يفارق الشعر الرواية، وهي أكثر ما تكون اعتمادا عليه، من حيث كونه لغة تعبير عليا، ومنظورا تخييليا، وتصويريا للعالم وأشيائه وعلائقه. إنه استشرافي، اختراقي، «تنبؤي»، بينما الرواية معالجة فنية، وقراءة جمالية تدخلية شخصية للتواريخ، والوقائع الماضية، والأحداث الجارية السائلة، أي أنها لغة توصيفية سردية دافقة فياضة وطافحة بالحكي والقص، والتشويق والتبديع، أو مقتصدة متقشفة لا تتخطى المرئي – في أغلب حالاتها ونواتجها – إلى اللامرئي، المخبوء، الغائر، الخفي، الهلامي.
ليس في الأمر مفاضلة، ولا تمييز، ولا غلبة لجنس تعبيري على جنس، ولا انتصار للشعر على حساب الرواية أو العكس، قدر ما هناك استقراء لواقع الكتابة وخصيصاتها، ونبضها، ومفارقاتها.
ولم يكن أرسطو بعيدا عن حدود التاريخ والشعر، إذا اعتبرنا أن الرواية ـ سواء أَقَصُر قذالها، أو طال جُذْمورُها، أو تَكَثَّر عُرْجونُها – تاريخ بمعنى ما، أو قراءة لأحداثه، وأحواله، وتبدلاته التي عيشت وتعاش، لم يكن بعيدا حين اعتبر التاريخ هو رواية ما كان، ما مَرَّ، فيما الشعر تعبير عما يمكن أن يكون، عن الممكن والمحتمل.
فهو يقول: «الشاعر إنما يحاكي ما يمكن أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال، لا ما هو كائن». وعلى رغم أن التعريف الأرسطي جرى تجاوزه الآن، وتجاوزه الشعر عينه في بنيانه، وتعقيد تراكيبه، وفتوحاته المدهشة، واجتراحاته، كما تجاوزه النقد العارف تاليا، في الغرب والشرق، والشمال والجنوب، لجهة دفعه إلى شُسوعٍ لا يُحَدُّ، ومجهولٍ لا يَني يغوص في مجاهيله، وأغواره البعيدة، فإن قولة أرسطو تظل سندا فلسفيا، وجذرا تأمليا للشعريات أيا كان منبتها وموطنها وجغرافيتها ولسانها ولغتها. يظل سندا قويما جماليا بما يرفع الشعر عاليا، ويبوئه الاعتبار الأسنى، والصفة الأبهى، والنعت متفاقم الحضور الإشراقي، النوراني، الشَّعْشَعانِي.
من هذا المنطلق، نقول إن الشعر عين أخرى، عين ثالثة، داخلية، حدسية، مستشرفة، ثاقبة، مخترقة، نازلة، صاعدة، ذاهبة، آيبة، مستغورة، ومتعالية في آن، ما يعنى أنه رؤيا أو أنه رؤياوي.
فالشعر المصري ـ مثلا – العميق الرائي، من خلال نماذج معدودة، ومتون جمالية محدودة، تنبأ بهزيمة العرب الكبرى العام 1967. ونفس الشيء فعله شعراء فلسطين الذين استشرفوا ضياع فلسطين قبل أن تضيع فلسطين: ولنا في شعر إبراهيم طوقان، وأبو سلمى، وعبد الرحيم محمود، وغيرهم ما يؤيد قولنا. كما لنا في شعر صلاح عبد الصبور، وشعر أمل دنقل، وشعر محمد عفيفي مطر، تمثيلا، ما يدل على استغوار، ورصد ثاقب مبكر للعوامل التي قادت إلى الهزيمة. وهي عوامل ذاتية وموضوعية بطبيعة الحال، لم تكن بادية بما يكفي، ومتمظهرة ساطعة تنذر بقرب وقوعها، ودنوّ قيامتها. لكن الشاعر، سارق النار، ذا العين اللاقطة، النازلة إلى أغوار الجحيم، أو الصاعدة إلى أبراج السماء، وأفلاك الكائن والمكنون، حَذَّرَ وأنذر من شر مستطير يَرِينُ في الأجواز، ويتلامح في الأفق، قادم كموت سارق دَقَّ شخصه يصول بلا كف، ويسعى بلا رجْلٍ على حد تعبير الشاعر الشاهق أبي الطيب المتنبي، غداً، وقبل أن تفيق الأمة من نومها، وتخرج من ذهولها.
هو ذا الشعر الحقيق الموصوف بالرؤيوي، الذي نزل إلى قاع ما يجري، وأبصر ما أبصرته زرقاء اليمامة من خطر المَحْق والسحق الذي لا يذر أخضر ولا يابسا، والذي يضرب سيادة الأمة وتاريخها في مقتل. شعر ذهب حارقا محترقا وملتاعا إلى عمق التحولات، إلى بواطن الانتظارات، والصواعق التي نزلت ـ بغتة – على العرب الذين كانوا سادرين في أحلام اليقظة، وأوهام التفوق، ومنومين بخطابات سياسية ضالعة في الأكاذيب حول التنمية، وبحبوحة العيش، وحول الشعب الذي لا يقهر، ومواعظ دينية بالية مغرقة في الغيبيات والماورائيات، بينما إسرائيل تعد للأمر عدته ـ أمر الوجود والحدود – فكان ما كان.
لقد أصبحت مقتنعا، وربما أكثر من أي وقت مضى، بأن الشعر، فضلا عن ارتكازه على الخيال كمقوم جمالي بانٍ، واستسعاف بالماء، والنسغ الحي، والتجربة، والتحكيك، على اللغة المتصلبة، هو رؤيا، أي هو موقف من العالم، وزاوية نظر حادة وعميقة إلى أشيائه وناسه، وما يمور فيه من أحداث، وكشوف، وابتداعات، وقيم، ومُثل، وانتكاسات، وما إلى ذلك.
موقف لغوي عالٍ، منيفٌ، يحيك باللغة تَبْصِرَةً وبصيرةً، تنوس بين الخيال والواقع، بين الحقيقة والمجاز، بين الحال الآسنة المأزومة، وبين المآل الذي يرومه الشعر الرؤيوي، ويبتغيه، وينشده: مآل الجمال الذي وحده ينقذ العالم فيما يقول الروائي الروسي الكبير دستويفسكي.
إن الرؤيا التي هي جماع مراس وتجربة حياتية وروحية ولغوية قصية معتبرة، واندماج الروحي بالزمني، بالعقل المتسامي الفعال، والحضور في جسد العالم، وثمرة كدّ فكري، وجهد معرفي، ومقروء فلسفي، وانخراط واع استقرائي للواقع الملموس والمحسوس، هي ما يمكن أن يدمغ الشعر العربي بالبعد الكوني، لا سَعْيا للعالمية المفترى عليها، ولا لهاثا خلف الذيوع والانتشار المجانِيَيْن، وكيفما اتفق، بل حدسا معرفيا، وانغراسا بالعيون جميعها، والأيادي كلها، والوجدان والروح والعقل، في الزمنية السائلة، والزمنية المرتقبة والمتوقعة.
فالشعر كما تشيد ويتشيد ـ الآن ـ على يد ثلة من الشعراء، وعبر نماذج فائقة الغنى اللغوي والفكري، والعذوبة التصويرية، يقارب ويعامل اللغة معاملة مخصوصة، ويغمس الخيال في بحر لجي مضطرب عامر بكل ما يخطر وما لا يخطر على البال. أيْ يغمس بصره وباصرته في أتون المعترك الإنساني والقلق الوجودي العاتي. فالرؤيا (الرؤى) التي ينطوي عليها كتاب الشعر الغربي والأمريكي، والآسيوي، والعربي في حدود، جاءت من علاقة الشعراء بالفلسفة، والفلاسفة بالشعر، حيث إن كوكبة مضيئة من الفلاسفة، انكبت على ذلك الكتاب المجازي قراءة، وتفكيكا، وتحليلا، وكشفا عن جوهره الوجودي المستكن النابض بالمتعالي، والميتافيزيقي، والبديل الحلمي، والروح الأبدي في نشيده الممراح ونياحته السوداء. فالشعر لا يزدهر ـ في ظننا – إلا بازدهار الفلسفة،
علما – وتلك مفارقة – أن الشعر العربي المعاصر سابق لعصره، مربوط بنبض الحداثة الرائجة عالميا، من دون أن تَسْتَتِبَّ في العالم العربي، وتعرفَ إرساء لآلياتها وروحها، لغلبة التقليدانية والماضوية على الذهنية العربية الإسلامية.
«وإذا كان الشعر فعل اللغة، فالفلسفة فعل الفكر». ومن ثمة، فلا مندوحة لهذا عن تلك، ولا لهذه عن ذلك. وبما أن الأمر كذلك، فإن العلاقة بين الشعر والفلسفة، وهي علاقة معرفية جمالية، هي ما صنع وأرسى مجد الشعرية الغربية السامقة. وفي مقدورنا الإشارة العجلى إلى هذه العلاقة الشامخة العميقة بين الشعراء والفلاسفة إسميا حتى يتضح المرام:
علاقة الفيلسوف مارتن هيدغر بالشاعر الهائل هولدرلين، والفيلسوف إيمانويل كانط بالشاعر شيللر. والفليسوفان هيغل وهوسرلْ بمَالاَرْمِيه. وليفي ستراوس ببودلير. كما نشير إلى صلة المعرفة الجمالية هذه بأهمية الفيلسوف باروخ سبينوزا لدى الشاعر غوتَهْ. وبرغسون لدى الشاعر ما تشادو. وشوبنهاور لدى بورخيس، وفوكو لدى أرتو، وسيلان لدى دريدا… الخ. إن هذه العلاقة النسقية المستندة إلى تراث فلسفي شعري وجمالي، هي ما أعلى ورفع من قيمة شعر هؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم.
تراث رفيع باذخ ومَهيب، اخترق الزمان والمكان، وعديد التلقيات عبر تواريخ ممتدة وآتية. وإذا كان حضور الشعر قد انحسر وانكمش ـ راهنا ـ من حيث المتابعة والرصد، والتلقي غربيا وعربيا، فهذا لا يضيره، وما ينبغي أن يضيره. ومتى كان الشعر البهي البديع الرؤيوي ذو العمق الفلسفي الأنطولوجي، منتشرا وجماهيريا؟
وربما أن تلك الروح التي تحدثنا عنها، روح الفلسفة والجمال، بما هي موقف من الموت، والوجود، والحب، والعالم، وارتماءٌ في الماوراء والميتافيزيقا، هي ما جعل شعراء كبارا شاهقين مثل طرفة بن العبد، وأبو تمام، وابن الرومي، والمتنبي، والمعري، يستمرون في إدهاشنا، وإبهارنا، وإشعارنا بضحالتنا، وقِصَرِ باعنا، ومحدودية آفاقنا.