يتسع السقف المعرفي في القرآن الكريم بقدر ما ندرك بأن هذا الكتاب هو صدور متعال من الذات الإلهية المتعالية المطلقة، وصِفة الإطلاق هي ما يمنح هذا السقف لا محدودية المعنى واتساع الأفق الموضوعي، وذلك بدعوته للتأويل والتأمل والتدبر في الآيات.
أما الشعر فهو نطاق الذات التي تشتغل على تفعيل وجوديتها من خلال التفاعل مع الحياة والواقع والإنسان، وتجليهم المتدفق في عمق الذات الشاعرة، وهذا العود إلى الذات هو ما يجعل المنطق الشعري يقع على حافة الغموض والاختلاف، لأنه يخترق كل المتعارف عليه في التزام الذات بما يقع في المحسوس، ولهذا يكون رأي الجاحظ في كتابه «الحيوان» مؤسسا، حين يرى أن: «الشعر صياغة وضرب من التصوير»، والتصوير من الصورة والتصور وهما مادتا الخيال، وهو ما يفيد بأن الشعر يختلف تماما عن المواجهة الواقعية في الحياة، ما يجعله مطلبا لعناصر تأخذ شكل الغرابة بمفارقتها الواقع والمستهلك.
يتكلم الشاعر بالقصيدة لحظة تيه لا تتحدد فيها الجهات إلا بالقدر الذي يمكن الشاعر من اقتناص فرصة للخروج من التحديد إلى اللاتحديد، أي إلى بناء أفق يختلف في طبيعته عن المعيارية التي تحكم الحركة في الواقع، والجنوح بما هو واقعي إلى ما هو وجودي، يتمعلم بالحياة في سقفها المفتوح على الإنساني، بما هو كينونة، ترسم حركتها في عفوية اللقاء الأول بالأشياء وانطباع العالم بتنوعه واختلافه وحقيقة مفرداته الدالة على الغواية والهيام والقول المفارق للفعل، كمدارات جوهرية للمقول الشعري في تأسيساته اللغوية والابتكارية التي تمنح الصورة التعبيرية شعريتها وتخرجها من نمطية الخطاب اليومي الذي تمنعه الصرامة المنطقية من الاغتناء بشحنة اللحظة المفارقة للأنا المجتمعية.
يزخر الأفق القرآني بموضوعات ليست بالضرورة تقع ضمن ما يجيزه القرآن، أو يرفضه، لكنها تقع في فضاء ما يدرجه كعملية استنبات لحوار يعرض طروحات المختلف أو المعارض والمناوئ لتوسيع دائرة مناقشة وتشريح المعطيات، من خلال الارتكازات الثقافية التي تتناول مثل تلك الموضوعات، فالقرآن يحتوي على «سورة مريم» (ع) ولم يتطرق إلى سورة مثلها لأم المؤمنين عائشة (رض)، لأن القضية المحورية بالنسبة للأفق القرآني ليست في فرض كينونته ككتاب مهيمن، إنه يتيح لهذه الهيمنة أن تنبثق من أفق الآخر من خلال النظر الموضوعي المتوازن والعقلاني، وهو بذلك يهدف إلى ترميم فجوات الوعي من خلال الدفع بالحق، عبر المساهمة القرآنية في الإشارة إلى ما تكرس في الوعي من موضوعات، كالأسطورة والشعر وتفعيل النظر إليهما على أساس أن طبيعتهما مفارقة للحقيقة القرآنية الغيبية، ومن ذلك رد القرآن الكريم لشبهة أسطوريته، كما رد شبهة وصف الرسول (ص) بالشاعر أو المجنون.
لقد أثبت القرآن الكريم من خلال إفراد «الشعراء» بسورة، إلى أهمية الشعر بالنسبة للكينونة العربية التي جاء القرآن بلسانها، فالشعر كان على مائدة يومياتها، وكان يعلق أجوده على جدران الكعبة، وكانت تقام له المحافل كعكاظ والمربد، ووجد العرب أمة شاعرة، فمن واقعية القرآن وإعجازه أنه لم يغفل السياق الذي ينطرح فيه منزلا من عند الله، لأن التحدي سوف يكون حاسما عند حواف اللسان العربي المزهو بالقصيدة والقافية وموسيقى الشعر، ولأن القرآن كتاب معجز بحق، نظر إلى الموضوع الشعري ليس ككينونة مكتملة في شكل القصيدة، ولكن حفر عميقا في جذور انبثاقها كوجدان ناطق حايث المسار التاريخي للعربي وأسس لوجوديته، فجاءت العناصر التي ذكرها القرآن الكريم في وصف الشعراء كاشفة لمصدرية التفجر الشعري المبهر، الذي وسم الذائقة العربية، فكانت الغواية والهيام والقول المفارق للفعل في جانب قوي منها تعبيرا عن ما يميز الشاعر عن غيره من الكيانات الناطقة والوجودية، لأنه لو انعدمت هذه العناصر لصار الكلام موافقا تماما لخطاب اليومي، ولما اختزن الدهشة والصدمة عند تلقيه، فتلك العناصر وإن أسست لسقف مميز للشعر الذي يجب أن يتجاوزه وجدان «الإيمان»، فهي تبقى جوهر العملية الانبعاثية للشعر، وعن طريق إثبات القرآن لهذا السقف، يؤكد الإحالة إلى طبيعته المفارقة لما تداول من مقول وُسم بالشعر، فالأفق القرآني غيبيُ الطبيعة إلهيُ المصدر موْسومٌ بالوحي، وهو خارج سقف الغواية والهيام والقول المفارق للفعل، ويدرك هذا من خلال التداول الموضوعي لمفهوم الشعر ومعناه في سريان الدفق القرآني الفريد في حوار المعاني والعقول والأشياء.
فلم تكن الآيات من سورة الشعراء: «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (224 إلى 227)، ذما للشعر على إطلاقه، لأن ابن عباس يرى أن الشعراء الواردين في الآية هم المشركون، ولا ازدراء له، بقدر ما كانت تبين العناصر التي يكون فيها الشعر شعرا، مختلفا بذلك عن الكلام العادي، إضافة إلى توضيح السقف القرآني لتداول الشعر، وهو ما يفهم في استثناء «الذين آمنوا»، وهو ما لا يفيد بأن الإيمان يتنافى مع تلقي أو قول الشعر، فلقد روى مسلم من حديث بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله (ص) يوما فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء قلت: نعم. قال هيه فأنشدته بيتا. فقال هيه فأنشدته بيتا. فقال هيه حتى أنشدته مئة بيت. وشعر أمية كان ذا حكمة، حتى قال النبي كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، وهذا هو المبدأ الذي تترتب عليه التسمية الشعرية داخل بوتقة المؤمنين، حيث إيمان المؤمن لا يمنعه من الإبداع، بل يكون حاجبا بينه وبين التدني دون إنسانية الإنسان، في الغواية الهابطة والهيام المنحط والقول المناقض للفعل أو الكذب الضار بالآخر، وما يؤكد هذه الرؤية هو استحباب الرسول عليه السلام لبعض من شعر العرب كأمية بن أبي الصلت ولبيد بن ربيعة، الذي قال في قوله: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، أصدق كلمة أو أشعر كلمة قالتها العرب، وشاعره حسان بن ثابت الذي لقب بشاعر الرسول وكعب بن زهير الذي أنشد الرسول (ص) بانت سعاد، والرسول يسمع ولا ينكر، كما جاء في الروايات.
٭ كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي