يعتكف الشاعر على تحبير نصوصه، كما لو أنه بصدد معايشة تجربة استثنائية، شبيهة بتجربة كتابة وصيته الأخيرة للكون، ولِما يحُفُّ بأضوائها وظلالها من قراءات.
إن هذا التصور، الذي يحدث أن تقتنع به الكتابة فتتبناه، يضاعف من شره إحاطتها بتفاصيل الشيء، كما يضاعف من هوس إقبالها على الواضح والغامض فيه، وعلى ما يتتالى على رُكْحِه من مشاهد الغبطة والألم، حيث كل شيء ينبغي أن يقال الآن، وليس غدا. بكل هذه الملحاحية، وكل هذه الضرورة الحتمية والقصوى، يتأكد وجوب إحكام القول، وإيفائه أكبر نسبة من الاهتمام، ومن جميل الرعاية. بمعنى تحري بلوغ أكبر درجة ممكنة من الكمال الذي لن يكتمل أبدا.
إنه نوع من التمرن الدائم على ركوب الخطر. خطر البداية المهددة بنهاية محتملة، فالشاعر لا يتهيب من الواقعي كمرجعية شعرية، لا يعاني من فوبيا المعيش، لا يتنكر له خوفا من أن يُفسد عليه أجواء طقس الكتابة، بل ثمة إذن، ذلك العناد في الذهاب إليه، من أجل إعادة تأويله، هدمه وإعادة بنائه، صهره، تكييفه، فكريا وجماليا، كي يتحول إلى فضاء جدير بالإقامة. إن نظريات الأدب في مقارباتها الجافة لهذا المعيش، أفسدت علاقة الكتابة به، كما أفقدتها الثقة في جدواه، لقد أمسى رمزا «للبؤس والتسطيح»، ومادة جاهزة يستغيث بها ضعاف القرائح والمخيلة، وأيضا، المفتقرون إلى اللغة المنزاحة عن كل ما له علاقة عن قرب أو بعد، بالواقع المعيش، في تكديسهم لأوهام ما يعتقدونه كتابة. وهو ما أدى إلى تصعيد حالة تهميشه، والحد من سلطته، من قبل النصوص الحداثية، والبحث عن بدائل أكثر فاعلية، وأكثر إقناعا للكتابة والقراءة. علما بأن الواقع في جوهره، يمتلك إغراءه الخاص، الذي يتعذر على أي كتابة حقيقية، تجاوزه بالإنكار أو التغريب، باعتبار تغريبه، محوا معلنا للذات، وإنكارا تاما لحضورها الذي تكون له تداعياته الفكرية والجمالية، خاصة أن الأمر لا يتعلق بالتفسير الإيجابي أو السلبي للواقع، بقدر ما يتعلق بالرؤية الشعرية التي تمتلكها الكتابة تجاهه، أي مدى استعدادها لقراءته، خارج التوظيف البراغماتي، المقيد بالآني والظرفي. والملاحظ أن هذا الجانب، يتم توظيفه بصيغة مضادة، من قبل الرؤية الشعرية، حينما تعتمده كأرضية لإنتاج واقع مختلف، والذي لا يكون بالضرورة عديم الصلة بالواقع الأصل، لأنه يظل في نهاية المطاف، الواقع ذاته الذي تخضعه الكتابة لتحويل كبير، في أفق تحفيزنا، كي نمارس لعبة الكشف عن أسرار جمالياته وخباياها، وأيضا في أفق تملكنا لإواليات تفكيك حماقاته المدمرة، الثاوية في ثنيات التفاصيل اللامرئية، وداخل عتمات السراديب الحتمية، التي يُعَتَّقُ أو يُكَدَّر فيها ماء الحياة.
إن الشعر من هذا المنظور، وبموازاة تنسيله المستمر لأزمنته اللانهائية، في قلب ما يُتعارف عليه بالزمن الواقعي، قادر على إعادة إحيائنا، وإعادة تكويننا بأكثر من صيغة، وبأكثر من شكل، لأنه يمد الكتابة بحواسها المضاعفة، القابلة لفتح حوارات مغايرة، مع مكونات الواقع وعناصره، بما يتيح لها إمكانية نسج كينونة، لم تكن أبدا واردة في ذهن المعيش والمرئي، من دون أن تعني بالضرورة خلقها لفردوس استيهامي، وردي، ومأهول بأطيافه الخادعة، باعتبار أن كل إيهام شعري ذي طبيعة تخديرية مائعة، ومطلوبة في ذاتها، يندرج حتما في خانة ذلك التلقي الموسوم سلفا، بتواطئه المكشوف مع القبح.في حين إن الشعرية المغايرة، وطبعا في حدها الأعلى، تتكفل بإضافة عبق جديدة للوردة، شعاع آخر للشمس الغاربة، وألفة غنائية في قلب الدغل، ثم إن شئت، فاعلية إخراجك من قلب اليم، أو إغراقك المطلق فيه. تلك هي العلاقات المختلفة، التي تتفضل الكتابة الشعرية بإهدائها لنا، وهي الكتابة الخبيرة بتأسيس هذه العلاقات، وقد اتخذت من الواقع المعيش/اليومي ملاذها، من دون أن تتخوف من محاصرتها بما يتخلله من سوقية وابتذال، بناء على خلفية تملكها لسلطة الرؤية، وسلطة الإنصات، وهو أمر لا يتحقق إلا على أرضية الإحاطة بدلالات نصوص هذا المعيش، والتمرس بعنفه، بما يتيح للكتابة فرص اندماجها الفعلي، في شعرية التخوم، التي تتماهى جماليا، مع تجربة التملك العميق للحياة.
إننا إذا بالَغْنا – ومن منطلق رفضنا التام للواقع المعيش- في إضفاء الطابع اليوتوبي على الآخر المحلوم به، باعتباره إبدالا مفقودا، فإننا بهذا المعنى، سنكون قد تموضعنا في إطار البحث عن استحالة لا شعرية، تفقد معها الكتابة دورها الاستثنائي في الرؤية والرؤيا، كي تتحول بالتالي إلى إكسير، لا يلبث أن يتبخر مفعوله، من دون أن يترك في الجسد وفي الروح، أي أثر مركزي أو هامشي، يمكن أن يُعوَّلَ عليه في الإيحاء الضمني، بحضور مجموع تلك المؤشرات المؤثرة في إفساد المعيش، أو تجميله. إن الإجلاء التام للواقع عن أرض الكتابة، هو سعْيٌ أعمى وراء ظل جنَّةٍ، لا يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلا للجحيم.
أيضا الانصراف عن الواقع، عبر محاولة تجاهله، سيؤدي إلى تصعيد حالة الإحساس بتواطؤاته الهجينة. في حين، وعلى سبيل رؤية تأويلية شاملة، يمكن القول، بأن ما من شيء، إلا وهو موجود سلفا في هذا الواقع، حيث أنت مطالب دائما بتفقد مكامنه، لأن كل من، وما، يمكن أن يخطئ وجوده بفضاءاته، سيجد مستقره سلفا في منازل الذات، وفي مسالكها، باعتبار أنها تجسد إحدى بنياته الأساسية والجوهرية ـ فضلا عن كونها الملاذ الذي تحتمي به الأشياء التي يضيق الواقع باحتوائها، والتي تجد في الذات متسعا تطمئن إليه، وتتلذذ بالإقامة فيه. إن الذات هنا، تتحول إلى ملاذ للأشياء الهاربة من عنف الواقع ومن جبروته، أي تلك التي يمارس عليها حجره واضطهاده، فتكون عرضة للتهديد، للانسحاق والمحو، حيث ما من مجير عدا ملاذ الذات. ذلك أن أشياء العالم، وحفاظا منها على بقائها واستمراريتها، تجد في مغارة الذات، سكنا آمنا لها، حيث تتحقق إمكانية تعهدها بالرعاية، وإنصات إلى أسئلة مكابداتها وتباريحها. في هذه الحالة تحديدا، تتحول الذات، إلى ذلك الأفق المؤجل، الذي يحلم الواقع ببلوغه، بمعنى أنها تتحول إلى مستقبل يمارس فيه الجسد والكتابة معا فعل حضورهما. إنها مستقبلهما المحتمل، باعتبارها النموذج المصغر لذلك الأفق النموذجي، المهيأ ولو مؤقتا للاستجابة إلى الأسئلة العالية، التي لا قبل للواقع بها.
لكن، وفي الوقت نفسه، ثمة الكثير من القضايا التي لا تطمئن إلى وجودها داخل الذات، فتبادر بمغادرتها إلى فيء الواقع، بحثا عن ملاذها فيه، حيث تمارس احتجاباتها في تضاعيفه، وفي عتماته، كلما استشعرت استهدافها بسهام ما، داخل الذات، كي تعيش فيه التباسها وغموضها، وتنكرها الفكري والثقافي والإبداعي، في انتظار اللحظة المناسبة لاستعادة قوة انبثاقها من داخل الذات، التي يُعتبر حضورها ضروريا، من أجل تلقي السؤال وإعادة بثه، من دون أن نكون معنيين، بتحديد موقع هذا الحضور. ذلك أن الحديث عن حضور الواقع بمعزل عن حضور الذات، هو حديثٌ مجردٌ، عن وعاء فارغ تماما من الهواء، ومن أي حمولة دلالية، لذلك فإن الحديث عن الذات، بما هي طاقة تخييلية، وإبداعية وتأملية، هو حديث عن التجسيد الفعلي، المادي والرمزي للدلالة الفعلية التي يتقمصها، ويتمظهر الواقع من خلالها. فلا يمكن ممارسة فضيلة الوهب والعطاء، باعتبارهما كتابة، إلا بموازاة تحقق حظوة الامتلاء الذاتي، الناتج عن ذلك الانفتاح الكبير، على المعيش. انفتاح تفاعلي وتواصلي دائم، يقظ وعميق، به ومن أجله يحيا الكائن، وتحيا الكتابة.
من هنا، سيكون على الغناء أن يستمر، وعلى الإيقاعات أن تدوم، كما سيكون على الكائن أن يظل محفوفا، بتلك الأصوات المقبلة من جهة ما، أي من وراء الدالية، من قلب النهر، ومن قلب الغابة، ومن عيدان الحطب التي تشتعل في ليالي القر.
إن العناصر كلها، ومهما استرسلت في إطلاق أصواتها بالغناء، بالشدو، فإنها تظل عاجزة عن إشباع حاجات الكائن في الإنصات إلى تلك الأصوات، التي تجدد علاقته بأشياء الكون. إنها تظل بحاجة دائمة إلى تلك اللغة التي تنجز نسبيا، ما تعجز عنه اللغات. إن الصراخ، القهقهة، والنحيب، تظل دائما في حاجة ماسة إلى مصاحبة إيقاعية. حفيف الأشجار ودمدمة الرعد أيضا، كلها تعيد توزيع إيقاعاتها، رفقة تلك الأصوات المتلونة، والمحتجبة تحت قشرة المسموع، والتي تحتاج إلى جهد إبداعي بشري، كي تعلن عن حضورها.
نحن لا نُلمِّح هنا بالضرورة إلى السماع اللغوي، أو الموسيقى، كما لا نشير ضمنيا إلى أوزان إيقاعية محددة، خارجة عن إيقاعات الكائن، لأننا معنيون أساسا، بذلك الاهتزاز الذي يحدث في الدواخل، على إثر تدفق أصواتٍ ما، غير الأصوات، إلى قلب الجسد. جسد الكينونة طبعا، حيث الواقع يتهيأ كالعادة لدفنك، أو لإعادة إنجابك من قلب الذات.
٭ شاعر وكاتب من المغرب