رصدنا بأعيننا رئيس نقباء الأردن أمام مايكروفون محطة «رؤيا»، وهو يحاول «النزول عن الشجرة»، بعد النجاح الباهر للإضراب الشهير عندما وافق على «لقاء الحكومة» مجددا، بعدما ترك رئيس الوزراء يتحدث وانسحب أمام كاميرا التلفزيون الأردني في الأسبوع السابق.حسنا قالها المخضرم سمير الرفاعي مبكرا..الحكومة والمواطن «صعدا للشجرة».
من الواضح، وباختصار أن مشكلة الأردنيين مزدوجة، فحكومتهم تصر على التصرف على أساس أنها «حكومة الملك» فقط، أما المعارضة وعندما تعتدل تتحدث عن «سحب تشريع» وكأنها تدير مواجهة «كفاح مسلح».
غير منطقي أن يشعل معترضون على تشريع الحرائق بالقرب من مصفاة البترول شرقي المملكة.
لا أحد لا فوق ولا تحت يريد احترام قيمة «الحوار»… هنا بالتحديد تجلس أزمة العقل الأردني وهي أزمة صنعت عبر الأقنية وخلف الستائر بسلسلة لا متناهية من ممارسات الإدارة المختلة، التي تقودها أحيانا رموز «مراهقة» أو شخصيات تضخمت عندها الذات وتشعر بأنها ضرورة وطنية.
قلنا سابقا أصل الأزمة في الأدوات… الجديد أن أزمة الأدوات انتقلت للطبقة الوسطى والمهنية والمعارضة.
البث الإعلامي سلوك شعبي
يعجبني تحول ظاهرة البث الإعلامي إلى سلوك شعبي في الأردن، فقد تحول الشعب الأردني إلى «مراسل صحافي» حتى أن خلية الأزمة التي تراقب المشهد لصالح السلطة لا تجد طريقة لمتابعة الزخم الإعلامي المتلفز الذي يبثه المواطنون ويتحول مع الوقت إلى مصدر أساسي حتى على الشاشات الفضائية الأخرى.
حتى محطة «بي بي سي عربي» استعانت بتلك الأشرطة التي يفبركها أو يلتقطها مواطنون أردنيون يريدون مخاطبة الجميع… نعم الشعب الأردني يتسلى بوظيفة المراسل ويصور كل شيء يتحرك أو ساكن، أما الحكومة فما زالت آخر من يعلم.
«محصلش في مصر»
قرر المذيع المصري الشهير معتز مطر الاستثمار على طريقته في المشهد الشعبي الأردني فوضع سلسلة من المشاهد والتعليقات ضمن برنامجه الذي يتميز بالصراخ في العادة في فضائية «الشرق».
صاحبنا مندهش لأن المعتصمين في شوارع العاصمة عمان قرروا بعد ليلة عاصفة من الهتاف والحراك منح رجال الأمن والدرك الفرصة لتناول طعام السحور فهتفوا لهم وعانقوهم وانصرفوا من مكان الاعتصام.
«محصلش ده عندنا في مصر»… قال المذيع الهمام، لكن المشهد يبدو أنه مؤثر فعلا، فقد رصدت بعيني دمعة رجل الدرك من تحت خوذته المعدنية وهو يعانق المعتصمين، الذين يسارعون إلى تقبيل الخوذة مع الاعتذار من رجال الأمن.
هذه الذهنية في الاعتراض هي التي طورها الأردنيون من أبناء الطبقة الوسطى تحديدا، حيث هتافات لأن يعيش الأردن وأناشيد لصالح قوات الدرك وإصرار على مواجهة التعامل الخشن منهم في أي لحظة بطريقة المهاتما غاندي الهندي.
نخشى أن ما نسمعه من أحد المسؤولين الأمنيين هو الذي حكم معادلة عدم تقديم أي تنازل من السلطة للناس في الحراك الأخير، فقد قال لي الرجل: لا يوجد مشكلة في الحراك العنيف، الذي يقطع الطريق أو يشعل الحاوية أو يحاول إحراق مكتب البلدية فذلك اعتدنا عليه… أما الإضراب المنظم والاعتراض الناعم فهو مصيبة كبرى والمصيبة تزداد عندما نكتشف في الميدان عدم وجود جهة مركزية تنظم هذا النمط من الاعتراض ويمكن التحدث معها.
تحدثنا في مقال سابق عن الأردني، الذي يرقص على مصفحة الدرك وهو في طريقه لارتكاب مخالفة للقانون.
اليوم يعترض الأردني ويهتف في الشارع ثم يقبل خوذة الدركي في مشهد رصدته أيضا محطة «الجزيرة».
رامز وهو تحت الصفر
لكن حمى الأسعار والضرائب في الشارع الأردني لا تشغله عن الأهم عبر الشاشات، حيث النسخة الجديدة من أفلام «أم بي سي» مثل «رامز تحت الصفر»، حيث تدلل إحصائيات غير رسمية قدمتها شركة اتصالات أن الشعب الأردني وبعد الأفطار مباشرة وحرصا على اللحاق بموعد صلاة التراويح يبادر وفورا لفتح قناة «أم بي سي مصر» لمشاهدة المغامرة الجديدة لرامز.
الأرقام تتحدث عن مليون مشاهد على الأقل في الأردن فقط خلال فترة الذروة لشاشة المادة الثلجية، التي يقدمها الكوميدي رامز، وهو يصطاد هذه المرة مع دب روسي ونمر قطبي النجوم ويورطهم في مشاهد خوف تجارية.
وعدد الذين يحتفظون عبر الشبكة بحلقات رامز الجديدة يصل لـ 50 ألف مواطن يوميا يقابله بالتأكيد ملايين الزاحفين نحو البرنامج من الشعب المصري، بدليل طول فترة الوصلات الدعائية المحكية بين فقرات رامز.
البؤس الدرامي والكوميدي له أيضا زبائن بالكوم أكثر من متابعي فضائيات مصر، وحتى أكثر من المعترضين في مصر تحديدا على «ما بعد الإنقلاب».
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
7gaz
بسام البدارين