أستوقفني جارنا في الحي الذي يضمنا معاً وهو يقول لي: يا أخي أنا شربت المقلب، سألته؟ فشرح (أستوقفت صاحب العربة التي تنقل المواطنين للإدلاء بأصوتهم في مركز الإقتراع القريب من هنا، فإذا بي أجد نفسي وحيداً بين مجموعة من النساء والأطفال حتى كدت أن أترجل وأواصل المشوار راجلا، لكنني تحملت همهمات النساء ونظراتهن المملؤة بالتساؤلات، حتى أدركت المركز وخرجت بسلااااام). لدى الانتخابات وسائل شعبية لافتة (من الكرتون) وضعها بعض المواطنين السودانيين عند مداخل منازلهم كتبت (بخط اليد) بلطافة وبساطة شديدين (عفواً أيها المرشح… ساكني هذا المنزل مقاطعون، فلا تطرق الباب منعاً للإحراج)، بينما تطلق مكبرات الصو ت موسيقى صاخبة من (عربات الكارو) التي يقودها صبية يافعون بحى «كرور» الشعبي غربي أم درمان، ورغم الضجيج يمكنك إلتقاط بعض كلمات الأغنيات كتلك المغنية التي تصيح أبوي .. أبوي يا الجيلاني أنت مسلم .. وأنا نصراني. كان توقيت ذلك بالضبط أول أيام الإقتراع، اليوم الذي أسماه الناس هنا نسبة لنيلهم يوم إجازة عن العمل (يوم الراحة والترطيبة).
حشد الفنانين الشباب
من الجانب الآخر رأى الناس أسماء لفنانين شباب يساندون حملة المؤتمر الوطني، ويدعون الناس للإنخراط في العملية وشوهد العديد منهم في ظهور الرئيس البشير في حملاته في المدن السودانية المختلفة، تنطلق أغنياتهم مع نهاية خطاب البشير، والذي ينخرط في حالة من الرقص مع الحاضرين، ويهيص «المكان في الأحفاد… حين تجمّع الأحفاد» والأحفاد هي الجامعة الشهيرة للبنات في أم درمان، وهناك تجمعت أعداد غير قليلة قبيل الانتخابات بأيام وإحتفاء بالذكرى الأولى لرحيل الشاعر الذي تسبق شهرته إسمه كشاعر للشعب وهو محجوب شريف، الأشعار تسيطر على المكان، والأغاني تتسرب في ذلك المساء.
وصوت محجوب شريف يطل من كل مكان ينشد أشعار الحرية. وكان الأمل أن يلتقي الناس مرة أخرى قبيل انطلاقة الانتخابات بساعات لأحياء مهرجان للأطفال إلا ان السلطات الحكومية منعتهم وكانما هي تحاكي الشاعر الراحل الذي ظل يعارضها منذ نصف قرن حتى آخر نفس له وهو المعروف بإ
نتمائه للحزب الشيوعي السوداني.
ارحل: شعار وشعر
الشعار الذي رفعته المعارضة السودانية في وجه السلطة الحاكمة في الخرطوم وجد طريقه هو الآخر إلى الترجمة الشعرية الشعبية، فكتب الشاعر أزهري محمد
علي :
كفاك أرحل دي خمسة
ولا بتسوي زلط
رقصت على الخماسي سنين
أمانة عليك كم في الخط
خطاوي على الوجع عديتا
في السكة البديتا غلط
شعائر اقمتها وصليتا
لا نزلت عليك خيرات
ولا اخضرت مشاعرك قط
الجنرال .. الشاعر
إذا كان أزهري قد دعا البشير للرحيل كلسان حال المعارضة، فإن اللواء حسن كركب كان له رأيا آخر فكتب قصيدته (شكراً ليك ياريس ً ياريس والله داخرنك شان تسندنا بعونك).
هل حضر الجمهور؟
حين شاهد الطفل أحد الممثلين المعروفين وهو يحث الجمهور للذهاب لصناديق الإقتراع صاح في وجه أبيه: يابا يابا إنت دا مش الممثل بتاع المسرحية دييك؟ فأجاب الأب نعم، وحاول الإنشغال عنه، لكن الطفل عاود السؤال مرة أخرى: هل مسرحيتو ديك إنتهت خلاص؟ ليعود الأب قائلاً: يابني الراجل دا مهمته التمثييييل.. فاهم؟ فصمت الغرير، ولا أدري هل وجد الإجابة أم لا؟ لكن لم ينتظر الطفل كثيراً حتى أخذه أحد مندوبي المرشحين مع أطفال الحي الآخرين ليقوموا بالتصويت في نقطة الإقتراع القريبة مع توفير وجبة الإفطار وبعض المصاريف.
الهلال والمريخ: هل إتفقا؟
لافتتان معلقتان على سور عالي في ميدان جاكسون الشهير بالخرطوم، إحداهما زرقاء، والثانية حمراء، تمثلان فريقي القمة الكروية السودانية الهلال والمريخ، كلاهما تضم لاعبي الفريقين، وتشي اللافتتان على أنهما تؤيدان ترشيح البشير، بينما تكتب صحافة الخرطوم يومياً وتعزز حالة الخلافات الحادة والعميقة بين الناديين.
أما النكتة والفكاهة فقد كانت حاضرة وبقوة قبيل وأثناء الانتخابات وان كان أغلبها يدعم صوت المقاطعة الذي أعلنته المعارضة مشككة في نزاهة الانتخابات. وتقول النكتة المتداولة في الوسائط الالكترونية «في مركز الإقتراع يقبض الرجل المعلوم ثم يطلب منه التصويت للشجرة الرمز الإنتخابي للمؤتمر الوطني..الرجل يخطئ في التصويت..يسأله ضابط المركز.. أها صوت للشجرة؟ فيقول أخطأت الرمز.. فيرد الضابط: عالجنا الأمر.. لكن عليك عدم تكراره.
محمد غلامابي