لم أعد أذكر إن كنت شاهدت فيلم «كيت كات» كاملا. لا بدّ أن ذلك حدث مرّة، في 1991 مثلا، سنة عرضه الأول في السينما. كان الفيلم قد جعل محمود عبد العزيز نجما أول بين أقرانه بتأديته دور الشيخ حسني، الشخصية الغريبة الجامعة بين متناقضات يصعب حصرها. فهو رجل الدين الماجن، والرجل الذي إزاء ابنه الشاب يعيش ويسلك كما لو أنه هو الابن، بل والابن الضال.
وهو الأعمى الذي من بين هواياته مرافقة العميان من رجال الدين ليصف لهم ما لا يستطيعون مشاهدته، في السينما مثلا التي تشملها النزهات التي يأخذهم إليها. وهو المغامر مغامرة المراهقين حين يصرّ على قيادة دراجة نارية، شأن آل باتشينو الذي شاهدناه، مؤدّيا دور الضرير، يقود سيارة وينعطف بها بسرعة متهوّرة، مرة بعد مرة، كأنه يتبع جهاز جي. بي. إس مبكرا موضوعا داخل رأسه. (وهذا التماثل بين المشهدين أعطى لمحمود عبد العزيز واحدا من ألقابه: آل باتشينو السينما العربية، ذاك اللقب الذي يبديه الطرف الأضعف في تلك المشابهة، أو الطرف المقلِّد، علما أنه كان أفضل أداء من سابقه، بل كان المشهد الذي أدّاه متبوعا بنتائجه، فيما لم يكن ما أدّاه آل باتشينو إلا دلالة على موهبة إضافية مبالِغة للرجل الأعمى).
لا تُنسى تلك النظرة الذكية، لكن الفارغة في الوقت نفسه، التي يرتفع معها رأس محمود عبد العزيز فيما هو يتكلّم، مستلهما كلماته من التحديق في اللامكان. كما لا تُنسى طريقته في الكلام التي احتاجت إلى أن تحمل كل غرابة رجل مثل الشيخ حسني. حين قرأنا رواية «مالك الحزين» وهي التي قام عليها الفيلم ،فتنتنا تلك الشخصية منذ ظهورها الأول، في الصفحة الأولى من الرواية، فيما الشيخ يتحايل متلاعبا بتلك البرتقالات مخفيا بعضها في جبّته، وجدنا أننا إزاء ما لم نقرأ مثيلا له في الرواية العربية. مفارقات كثيرة تألّفت منها شخصية ذاك الرجل، وكان كلّ منها قويّا باهرا، إلى حدّ أن الرواية بدت مثل مشاهد متقّطعة من سيرة الشيخ اللطيف المأساوي والغريب الأطوار. وكان على محمود عبد العزيز أن ينسج من تلك المشاهد المتقطّعة، شأن ما هي عليه روايات إبراهيم أصلان (صاحب «مالك الحزين») كلها، كما من تقلّبات الشيخ وأوصافه الغريبة، شخصية واحدة.
ربما لهذا أجدني متسائلا إن كنت شاهدت الفيلم كاملا، مترابطا متسلسلا من بدايته حتى نهايته. كان إبراهيم أصلان قد قال مرّة في إحدى المقابلات، إنه لا يطيق بناء عمل متسلسل تُراعى فيه الدقّة في وصل الأحداث بعضها ببعض. لكن في الفيلم، كان على المخرج داوود عبد السيد أن يوصل الأجزاء بدخول محمود عبد العزيز من مشهد إلى مشهد آخر، لكن مع ذلك ظلّ تعبير المديح المستعمل عادة في وصف من يحسنون الأداء، الذي من نوع «هنا تفوّق فلان على نفسه» في وصف الناجحين ملتبسا هنا، إذ يبدو أن الممثل الساحر، كما كان عبد العزيز يحب أن يسمّي نفسه، كان يتفوّق على نفسه في كل ظهور له، وهذا ما جعل من «الكيت كات» مقاطع فيديو صغيرة باهرة لا تحتاج بالضرورة إلى أن يتكئ أحدها على الآخر.
يحدث أن يحوّل واحدنا مسيرة ممثّل أدى أدوارا كثيرة إلى ما كانه في دور واحد منها. بين بداياته في السبعينيات ورحيله منذ أيام، ظهر محمود عبد العزيز في 84 فيلما تنقل بينها في أدوار المعشوق والعاشق، في مطلع شبابه، وأدوار أخرى كثيرة بينها الجاسوسية ابتداء من «إعدام ميت» في 1985، وصولا إلى دوره الشهير، بل الأكثر شهرة، في المسلسل التلفزيوني «رأفت الهجان». لكن للتعرف على الأداء «الساحر» لمحمود عبد العزيز، ولتكوين صورة عنه تلخّصه نجما سينمائيا، ترانا نقوم بإرجاع ما كانه في «الكيت كات» إلى كل ظهور له في أفلام السينما. لكي يعود المعجبون بدوره في ذاك الفيلم إلى أن يعجبوا به في أدواره الأخرى، ومنها دوره في مسلسل «رأفت الهجان»، عليهم أن يرونه كما كان في «الكيت كات»، أو أن يختبروا إن كانت ممكنة المطابقة بين ما ظهر فيه هنا وما ظهر فيه هناك. ذلك سيحتاج إلى التدقيق في الملامح، بل إلى إعادة تعديلها كما فعلت إحدى شخصيات «كتاب الضحك والنسيان» لميلان كونديرا فيما هي، واسمها ماركيتا، تبدي نفسها مصغية لما يقوله مجالسها في الملهى الليلي بينما هي تعمل بدلا من ذلك على إجراء التحويلات على ملامحه ليصير، في نهاية جلستهما، في هيئة زوجها الممنوع من مغادرة بلده لينضمّ إليها.
٭ روائي لبناني
حسن داوود