاقة مع حركات المقاومة الفلسطينية، خاصة حركة حماس التي اكتسبت شعبية متزايدة في تركيا وفي العالم العربي على السواء، رغم محاولات التشويه والتشكيك. إن المواطن العربي حين يقارن بين تركيا ومثيلاتها في العالم العربي يجد نفسه وقد عقد مقارنة بين التنظيم والعبث.. بين التقدم والتخلف.. بين الديمقراطية الشعبية وحكم الفرد والقبيلة التقليدي.. بين حكومة تناصر الأقصى وتقف مع المظلومين وحكومات تتآمر على الأقصى لمجرد النكاية بحماس الإخوانية أو تتآمر على الديمقراطية الوليدة في مصر لمجرد النكاية في «الإسلاميين» وكذلك يفعلون في ليبيا وفي اليمن التي تم تسلميها بوعي، أو بدون وعي، للحوثيين المدعوميين من إيران، أيضاً لتطويق تقدم حركات إسلامية قد تهدد دول الإقليم على الأقل بسلكها طريق الصناديق.
إن مواقف تركيا الواضحة التي تستند إلى المنطق والضمير في أغلب القضايا كثيراً ما كانت تحرج الدول العربية التي لا تجد لنفسها مكاناً إلا حول طاولات الكبار، مرددة ما يقولون ومتبنية ما يذهبون إليه من قرارات حرب أو سلام، بل إن مواقف تركيا الاخيرة المختلفة فضحت الإدارات الأوروبية والأمريكية أمام شعوبها وأكسبتها احتراماً ومكانة وقوة.
السؤال الآن.. هل فات أوان الشراكة الاستراتيجية مع تركيا؟
والإجابة هي أن الدول العربية، في معظمها، تأخرت فعلاً وأضاعت الكثير من الوقت في مجادلات وافتراضات فارغة، لكن الوقت لم يفت لتدارك الأخطاء وإطلاق مبادرة للحوار بشفافية ومواجهة ومباشرة، بدلاً من سياسات التحريض الإعلامي والحملات العدائية. إن كل الاختلافات السياسية مع تركيا تبدو هينة أمام التحديات الكبرى التي تجابه المنطقة، والتي تحتاج بحسب كلمة العاهل السعودي الأخيرة إلى «تحقيق التضامن العربي الإسلامي بتنقية الأجواء وتوحيد الصفوف».
وهل يمكن لدعوة كذلك أن تتجاهل الدولة التركية..؟
من ناحية أخرى يمكننا طرح السؤال بطريقة مغايرة؟ ما هو البديل في ظل الحاجة الماسة لشريك يعتمد عليه أمنياً وعسكرياً واقتصادياً في ظل الواقع الدرامي الراهن المتمثل، على سبيل المثال لا الحصر، في الوجود الإيراني شرق وشمال وجنوب الجزيرة العربية؟ للأسف فإن الدول العربية لا تملك خيارات كثيرة فحتى الشريك الأمريكي التقليدي أصبح يظهر مــــيلاً للتعاون مع إيران أكثر من ميله لمواجهتها والدخول معها في حرب، حتى لو كانت باردة، وكذلك يفعل الأوروبيون الذين يقودون مفاوضات عبثية مع إيران لا تعمل إلا على إعطائها فرصة للملمة أطرافها وإطلاق مفاعلها النووي الذي لن يتوجه بحال إليهم.
وقد كانت خطوة تكتيكية تلك المبادرة لحلف دفاع عربي يلعب فيه الجيش المصري دور قوة التدخل السريع، كخطوة تستجيب لقراءة خريطة الواقع بشكل براغماتي. وبغض النظر عن الطريقة التي تم تقديمها بها والتي كانت أقرب للابتزاز من التعــــاون والشراكة، أعني الحماية المالية مقابل الحماية العسكرية، فإن سؤالاً أخيراً يطرح نفسه بقوة: هل يمكن للدول العربية، حتى تلك التي استماتت في دعم النظام المصري الحالي، أن تتعامل مع هذه المبادرة بشكل جاد وحقيقي وبعيد المدى، أخذاً بالاعتبار الظروف التي تمر بها مصر نفسها، أم أنها ستعيد ترتيب سياساتها وأولوياتها وتوجهاتها بما يخدمها بشكل فعال وموثوق؟
الأيام القريبة جداً كفيلة بالإجابة..
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح