■ حدث تحول استراتيجي في التعاطي الامريكي مع الشرق الاوسط خلال الشهرين الماضيين. جوهر هذا التحول وفقا لما يصفه مارتن أنديك، مثّل انقلابا استراتيجيا في سياسة الرئيس أوباما ازاء الشرق الاوسط. وربما يكون لأنديك الحق في هذا الوصف، لاسيما عند المقارنة بين التوجهات التي اعتمدتها ادارة اوباما في السنوات الثلاث الماضية، وما حدث خلال الشهرين الماضيين. فبينما كانت السياسة الامريكية خلال السنوات القليلة الماضية، تعتمد الانسحاب من الشرق الأوسط، الامر الذي أثر دراماتيكيا على قدرتها في التأثير بالمنطقة، وبالنتيجة على أداء الفاعلين الرئيسيين فيها. وبين الواقع الراهن الذي عادت فيه امريكا للعب دور محوري، ولو بشكل تدريجي، وان كان يتضمن بعض التردد في المنطقة. فخلال الشهرين الماضيين عمدت ادارة اوباما الى إعادة إرسال قوات إلى العراق – حتى لو أنها ممنوعة من القتال المباشر- بعد أقل من ثلاثة أعوام على الانسحاب منه. كما انها غيرت رأيها أيضاً في ما يتعلق بالمعارضة المعتدلة في سوريا، التي طالما تم تجاهلها باعتبار أنها غير قادرة، غير انها الان اصبحت تصفها بأنها شريك رئيسي للولايات المتحدة. كما أن الولايات المتحدة أحيت تحالفها القديم مع حلفائها الرئيسيين في المنطقة مثل، السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا وغيرها، فضلا عن خلق تحالف دولي اشترك فيه اغلب حلفائها الغربيين التقليديين. الواضح ان تركيز ادارة اوباما صار يضع الاولوية للاستقرار وليس للديمقراطية.
بالتأكيد ان هذا التحول سمح بتحجيم الفورة التي مثلها «داعش»، وبالتالي تقليص قدرته على غزو بغداد وتهديد دول اخرى في المنطقة، من بينها الاردن والسعودية والكويت. اذ أن تنظيم «الدولة الاسلامية»، ضم مجموعة من المقاتلين المتوحشين الذين تمكنوا من إلحاق الهزيمة بوحدات عسكرية تقليدية في سوريا والعراق، وتضخم في القوة من خلال الاستيلاء على الأسلحة وتجنيد المتطوعين. كما أنه استولى على مساحات شاسعة من الأراضي واحتفظ بها – وهو شيء لم تفعله حتى «القاعدة» نفسها أبداً.
ولكن السؤال المطروح هل تستطيع الولايات المتحدة الحاق الهزيمة بالتنظيم عن طريق القصف الجوي لمواقعه في العراق وسوريا، حتى مع اشتراك دول عربية واسلامية وغربية في حملة القصف؟
في سياق البحث عن التساؤل المطروح يدور نقاش مركب فكري وسياسي واستراتيجي وعسكري، اذ وفقا للمحللة الاستخباراتية تشلسيا مانينغ، فإن تنظيم «الدولة الاسلامية» يتغذى بالتحديد على النجاحات العملياتية والتكتيكية للقوة العسكرية الأوروبية والأمريكية والدول الاسلامية والعربية المتحالفة معها، التي يمكن أن تشترك، ويجري اشراكها فعلاً، لإلحاق الهزيمة به. وتشير مانينغ الى أن «داعش» يستفيد استراتيجياً من أخطاء ونقاط ضعف الدول الغربية الديمقراطية التي تشجبها المجموعة. وإن مركز جاذبية «الدولة الإسلامية» هو الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأولئك المتحالفون معهما في المنطقة. وعندما يتعلق الأمر بالتمرد الإقليمي ذي التداعيات العالمية، فإن قادة «داعش» هم استراتيجيون ماكرون. ويبدو واضحاً انهم يملكون فهما سليما وكاملا لمكامن قوة الغرب، والأكثر أهمية مكامن ضعفه. إنهم يعرفون كيف تفكر أمريكا والغرب، وهم يعرفون ما هو الدافع الامريكي الغربي في اتجاه التدخل والتمدد في الخارج. ويبدو هذا الفهم واضحاً بشكل خاص، بالنظر إلى نجاح «الدولة الإسلامية» المدهش في تجنيد أعداد من الأمريكيين والبريطانيين والبلجيك والدنماركيين والأوروبيين الآخرين من خلال دعوتهم إلى حمل السلاح. وإن مهاجمته بالضربات الجوية تظل خياراً متاحاً لصانعي السياسة، سيسفر عن نتائج مباشرة، لكنها ليست جيدة دائماً. إذ لسوء الحظ، عندما يحارب الغرب النار بالنار، فإنه يقوم فقط بتغذية دائرة الغضب، ومنح دفعة للتجنيد والتنظيم. وهذا بالضبط ما حدث في العراق خلال ذروة الحرب الأهلية عامي 2006 و2007، الذي من الممكن ان نتوقع أن يحدث مرة أخرى.
والمشكلة التي يمثلها تنظيم «الدولة الاسلامية» هو الفكر العقائدي الذي ينتمي له والذي يستمد وجوده من خلفية تحظى بقبول معين لدى قطاع واسع من المسلمين، وقد شهدت السنوات القليلة الماضية صعوداً هائلاً وملحوظاً لما يبدو أنه نوع جديد من التنظيمات والكيانات، التي تمثل نواة الدولة الإسلامية الثورية. فهناك حركة «بوكو حرام» في غرب أفريقيا، وتنظيم «الشباب» في شرق أفريقيا، و»الإمارة الإسلامية» في القوقاز، وبطبيعة الحال، «الدولة الإسلامية» في الشرق الأوسط، ولا تدعو هذه الحركات إلى شن حرب مقدسة ضد الغرب فحسب، وإنما تستخدم مواردها من أجل بناء دول دينية أيضاً. وبحسب المؤرخ ديفيد موتاديلسبت، تشترك هذه التنظيمات او الكيانات في العديد من الخصائص. فقد ظهرت كلها في أوقات أزمات، وواجهت الأعداء الداخلين والخارجيين بلا رحمة على حد سواء. وهي تضطهد النساء، ورغم ضراوة هذه الجماعات، فقد نجحت جميعها في استخدام الإسلام لبناء تحالفات واسعة مع القبائل والمجتمعات المحلية.. وتقوم بتقديم الخدمات الاجتماعية وتدير محاكم شرعية صارمة؛ وتستخدم أساليب الدعاية والترويج المتطورة. وهي تختلف عن دول وكيانات القرن التاسع عشر، كونها أكثر تطرفاً وتطوراً. وربما يكون تنظيم «الدولة الإسلامية» أكثر نظام جهادي متشدد تطوراً وتعقيداً في التاريخ الحديث. إنه يستخدم بنى الدولة الحديثة، بما فيها من بيروقراطية مرتبة هرمياً، ونظام قضائي، ومدارس، وجهاز دعائي هائل وشبكة مالية تسمح له ببيع النفط في السوق السوداء. وهو يستخدم العنف – الإعدامات الجماعية، والخطف والنهب، ويتبنى منطق القمع ومراكمة الثروة- إلى حد غير مألوف في أنظمة الحكم الإسلامية السابقة. وعلى العكس من سابقاته، ينطوي على طموحات عالمية..
والحقيقة ان هذه الكيانات والتنظيمات ترتكز على فكر متطرف ليس وليد الساعة، بل هو ضارب في التاريخ، وظهر بمسميات وأزمان مختلفة، وكان يتوالد، وفقاً للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة آنذاك، ويستند إلى مرجعيات دينية وفتاوى وكتب أساسها التكفير للمخالفين واستحلال دمائهم وأموالهم، وكانت تتطور مع تطور المجتمعات وتتعسف في أحكامها في تطبيق الشريعة فكراً وممارسة، بناء على تصور بتقسيم العالم إلى دار كفر ودار إيمان، اعتماداً على قاعدة «الولاء والبراء» التي تعتبر من المرتكزات الأساسية المعتمدة لديهم، والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، من خلال تفسير خاص ومجتزأ ومشوه للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإنزالها في غير موقعها. ولقد عمدت مدارس إسلامية عدة إلى نشر هذه الأفكار داخل المجتمعات الإسلامية، وتوفر لها دعاة وجمعيات وإمكانيات مادية ودور نشر، ولقيت هذه الأفكار الآلاف من المصدقين والمؤيدين في مختلف ديار الإسلام الذين استخدموا كأدوات لتحقيق مصالح وأهداف دول وأجهزة مخابرات وتم زجهم في حروب أفغانستان والعراق، بزعم الدفاع عن الإسلام ضد الكفر والإلحاد، وخرجت منهم أفواج مدججة بخرافات دينية، وسيوف وسكاكين لإعمالها في رقاب «الكفرة»، من غير معتقدهم ولأي دين انتسبوا.
وبالنتيجة ووفقا لهذه الخواص الفكرية والعقائدية التي تمثلها هذه الكيانات والتنظيمات فان هزيمتها بحاجة الى عمل دؤوب يعمل على تنظيف الفكر من التسميم العقائدي الذي لحق بالاسلام واصوله، ولذلك فان الحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» وسواه من هذه التنظيمات بحاجة الى التأسيس لثقافة ووعي جديد يتجاوز الفهم السلبي للاسلام وللاختلافات الفقهية وهذا يعني، إن توافرت الارادة لذلك، ان العملية ستكون شاقة وطويلة وربما استغرقت عقودا.
وهذا كله يعمق الشكوك بشأن امكانية الحاق الهزيمة بـ»داعش»، وهي شكوك اصلا تغذيها مصادر متعددة، من بينها الواقع العملياتي اللوجيستي للحرب عليه. فالواضح حتى الان ان ادارة اوباما تخوض الحرب بالاعتماد على أداء دول التحالف الدولي التي تضم دولا عربية واوروبية، والتي جميعها لا تنوي الاشتراك بالقتال الا عبر القصف الجوي، وهي تريد ان تخوض المواجهة على الارض عبر الجيش العراقي، الذي انهار بشكل مخزٍ في مواجهة «داعش»، وعبر مجموعات من المعارضة السورية المعتدلة وعد أوباما ببنائها في عملية تحتاج إلى سنوات.
من المتوقع ان تضعف الحملة الجوية التي تشنها واشنطن وحلفائها، التنظيم وتحد من مصادره وقدرته على استقطاب الجهاديين، ولكن ذلك لن يقضي عليه او يلحق الهزيمة النهائية به، بل ان عدم نشر قوات أمريكية برية في العراق يعمل على ترسيخ صورة في أذهان المسلحين المتطرفين بأن الأمريكيين متغطرسون وجبناء في اللحظة نفسها، كما تقول المحللة الاستراتيجية روزا بروكس.
وأكثر من ذلك ان الشكوك بشأن الحاق الهزيمة به، متأت ايضا من ان هذا التنظيم نما وترعرع وازدهر في ظل ظروف صراع مركب تشهده المنطقة، محوره عدد من الصراعات المتداخلة، من بينها الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، والصراع بين الاستبداديين وأنصار التغيير.. والصراع بين العلمانيين والإسلاميين، بالاضافة الى صراعات الهوية والحدود التي تشهدها الجماعات العرقية والطوائف والملل والنحل في المنطقة، التي ربما تكون بحاجة الى قبضة حديدية لادارتها.
٭ صحافي وكاتب عراقي
عصام فاهم العامري