الشعر في مفترق القراءات

الانتقال بزمن الشعر من حيز قراءته الذاتية والخاصة، إلى زمن إشراك الآخر متعة ما أفضت إليه هذه القراءة، هو المبادرة التي لا تخلو من مخاطرها المتعددة الأبعاد، والتي يحدث أن يتورط فيها المعنِيُّ بالقراءة، كلما ألزمته ضرورة ما، داخلية أو خارجية، بواجب توصيل تفاصيل تلك الحالة/الأحوال، التي قد يكون أصابها منها مسٌّ جمالي أو فكري، وهو يخوض مغامرة توحده الشامل بمكابدات القصيدة، بما يخترقها من أنواء، وما يعتلج فيها من أهوال لا مناص للسالك من معايشتها.
إن هذا الانتقال، هو في حد ذاته خروج من متعة وحرية التلقي، اللتين كانتا مؤطرتين بسرِّية الحميمي والذاتي، من أجل العبور إلى فضاء مشترك، مؤطر بمسؤوليةِ واجبٍ، يقتضي منك إعادة تدبير ما قرأت، عبر مكتوبٍ مسنَّنٍ، تتراجع فيه نسبيا، أو كليا، متعة كل قراءة مغلقة على ذاتيتها، كما تتراجع معها، حرية كل تأويل، غير مقيد بخريطة طريق، يعتمدها الغير في اقتفائه لأثر ما من آثار القول أو الدلالة. وهو التراجع الذي يؤدي حتما، إلى إفساح المجال لخطاب تواصلي، ملزم بالخضوع لشروط محددة، ومقننة بخاصيتها البرهانية، التي لم يكن لها وجود قبلي، لحظة التلقي الذاتي، الشخصي والحميمي، المنزهين عن إكراهات الآخر، الذي يترقب إطلالتك في الضفة المقابلة، وقد أمسى مهووسا ببؤس التلذذ حتى الثمالة، بكأس الإقناع.
إنه واقع الأمر، الذي يكرس ذلك الاختلاف الجذري، القائم بين حصيلة القراءة الموجهة إلى الآخر، وبين تلك التي تحتفي فيها الذات القارئة، بمقامات أسفارها، بعيدا عن فضول من لا قِبل له بالسير بمفرده في دكنة الرموز، وغابة العلامات. وإذا كانت كل من القراءتين، تسهمان في إعادة إنتاج المقروء، إلا أنها في الحالة الأولى، تنتجه وقد تحررتْ من سلطة أي إكراه، تقييمي أو نقدي، ممنهج أو عشوائي، يمكن أن تطارَد به من قِبل الآخر. بينما تكون في الحالة الثانية، مقيدة بتعاقدات المشترك، الذي يتميز فيه الحد النظري بحضوره الملموس، ضمن تكامله مع الرؤية الأكاديمية، والمؤثرة حتما، في تعميم تواصل، يتماهى مع انتظارات أغلب الأطراف المهتمة، بصرف النظر عن المستوى الذي يمكن أن تستوفيه هذه الحالة الثانية، من حيث وفاؤها، أو عدم وفائها إلى خصوصية المادة المقروءة، في سياق القدرة على سبر أغوارها العميقة، واستكناه أسرارها البعيدة. علما بأن القراءة ذاتها، تكون مخترقة، أو معرضة للاختراق، من قبل هذا الآخر، الذي يمكن أن يكون متشابها حتى في تعدده، بما يعنيه هذا الاختراق، من احتمال قبوله للقراءة أو رفضها. علما بأن هذا الاختراق المحتمل، المتوقع والمنتظر، يتدخل بشكل أو بآخر، في تكييف القراءة، كي تنسجم مع قوانينه، باعتبارها قوانين، تعود أولا وأخيرا، إلى صلب طبيعة اختراقية، موجهة بمنطقها الخاص بها، والمتمثل في توسيع وتحيين، وكذا عقلنة ما تم تمثله، في أفق إخراجه من حيزه الانطباعي ذي النكهة الحميمية والهلامية أيضا، أي في أفق صياغته على ضوء القوانين المعتمدة عادة، في تحقيق فعل التواصل القرائي. ومن المؤكد أن أحدا لن يجادل في كون عملية التوسيع/التحيين/العقلنة، قد تؤدي إلى إغناء التلقي، الذي سبق أن كان في مرحلته الأولى، ذا طبيعة ذاتية صرفة، وشأنا جد شخصي. كما قد يؤدي إلى تغييره جملة وتفصيلا، باعتبار أن المنهجية التي يمكن أن تُعتمَد في إخراج المقروء، من الفضاء الذاتي إلى فضاء الآخر، قد تنتهي إلى إنتاج وتحصيل بنيات، لم يكن لها من قبل أي حضور في القراءة الشخصية/الذاتية، كما قد تؤثر في تهميش، أو بالأحرى، في محو مكونات أساسية ومركزية من مكوناتها.
أيضا، إن عملية هذا التوسيع/التحيين/العقلنة، قد تساهم في، تبسيط ما حصلته القراءة الأولى. تبسيطٌ، يبلغ في كثير من الأحيان، مستوى تقزيم الدلالة النصية وتحريفها، بفعل عجزه عن الوفاء بكل ما تم الوعي به، قبل أن يتبلور في صيغة خطاب، معدٍّ للتداول العام، إلى جانب التأثير السلبي لعملية التكييف المضمرة في آلية الانتقال بالقراءة من فضاء الذات، إلى فضاء الآخر. إلا أننا ومع ذلك، سوف نتفق مؤقتا، بأن منطق التبسيط هنا، ذو طبيعة ذرائعية، ومقصودة في ذاتها، حيث تكون القراءة ملزمة بحجب، واستبعاد الكثير من العناصر، التي قد تتحول إلى سبب مباشر، في إحداث سوء تفاهم دلالي وجمالي، يؤثر لا محالة سلبا على تحقيق عملية التواصل، هذا إن لم يؤدِّ إلى إفسادها جملة وتفصيلا.
ضمن هذا الإشكال الكبير، تظل القراءة حائرة بين اختيارين. الوفاء إلى نداءات النص العميقة، على حساب التغاضي عن حضور الآخر، أو الانحياز إلى مبادرة دمج الآخر في تمثل منطوق النص، على حساب تجاهل ما يتوجه به إليه من نداءات. هذا البين بين، هو مصدر المخاطرة التي قد يكون النص ضحية لها، أو التي تكون فيها الذات القارئة، عرضة لسهام الآخر، في حالة عجزها أو رفضها، للامتثال إلى مطالبته بحق الوجود في قلب الفضاء النصي. يتعلق الأمر إذن، بالحسم في اختيار رهان ما. رهان أن تكون منتصرا لقراءتك الشخصية، أو منتصرا لجدوى تلك العلاقة الملتبسة، التي يمكن أن تجمعك بالآخر في فضاء التلقي النصي. وهو على العموم، رهان شئنا أم أبينا، لا يخلو من خسائره المحتملة، التي قد تنعكس عليك أنت، على النص، أو على الآخر.
إن طرح إشكالِ الرهانِ، هو طرح ضمني لإشكالِ الجدوى، بمعنى، إنه التساؤل عن حدود الاستجابة إلى سلطة تلك الدلالات الجذرية، المحتجبة في تضاعيف نص، يؤْثِر كل من الجمع المتعدد والمختلف، على حصر آلية توصيفه وتكليمه، ضمن حدود التجلي الممكن لهذه الدلالات، تلافيا للتورط في أي تيه تأويلي، لن يكون أبدا في صالح التواطؤ المشترك الذي دأبت على تكريسه أغلب الخطابات النقدية، تأكيدا منها على ديمومة سلطتها، وديمومة فاعليتها الإجرائية. علما بأن الإمعان في إثارة سؤال الدلالات الجذرية، الذي تغتبط الذات بمداومة تفجيره، قد يؤدي بشكل أو بآخر، إلى تفجير دوامات العبث، والعدم واللاجدوى. وهي الدوامات التي يمكن أن تتسرب إلى مسكن الكتابة بعامة، وليس فقط إلى مسكن التلقي، مؤدية بذلك إلى ردم بنيانه، باعتبار أن مبدأ الجدوى يقترن عادة، بتوافر شرط التفاعل المتبادل، الذي لا يتحقق إلا عبر حضور الآخر، كذات تستمد مشروعيتها من كونها هي أيضا، الامتداد الطبيعي والتلقائي لغيرها من الذوات، والمؤثرة بشكل أو بآخر، في عقلنة فعل وجودها داخل فضاءاتها الخاصة والعامة. علما بأن التفاعل، حينما ينحو منحى سالبا، لا يلبث أن يتحول إلى آلية تغريبية، وتهميشية، تفضي إلى حشر هذه الذات في قلب العدم، الذي هو قلب اللاجدوى بامتياز. في حين يتمحور دور الكتابة أساسا، حول الحد من بؤس اللاجدوى ومأساويته، أي الحد من عدوانية التغييب، التي تتفنن في ممارسته آليات القتل والإقصاء، بتقنياتها المتعددة والمتجددة. واستحضار الكتابة هنا، ليس فقط باعتبارها تعويضا، أو بديلا تنفيسيا، ولكن باعتبارها، شكلا مضادا من أشكال الحضور، الذي يسهم في تصحيح المشهد، وفي تصحيح الأسس، الغايات والمسالك المفضية إليها، وهو التصحيح ذاته، الذي يضع حدا لعنف آليات التنميط، كما يضع حدا لعنف تكريس الوقائع والحقائق، وكذا المسلمات الفاعلة في تنشيط مقومات وشروط هيمنة وانتشار اللاجدوى.
ذلك هو السر في استحضار الكتابة لمدوناتها المتعددة والمختلفة، لحظة الإعلان عن مشروع تمظهرها. سرٌّ، لا يمكن اختزاله في طبيعتها الاستثنائية، وفي تفرد موضوعاتها، أو فقط، في ما تثيره من قضايا فكرية، ولكن استنادا إلى خصوصيتها، التي تتمثل أساسا في قوتها الإشكالية، أي في حضورها بأسئلتها المركزية، الوجودية والجمالية، المتجذرة في اهتمامات الكائن. إن قوتها الإشكالية التي تعنينا تحديدا في هذا السياق، تتمثل في كونها تستند إلى اختيارات جوهرية، مصيرية ووجودية. وهي الاختيارات ذاتها، التي تتشكل بها الهوية الفكرية والجمالية، للذات الكاتبة، التي تكتسب بفضلها خصوصيتها وفاعليتها وحيويتها وعنفها أيضا، بعيدا عن أي مساومة أخلاقية معتدة بتعاليها، أي أنها وعلى أساس هذا التصور، ليست مجرد حالة مقترنة باختيارات براغماتية عابرة، يمكن حصرها في لحظة استنساخ نص شعري عابر، قد تنتهي حكايته، فور الانتهاء من إنجاز متعة الاستنساخ، بقدر ما هي صيغة حياة، وصيغة وجود، ضد كل أشكال التغريب والإقصاء، التي يعاني الكائن من إحباطاتها.
إن هذه الأسئلة، وغيرها كثير، هي التي سيكون على القراءة الأخرى استحضارها، كلما فكرت في تجريب مغامرة، ومتعة القراءة النصية، بصرف النظر عن هويتها، التي يمكن أن تكون منغلقة على ذاتها، أو منفتحة على الآخر. ومن المؤكد أن هذا الاستحضار، هو الذي يمكن أن ينأى بالكتابة الشعرية، عن مجرد كونها منظومة عقدية، أو شعارا، موظفا في عملية شحن عاطفي وانفعالي، يستبد بطيبوبة المتلقي الساذج.

شاعر وكاتب من المغرب

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية