يستفزّني الشرّ هذه الأيّام لكثرة انتشاره. هو عميم، نلاقيه أينما اتّجهنا. والأنكى أن نلاقيه حيث يجب ألاّ يكون، أو أن يُنتجه إنسان تكرّس في الأصل لمحاربة الشرّ.
لا يكون انتصار الشرّ ساطعًا إلاّ عندما يتجسّد في ملاكٍ من نور.. فأمكرُ الذئاب هي التي تأتيك بثياب الحملان. المكر هو رأس تجلّيات الشرّ. لمّا أراد كتابنا المقدّس وصف الشرّ في أوّل ظهور له، شبّهه بالحيّة التي كانت «أمكر جميع حيوانات الحقول». طالما تلبّس الشرّ أقنعة الخير.. على باب معتقل أَوشفيتز في بولونيا، حيث كانت تُشوى الأجساد، كتبَ النازيّون شعارًا تنضح كلماته رقيًّا وجمالاً: «العمل يُحرّر». قبرٌ مكلّس وفي داخله عظام نتنة! منذ بدء التاريخ إلى اليوم، ملايين الضحايا سقطت تحت أجمل الشعارات وأقدس الهتافات.
الشرّ هو انعدامُ الخير، كما الظلمة انعدامٌ للنور. هو فراغ، ككأس الماء بلا ماء. حقيقة مع أنّ لا وجود له، أشبّهه بروح تائه يهيم في القفار يبحث عمّن يتبنّاه؛ وعندما يجد له مأوًى، يأتي ويُقيم ويستطيب الإقامة، لو لم يجد الشرّ إنسانًا يبيت فيه، لبقي روحًا لا حول لها ولا قوّة. الشرّ يصبح بشرًا مع أنّه فكرة. والبشر تفنّنوا في ضروب استنساخه، أتقنوا لعبته حتّى أصبح بعضهم لعبةً بين يديه. الشرّ يتجسّد، هنا في حرب وهناك في مجاعة؛ هنا في إذلال إنسان وهناك في استغلال طبيعة، وأكثر ما يتجسّد هو في وجوه متنكّرة: في جمال خادع وضحكة ماكرة، في حضارة تدّعي الحياة وهي في الداخل موتٌ وخطف.
عجيب كيف يفتن الشرّ العقول ويخلب لبّها! تتكسّر عند صخوره أصلب الإرادات، وتُنحَر عند قدميه أتقى النوايا. يتسلّل إلى حياتنا خفيةً، يقتحمها بلا استئذان، يفخّخها بسمومه لتنفجر، إن أمكن، من الداخل. استراتيجيّته النخرُ من الداخل، النخر رويدًا رويدًا، إلى أن يتفتّت الكلّ. سمّاه البشر «شيطانًا»، ومعناه «المفرِّق» و»المبدِّد». في اليونانيّة، «ذيابولوس» (Diabolos) أي «رامي الفرقة»، و»ساتاناس» (Satanas) أي «الموَسوِس». أحبُّ أمرٍ عند إبليس التفرقة، زرع الفتنة، من الداخل خلف الأبواب، «أيّ مملكة تنقسم على نفسها تخرب»، قال السيّد المسيح.
في قاموسنا، الشرّ المطلق هو الخطيئة، ومضادّ الخطيئة التوبة. بخطيئتك تُبعد نفسك عن الله، وبتوبتك تعود إليه، تعود إلى النور، وحيث النور لا ظلمة. راقب ظلّك. كلّما دنوتَ من النور يصبح ظلّك الأسود وراءك، أمّا إذا أدرت للنور ظهرك فإنّ سوادك سيتقدّمك، حيث النور لا غلبة للشرّ. شوكته تُكسَر، يكسره الحبّ، ولا شيء غير الحبّ يقهره. الحبّ والشرّ لا يتلاقيان، عدوّان إلى الأبد. «أَحبِب وافعل ما تشاء»، نادى القدّيس أوغسطينوس الجزائريّ. إن أحببت، فإنّك تحصّن نفسكَ ضدّ سهام الشرّ الغادرة. الحبّ يليّن القلب، والقلبُ الليّن يتقيّأ الشرّ من فمه. في عقيدتنا، يسوع لم يعرف الشرّ أبدًا لأنّه «وديع ومتواضع القلب». نستدرج الشرّ إلى قلوبنا وحياتنا، وأحيانا إلى معابدنا وهياكلنا، ليس إلاّ لأنّنا قُساةُ القلوب غِلاظُ الرقاب. الحرب على الشرّ تبدأ بإنارة القلب، ولو بقدر شمعة. البشريّة تتقهقر اليوم لأنّ الإنسان لا يشتغل قلبه، لا يُصلحه. القلب مضخّة العالم، مفتاح تشغيله، الغرب شغّل عقله ونسي قلبه، والشرق لكـــثرة عواطــفه، قلبه جامح ترويض القلب على الحبّ واللين خلاصٌ للبشريّة.
الشرّ يتعقّد أكثر عندما «يتأدلج»، عندما يصبح إيديولوجيّة ونظامًا ودولة. الأفراد هنا، الجلاّدون والمجلودون على السواء، ليسوا إلاّ ضحايا، برأيي، العسكريّ الألمانيّ الذي قضى نحبه وسط صقيع ستالينغراد الذي لا يرحم بعيدًا آلاف الكيلومترات عن عائلته، وذلك الروسيّ الذي استشهد على الضفّة الأخرى من الجبهة دفاعًا عن وطنه كلاهما يتعادلان في المأساة: الأوّل كان ضحيّة نظام شرّير شيطنَ الجميع، والثاني ضحيّة شرّ تلقّاه رغمًا عنه وحاول صدّه. في كفّة الأخلاق يفترقان، لكن في كفّة المأساة يتعادلان. بالنسبة إلى العرب، «إسرائيل هي الشرّ المطلق». وهي، بفظائعها التي ارتكبتها وترتكبها إلى اليوم تحت شعار الدفاع عن النفس، لم تتوانَ في ترسيخ هذا التحديد في ضمائرهم. لكنّني أجرؤ وأقول إنّ حلقة الشرّ هذه لن تُكسَر إلاّ عندما يؤمن العرب بأنّ الإسرائيليّين أيضًا هم ضحايا إيديولوجيّة بغيضة تقوم على التقوقع والقتل بحجّة الدفاع عن النفس، وبأنّ بعضهم يريد فعلاً التحرّر من أتّون الحقد هذا. برأيي، ننتصر على إسرائيل عندما نُغلب الخير عند بعضهم، عند أكثرهم؛ عندما نُولّد فيهم الإنسان لا العدوّ؛ عندما نُخرجهم من معادلة «كي تبقى، أُقتلْ» ونقنعهم بأخرى: «كي تبقى، صافِح». كلّما ازددنا في شيطنتهم، غالوا في تقوقعهم وفي اتّكالهم على آلة الحرب والدمار. على أحدٍ ما أن يكسر حلقة الشرّ هذه. رائع غاندي! لم يغلب بريطانيا العظمى إلاّ عندما أخجلها، عندما رفض أن يخوض الحرب بأسلحتها هي وعلى الحلبة التي أرادت أن تجرّه إليها. كسر حلقة الشرّ بحبّة ملح وبقدَمٍ تسير.
كاهن كنيسة الروم الكاثوليك – بروكسيل
الأب ميلاد الجاويش