الشعر الشعبي الخليجي: صراع البداوة والتحضر

حجم الخط
0

 

هنالك حقيقة مهمة أود تسجيلها أمامكم لعلي بتسجيلها ألقي بعض الضوء على دور خطير قام به الشعر الشعبي في منطقتنا، أقصد منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي. ذلك أن حقبة تاريخية طويلة وحافلة بالأحداث والمتغيرات الاجتماعية والسياسية قد مرت بها منطقتنا. ومع ذلك ظلت هذه المنطقة بأحداثها المهمة في غياب كامل عن التراث الإبداعي المصاحب لتلك الأحداث، بمعنى أننا لم نجد إبداعاً فصيحاً يحمل لنا صورة حقيقة للأحداث المهمة التي مرت بها هذه المنطقة من البلاد العربية. وسبب ذلك الإحجام في رأينا يعود بالدرجة الأولى إلى فترة الانحطاط التي عانى منها الإبداع القومي الفصيح، نتيجة لسلسلة الانحدارات التي شملت شتى وجوه ومجالات حياتنا العربية من جراء انهيار الدولة الـعـــربية الإسلامية، وبروز الأقاليم الصغيرة كدول منغلقة داخل حدوده، مما دفع بضمير الأمة إلى التحصن بمقوماتها التراثية اللصيقة بمشاعرها وأحاسيسها العربية الخالصة في وجه الردة الثقافية والسياسية.
فكان الشعر الشعبي حصنها المنيع ووشيجتها العربية الحصينة، ولسانها المسجل الواعي، وذاكرتها الخازنة لأسباب حضارتها العريقة، وكأنها وجدت في الشعر الرسمي آنذاك، رغم فصاحة معجمه وانتمائه الشكلي لموروثها الحضاري، خروجاً عن دائرة وجوهر مسيرتها الثقافية والحضارية. فهو شعر يحمل هموماً غير همومها، ويتجه توجهاً يغاير جوهر توجهها وتطلعاتها القومية والإنسانية، فاستعاضت عن هامشيته بلون شعري مغموس في دفء مشاعرها، محتشد في وجه الردة كاحتشادها، يستشعر حرارة التواصل بين الأجيال كاستشعارها، لأن الإبداع الشعري عند الأمم العظيمة قضية، فإذا حاد عن قضية نبذته واستعاضت عنه ببديل، ولو كان هذا البديل أقل مكانة فنية.
لهذا السبب ومن هذا المفهوم للشعر وللدور الذي يجب أن يلعبه في حياتهم، أقصت العرب في منطقتنا إلى القرار العميق من وعيها الشعر الفصيح، واحتفلت بالشعر الشعبي النبطي، فكان بحق أصدق البدائل وأوفاها وأشملها، وأصبح مصدراً وحيداً للباحثين في حياة عرب الجزيرة والخليج، بخاصة تلك القبائل البدوية التي ما زالت محتفظة بطابع الحياة القبلية وسماتها ومواصفاتها وأعرافها الرعوية التي تتفق إلى أبعد الحدود والحياة القبلية لعرب ما قبل الإسلام. وفي هذه الصورة للقبيلة العربية أهمية قصوى لدارس اللغة والأدب، حيث ما زالت لهجات القبائل تحمل بعض ملامح لهجاتها القديمة، وما زالت علاقتهم الاجتماعية وأنسابهم الموغلة في القدم تلعب دورها الحاسم في حركة ونمو هذه القبائل، وما زال شعرهم محتفظاً بصفاته وخصائصه القديمة التي ذكرتها أهم المصادر التاريخية والأدبية.
من أراد واقعاً مسجلاً تسجيلاً وثائقياً شاملاً لحياة عرب الجزيرة والخليج في تاريخها الأخير، فعليه بالشعر البدوي ـ النبطي ـ ففيه مطلبه وضالته، فهو حياة كاملة بشتى وجوهها ونواحيها، ومن أراد التخصص بمجتمعات المدن والقرى فعليه بالشعر العامي أو الشعبي. واسمحوا لي أن أعرض أمامكم شريحة من هذا الإبداع الشعري الشعبي في الكويت، حيث تتزاوج الروح البدوية والحضرية في الصورة الكلية للحياة الاجتماعية لعرب الكويت، وذلك بغية تأكيد ما ذهبنا إليه من منزلة قصوى للشعر الشعبي في إثراء التراث العربي، منزلة لا تقل في أهميتها وفعاليتها عن الشعر الفصيح، ولكنها تزيده ثراء، وغنى، وتعميقاً وتأصيلاً. ولا غرو في ذلك، فهما وجهان لعملة واحدة هي التراث الإنساني العربي العظيم.
ينقسم الشعر الشعبي في الكويت إلى قسمين كبيرين استقطبا كل المتطلبات والحاجات الاجتماعية والثقافية والسياسية والفنية التي أفرزتها طبيعة المرحلة الحضارية للمجتمع في الكويت، في تلك الفترة.
القسم الأول هو الشعر البدوي، أو ما اصطلح على تسميته بشعر «النبط»، وهو لون من الشعر شكلت ظاهرة البداوة التي طبعت حياة عرب الكويت والجزيرة والخليج العربي معجمه الشعري ومكونات هذا المعجم اللغوية والفنية، المستمدة من الطبيعة الصحراوية برموزها ومفرداتها.
فكان بحقّ ديوان البادية الشامل لمختلف صور حياتها، مما أهله بأن يكون مصدراً وثائقياً وتاريخياً لطبيعة هذا الطور الحضاري وما يتعلق بهذا الثراء والعمق من رموز حضارية، وإشارات تراثية بالغة الأهمية والخطورة، بدءاً بالنقوش الأثرية وانتهاء بالإبداع القولي الإنساني.
الثاني هو الشعر الشعبي، وهو لون من الشعر العامي استمد معظم خصائصه من الشعر البدوي، وإن كانت دواعي إبداعه قد أضفت عليه بعض الخصائص الجديدة التي ميزته عن سابقه من الشعر البدوي. ومجمل هذه الخصائص نجدها واضحة في معجمه اللغوي، وصوره الفنية، فضلاً عن نوعية قضاياه وطريقة طرحه وتناولها.
وبعبارة أخرى، إن دواعي وضرورات الحياة الحضرية للمجتمع الكويتي قد أفرزت مناخاً اجتماعياً نمت من خلاله بعض العلاقات الجديدة، تبعاً للمتغيرات التي طرأت على صيغة البنية الاجتماعية ومفاهيمها، مما تقتضيه حياة المدينة وبخاصة البحرية منها من حتمية التأثير والتأثر بالعالم الخارجي من حولها، بحكم الاقتصاد البحري القائم على التجارة والسفر المستمر، مما جعل الشعر البدوي بطبيعته يعجز في كثير من الأحيان عن مواكبة هذا الواقع بتفاعله الحضاري المتغير دائماً.
مما أكسب الشعر العامي شرعية الظهور وتسنم مسؤولية المساهمة بجانب الشعر البدوي الذي استمر في حمل مسؤوليته التي استمر بعض مظاهرها في حياة المجتمع الجديد. لقد تلازم الشعران فترة طويلة يؤثر كلّ لون منها في مجال تأثيره، ويعبران بجدارة عن المجتمع الكويتي الذي تصارعت فيه البداوة بقيمها ومواصفاتها العربية العريقة المحافظة، وتطلعات التحضر بحتميتها وتوجهاتها العصرية، مما أكسبها الغلبة في نهاية الأمر.
ويجدر بنا في نهاية هذه المقارنة السريعة بين وجهي العملة للشعر الشعبي في الكويت ـ إذا جاز هذا التعبير ـ أن نأتي بمثل يوضح ما أشرنا إليه من سمات الاختلاف بين الشعرين، وذلك من خلال حديثنا عن رائد مدرسة الشعر الشعبي الكويتي فهد بورسلي، الذي تتجسم في شعره كل ملامح هذه المدرسة.
وخير مدخل لنا هو تصوير الشاعر لتلك المشكلة الأزلية، وهي (الغنى والفقر)، وما يترتب عليهما من مفارقات ومواقف خلاصتها دائماً ليست في صالح الفقير، وهذه نغمة إنسانية سوف تصاحبنا كثيراً في رحلتنا مع الشاعر. وما يزيد من إعجابنا بموقف الشاعر هذا هو ميله إلى الفقراء، موقفاً وإحساساً وليس طبقياً إذا جاز هذا التعبير، إذ كان الشاعر من اسرة ليست بفقيرة حسب مقاييس تلك الفترة من حياة المجتمع الكويتي.

مجلة «البيان» الكويتية، العدد 169، نيسان (أبريل) 1980
شاعر الأغنية

نادرة هي الشراكات اللامعة بين الشعر والغناء والتلحين الموسيقي، وتلك كانت حالة الشاعر الكويتي (1941 ـ 1995) مع المطربين شادي الخليج وعوض الدوخي، ومع الملحنين غنام الديكان وأحمد باقر؛ ولقد أسفرت هذه الشراكة عن أغنيات بديعة عبرت حدود الكويت إلى العالم العربي بأسره، ولم تقتصر على موضوعات الأغنية المعتادة، في الغزل والعشق، بل شملت الأوبريت والأناشيد الوطنية أيضاً.
لكنّ العتيبي كان أديباً في المقام الأول، قبل أن يكون شاعراً غنائياً بامتياز، وكان باحثاً صاحب آراء جسورة ـ ولكنها معمقة ورصينة، إلى جانب طابعها السجالي ـ حول وظائف الشعر الشعبي في مدوّنة الذائقة العريضة، وفي وظائف الأدب الاجتماعية والتاريخية عموماً. وأمّا موقعه كشاعر، في المشهد الشعري الكويتي، ورغم تنوّع أشكال الكتابة الشعرية لديه، فقد تميّز بالتجديد وريادة قصيدة التفعيلة ضمن ممثّلي الجيل الثاني، في جانب أوّل؛ كما كان، في جانب ثان بالغ الأهمية، أحد أفضل الناطقين بلسان حساسية ثقافية ـ اجتماعية، كانت سياسية أيضاً بالضرورة، التقطت بوفاء ورهافة مفاعيل انتقال الكويت من مجتمع الـبـــداوة والــنــدرة واقتصاد الغوص، إلى مجتمع التمدن والرفاه واقتصاد النفط.
وفي هذا كله كان العتيبي عقلانياً في قراءة شؤون وشجون بلده، وكان ناقداً اجتماعياً لا يتورع عن هجاء ظواهر التخلف، كما في قوله: «نحن نبني هياكل النور لكن/ كم ضياء بنا وأدنا انبثاقه/ كلما لاح في سمانا هلال/ واستوى بدره صنعنا محاقه/ إيه يا صوتنا القديم أغثنا/ قبل أن ندمن الدجى وانغلاقه/ أمِن التائهين ترجو دليلاً/ ومن البكم تستمد الطلاقة؟».
بين مؤلفات العتيبي: «شعر السلم في العصر الجاهلي»، «الشاعر عبد الله سنان: دراسة ومختارات» بالاشتراك مع خالد سعود الزيد، «دراسات في الشعر الشعبي الكويتي»، ديوان «مزار الحلم»، وديوان «طائر البشرى».

الشعر الشعبي الخليجي: صراع البداوة والتحضر

عبد الله العتيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية