اللغة العربية لغة دقيقة جدا، ولكنّ الذين جهلوا دقّتها فهموا معاني العديد من ألفاظها على غير الوجه الصحيح الدقيق، فافتقدت كتاباتهم تلك الدقة، ثم بنوا على ذلك الفهم تقريرات خاطئة، حتى حمّلوا الآيات القرآنية ما لا تتحمل، ومنها الآيات التي تتحدث عن الشهود والشهداء في بعض القضايا التي تمر بالناس كالإرث أو الدَّين أو العلاقات الجسدية خارج إطار الزواج، وما إلى ذلك، حيث خلطوا بين معنى الشهود ومعنى الشهداء، ما سبب أذى في بعض الحالات. فتعالوا معي نجول في هذا الجذر وبعض مشتقاته:
شهد: قريب من معنى العلم والحضور والبيان، كما في: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). لاحظ المقابلة بين نشهد ويعلم ويشهد، نشهد الأولى بمعنى هم متيقنون أنه رسول الله، ولكنهم لا يريدون الإقرار له بالنبوة. تماما كما في الآية: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، فهم استعملوا كلمة نشهد بمعنى التيقن لا بمعنى المبايعة والإقرار. وبقية الآية تأكيد لهذا المعنى.
وأما (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فمعناه الحضور حين بدء شهر الصيام.
الشاهد: إسم فاعل من «شهد» وأغلب ما يستعمل لبيان الشهادة، كما في المحاكم وغيرها. فهو قد شاهَدَ، أي رأى وعلم أمرا فيدلي به أمام القضاء أو الآخرين، وقد لا يكون دقيقا فيما رآه أو رواه، لذلك طلب القرآن عددا من الشهود والشهداء في الحالات التي تقتضي ذلك. ومن طريف ما جاء من هذا الجمع، شهود، قول الشاعر:
لي في محبتكم شهودٌ أربعُ/ وشهودُ كلّ قضيةٍ اثنانِ
خفقانُ قلبي، واضطرابُ مفاصلي/ وشحوبُ لوني، واعتقالُ لساني
شهود جمع شاهد. وشهيد، صيغة مبالغة في شاهد. والمبالغة هنا تعني الإحاطة والتدقيق وأقصى التأكد. ولم تأت صفة شاهد مع لفظ الجلالة. وحلت محلها لفظة شهيد، في جميع المواضع، كما في: (قل كفى بالله شهيدا). وأما (وكنا لحكمهم شاهدين) فالحالة هنا واضحة لا تحتاج إلى تعبير شمولي استقصائي.
الشهداء جمع لشهيد. وتدل على الإحاطة الشاملة الدقيقة، من غير أن يعتور تلك الإحاطة شيء من الخطأ أو الخلل أو عدم الشمول والاستيعاب. وهذا ملحوظ في جميع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ، كما في: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء). ولم يقل بأربعة شهود. إذ لا بدّ للشاهد، في هذه الحالة وما يشابهها، أن يكون «شهيدا» متيقنا مما يقول ومتأكدا تمام التأكد، لا تغره ظواهر الأمور فيلقي الكلام على عواهنه، اتهاما وتسقيطا وإساءة. وتجد من الناس من يلقي تلك الاتهامات جزافا بدون أي حرج أو تحرّج. وحرّم الإسلام كل ذلك، وأقام الحد على من لجأ إليه.
ولا يغرنك ما قاله قدماء ومعاصرون من وحدة دلالة شهود وشهداء. فلقد تسرب إليهم الخطأ من حيث إنهم اعتبروا شهداء ذا دلالة واحدة، وأنه جمع لشاهد ولشهيد. فألغوا خصيصة التوكيد والتعميم والشمول منه إذا كان جمعا لشهيد.
ولتأكيد المراد أقرّبه بمثال: فكلمة عالِم، بكسر اللام، جمعها عالِمون. تقول: نحن عالِمون بهذا الشيء: أي مدركون له، عارفون به. غير أن اللفظ الشائع هو علماء، مثل شهداء، للدلالة على سعة العلم والإدراك والإحاطة بجميع جزئيات الموضوع وكلياته. أما استعمال شهيد في موضع شاهد، فمبالغة لا تحلّ في المستوى الأول من الفصاحة.
ومن معاني لفظ (الشهيد) المستشهَد في القتال، ولكن ثمة من روى أبوابا أخرى للشهادة، كرواية (من عشق فعفّ فمات فهو شهيد). وجاء في قول الشاعر:
لاموا عليك وما دروا/ أن الهوى سبب السعادهْ
إن كان وصلٌ فالمُنَى/ أو كان هجرٌ فالشهادهْ
ولخّص الصفدي ذلك بقوله: (إنّ شهادة العشق من أعلى رتب الشهادة).
فإن صح هذا فطوبى لشهداء العشق.
٭ باحث جامعي عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي