كان محمد مفتاح الفيتوري قد ولد في مدينة الجنينة غرب السودان، ثم هاجر إلى مصر حيث نشأ فيها وتلقى تعليمه بين الإسكندرية والقاهرة. وفي هذه الفترة ظهرت ملامح نبوغه الشعري، واتصل باليسار المصري وتوطدت علاقته برموزه، فكتب محمود أمين العالم مقدمة باكورته الشعرية، وقدّمه إلى الأوساط الأدبية في القاهرة التي كانت يومها مركزاً ثقافيّاً وشعريّاً، بما يشبه اعترافاً 1بوجوده الكينوني الشعري؛ بل إنّ بعض النقاد عدّه شاعراً مصريّاً من أمثال عبد القادر القط ولطفي الخوري.
وعمل الفيتوري مُحرّراً أدبيّاًّ في الصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرًا للإعلام في جامعة الدول العربية في القاهرة، في الفترة ما بين 1968 و1970 . وقد واجه الفيتوري في حياته الكثير من المصاعب لأسباب سياسية، فسلب منه جنسيّته وجواز سفره في فترة السبعينيات إبان معارضته لنظام جعفر النميري. ولجأ إلى ليبيا التي مثلها في السلك الدبلوماسي مستشاراً وسفيراً في عدد من الدول العربية والأجنبية، قبل أن تسحب منه السلطات الليبية الجديدة، بعد سقوط العقيد معمر القذافي في ثورة شعبية، أوراق إقامته مُجدّداً.
وقد أقام الفيتوري سنواته الأخيرة في المغرب في ضاحية سيدي العابد (جنوب الرباط)، تحت وطأة المرض، حيث تعرّض لجلطات دماغية أثرت على حركته وقدراته، إلى أن وافته المنية وأغمض عينيه على تراثٍ شعريٍّ غنيٍّ هو نسيج وحده فى الشعرية العربية على مر العصور. وكأنّني به في قصيدته «التراب المقدس» يرثي نفسه:
«وسِّدْ الآن رأسك
فوق التراب المقدّس
واركع طويلاً لدى حافة النهر
ثمّة من سكنت روحه شجر النيل
أو دخلت في الدُّجى الأبنوسيّ
أو خبّأت ذاتها في نقوش التضاريس
ثمّة من لامست شفتاه
القرابين قبلك
مملكة الزرقة الوثنية قبلك
عاصفة اللحظات البطيئة قبلك..»
شاعر الزنوجة:
منذ بواكيره الشعرية، انصرف إلى شعر التفعيلة الذي وافق ما في نفسه من ميل موسيقيّ متنوع يعكس شبوب عاطفته وخصوصية تجربته الذاتية التي تأثرت بطابعها الإثني والثقافي الزنجي الممتزج بدمائه العربية، وضمّت جوانبها التأملية إلى رؤيته الخاصة المجردة والصوفية إلى الأشياء من حوله، مُتخفّفاً في أسلوبه من صيغ الجزالة والفحولة التي ميّزت أجيالاً من حركة الشعر الحر، إلى حدٍّ يكسر قصيدته بتعابير ومسكوكات عادية وقريبة من جماليات الحياة اليومية المترعة برائحة الأرض والطين والبشر المهمّشين والمقموعين والمتمرّدين، وبالقدر ذاته رافعاً من نزوعه الدرامي البوليفوني الذي يتناول الإنسان في علاقته المتوترة بأبعاد الزمان والمكان والحدث والصراع.
وقد شكل رفقة معاصريه جيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن ومحيي الدين فارس وأحمد صالح إبراهيم، حركيّة شعرية جديدة في الشعر السوداني إبان الخمسينيات. كما كتب في المسرح: «أحزان أفريقيا. سولارا» 1970، «يوسف بن تاشفين» و»الشاعر واللعبة» 1997.
غير أنّ شهرة الشاعر اقترنت أساًساً بنزعته الزنجية التي غلبت على شعره، وطبعت جسد الشعر العربي في العصر الحديث برمّته. فقد بدا البعد الأفريقي في شعره مُبكّراً، إذ جعل من أفريقيا مسرحاً أوبراليّاً أساسيّاًّ في نصه الشعري، يتغنى بنضالات القارة ومقاومتها المستعمر الأبيض الذي نهب ثرواتها وبنى حضارتها على عذاباتها، وبكفاح الإنسان الأفريقي وصراعه المستميت ضد العبودية والاسترقاق، حتى أصبح صوتَ أفريقيا وشاعرها الأنصع.
وفي شهادته قال الناقد المغربي وأحد أهمّ داسي شعره بنعيسى بوحمالة،: «قُدّر للشعر العربي المعاصر أن يفقد اسماً آخر من أبرز أسمائه ألا وهو الشاعر السوداني محمد الفيتوري، الذي اختار الإقامة في المغرب منذ سنوات خلت. ولعلّ المصاب الجلل هذا ليرتجع بي توّاً إلى السنوات التي تعرّفت فيها على تجربته الشعرية المائزة في السياق الشعري العربي، موشوماً بشغفي بموسيقى السّود الأمريكييّن، كالبلوز والجاز والغوسبل.. وببعض قراءاتي في الأدب الأفرو-أمريكي، قلت المائزة، سيّان من حيث إبدالها الموضوعاتي الذي اجترح للشاغل الأفريقي موقعاً في الفعل الشعري العربي المنذور في غالبيته لرؤية تموزية ضاربة ومنصبّة على الواقع العربي، أو من حيث طبيعة المعجم والنّبرة والجمالية التخييلية التي أطّرت دواوينه التدشينية.. وهو ما سيخوّل له الانضواء، وعن استحقاق، للبّانتيون الشعري الزنوجي الذي ضمّ كبار الشعراء الإفارقة وشعراء الشّتات الذين مجّدوا أفريقيا إنساناً وتاريخاً وهوية وثقافة.. ومنحوها صوتاً في العالم، من أمثال السينغالي ليوبولد سيدار سنغور والمارتينيكي إيمي سيزير (مبتكر مفردة الزّنوجة) والغوياني ليون غونتراس داماس…»
وتابع صاحب كتاب «النزعة الزنجية في الشعر المعاصر: محمد الفيتوري نموذجاً)، قوله: «ومع أن تجربته الشعرية ستأخذ بعدها وجهة صوفية وقومية إلا أن النّواة الصلبة لمشروعه الشعري كانت، وستبقى، هي المرحلة الأفريقية التي سوف تنتفع الأصوات الشعرية التالية في السودان من تحقّقاتها الأدائيّة والتعبيرية.
ومثلما عرفته شاعراً وحاولت تسليط الضوء على منجزه النّوعي في الشعرية العربية من خلال كتابي النقدي حوله، فقد عرفته كذلك إنسانا دمثاً وودودا يا ما أسبغ على لقاءاتنا الجميلة في الرباط وفاس ومكناس والقاهرة من طيبته وألقه الشيء الكثير. بموته إذن يسقط نجم آخر من علياء الإبداع العربي. ولعلّ عزاءنا فيه هو ما خلّفه لنا من تراث شعري حافل وأخلاق إنسانية رفيعة».
كاتب مغربي
عبد اللطيف الوراري