«الصبي سارق الفجل» رواية الصيني مو يان: نوبل للأدب تعود إلى تكريم الواقعية الاشتراكية

حجم الخط
1

 

هذه الرواية «الصبي سارق الفجل» لم يدرك أحدٌ حتى الروائي نفسه، أنها هي من سيفتح له الطريق إلى عالم الأدب. رواية تنهل من عالم الريف الصيني، وتجسده إبان تلك الفترة من حياة وتفاصيل القرويين الصينيين في مرحلة الستينيات، وقراهم التي ينتمي إليها حائز جائزة نوبل، الروائي الصيني مو يان لعام 2012.
يمكن اعتبار هذه الرواية، وهي من نوع نوفيلا، جزءاً من سيرته ويومياته وشؤونه الصغيرة، يوم كان يعمل الروائي وهو فتى في أعمال يدوية شتى، وهو القروي المندفع إلى عالم الجموع وهي تؤدي أدوارها اليومية من أيام الثورة الثقافية ورائدها الشيوعي ماوتسي تونغ. لكن رواية «الصبي سارق الفجل» تسجل المعاناة الحقيقية للعمال والاجراء والمستخدمين في يومياتهم وهم يعملون ويَشْقَون ويكدِّون، في تلك القرى الصغيرة والنائية، مكتفين بقوت يومهم، وبأجرهم الزهيد وحياة المشقة، تلك التي كان عليهم أن يخوضوها بكل تجلياتها ومصاعبها من أجل أن يبقى الرمق على قيد الحياة.
تكاد رواية «الصبي سارق الفجل» أنْ تلمّ بكل الأحداث التي مرّ بها الروائي وهو صبيّ، يعمل في مجالات عدّة في مسقط رأسه بريف شاندونغ، كاشفاً كل صغيرة وكبيرة هناك، في عالم صغير يتحرك فيه شخوص عاديون، مسرحه الريف وشخوصه أرباب العمل والمراقبون والعمال.
لم يطلع الشاب الموهوب في تلك الفترة، مو يان، خلال سني حياته الكتابية على النظريات الأدبية ونماذجها الحديثة وطرقها وأساليبها المصبوبة بقوالب بنيوية، ورؤية متجددة، بل كان يسعى إلى تقعيد النظرية، وعبور أنسقة النمذجة والأسلبة إلى عالمه هو، عالم الفقر والوحدة والتهميش وإلغاء الدور الإنساني للذات، ليكتب روايته الواقعية هذه، رواية معجونة بالتراب والأنفاس والجذور وهواء الريف الصيني وماء ينابيعه الصافي.
أجل لقد كتب مو يان رواية الأدب الصافي، غير الخاضع لرؤية ونظرية ونهج أدب الواقعية الاشتراكية آنذاك، فهو كتب نفسه وعالمه بصيغته البريئة التي لا تعرف النظريات أو تعترف بها كأسلوب ينبغي أن يحتذى، ويسير عليه ليصل إلى ما يريدون هم، بل كتب سياقه وانفعالاته هو، مُجسّداً صيغ الكتابة الداخلية التي تنهل من التجربة، وتُفيد من عالم الجوانيات، دون أن تغفل عالمها وما يدور حوله من أحداث جسام، تتلخص في سياقي الملهاة والمأساة والرؤى والمشاهد العيانية التي تحدث له ولغيره، في الوتيرة ذاتها من حياتهم اليومية، ومصائبهم التي كانت تتأتى من القوى العليا والمتحكمة في مصير بلد كبير مثل الصين الذي تجاوز عدد نفوسه المليار نسَمَة.
وفق هكذا مقام وسياق وسبيل، وبعد أن كتب الروائي الصيني مو يان رائعته «الذرة الرفيعة الحمراء» وقدم أكثر من عمل يشار له بالرفعة والاكتمال الفني والجمالي وحصل على أرفع جائزة عالمية، بعد كل هذا سيكون بالتأكيد عدد قرّائه بالملايين.
إذاً بفضل أفق ومدار وفضاء «الصبي سارق الفجل» صار مو يان له العدد الهائل من القراء، كونه في البدء عرف نفسه، وعرف الطريق الذي سوف يوصله إلى العالمية، وهو الانطلاق من محليته، ومكانه وأرضه لرسم ملامحها، لكيما تكون هذه الملامح الفنية جديرة أن تُقرأ عالمياً.
تدور أحداث رواية «الصبي سارق الفجل» لاحظ العنوان كم هو بسيط ولافت في آنٍ، في الريف الصيني، بمقاطعة شادونغ، أثناء عمل يُقام قرب سدّ يحبس مياه الفيضانات، وهناك يتم البناء والعمل، وحولها تمتد مزارع الجوت والبطاطا والفجل وغيرها، والماء هو المسقى والمورد لكل تلك المزارع، مكان العمل يجري عند «الهويس» أي عند السد والجسر، وثمة ورشة عمل هناك تتكوّن من بنّائين وحدّادين وعمال ومراقبي عمل، والصبي الأسمر الذي تدور حوله الرواية، وهو فتى صغير، يسهم في عمل البناء والحدادة وغيرهما من شؤون العمل اليومية. إلى جانب هؤلاء يقف رئيس العمل ونائبه ليو القاسي، الذي يحاسب على الصغيرة والكبيرة، ولا يتورّع عن شتم الصبي، دون أن يحسّ أنه في عالم الاشتراكية، الشيوعية التي تساوي بين البشر، دون تمييز في اللون والعرق، فالصبي الأسمر جاء من حيّ فقير ومتحدّر من عائلة فقيرة، يتيم الأم، وواقع في أتون زوجة أبيه ومعاملتها الصعبة والقاسية له، في ظل غياب الأب في مكان آخر منذ أمد، يمتد لثلاث سنوات، حتى يقع الصبي أسير هذه المرأة الشرّيرة والسكيرة التي تشرب النبيذ وتبدأ في ضربه وعضّه وقرصه وشتمه ودفعه للعمل، لذا يجد الصبي الأسمر في نائب رئيس العمل، شبيهاً ونظيراً لزوجة أبيه، فهو أيضاً حين اقترب منه ورفعه عن الأرض وهو كائن ضعيف وصغير، شم الرائحة الكريهة التي تفوح من فم النائب فذكرته بتلك الرائحة إياها التي كان يشمّها من زوجة أبيه المربّية القاسية .
يحفل مكان العمل أيضاً بفتيات صينيات، يعملن في المزارع التي هي جزء من مكان عمله ومن «الهويس» ذاته. ثمة البنّاء الشاب الذي سيقف دائماً إلى جانب الصبي الأسمر مدافعاً عنه وحاميه ورادّاً عنه الأذى الذي قد يلحقه به ليو النائب أو العمل الشاق نفسه مع الحدادين والبنائين.
إلى جانب هؤلاء، تظهر جويتزه، الفتاة ذات الشال الأحمر الأرجواني، تُداري الصبي الصامت الذي لا يتكلم، تحاول أن تواسيه وتسأله لماذا هو صامت هو طوال الوقت ولا يتكلم، خلال ذلك تجذبه إليها حال رؤيتها لظهره المصاب بالكدمات، فتحاول ان تستنطقه عن سبب تلك الجروح هل هو مضروب من أحد ما، أم أنه معضوض من كلب أم مجروح وهو الفتى من تسلق شجرة؟
في عمل آخر يُكلف به، وهو تكسير الحجر مع نساء عاملات في المكان ذاته، يتعرض الصبي إلى ضربة أثناء قيامه بواجبه، فتتهشّم أظفاره، حتى تسيل الدماء من أصابعه، فتلحظ ذلك جويتزه، فتهب لإسعاف يد الصبي، حيث تسارع إلى لفّها بمنديل مطرز بالأزهار، موجود لديها، قبل أن يأتي نائب العمل على دراجته الهوائية لينهي يوم عمل طويل.
بعد ذلك العمل سيوكل للصبي عمل مختلف، هو مساعدة الحداد، بعد تعرّضه لكدمات من ضربات الفأس. هنا سيتحول الصبي، جرّاء هذا العمل، إلى قطعة من الفحم بالإضافة إلى شكله ولونه الأسمر بالأساس، وهنا ستتعدّد مشاغله، مثل الضرب على السندان، والنفخ في المنفاخ الذي أجهده وأسال الدم من فمه، كل ذلك كانت جويتزه تراه وتراقبه وتُسعفه في أغلب الحالات.
على لسان الراوي، تتم كل فصول هذه الرواية القصيرة، ومن ثم تتنوع، لتكون على لسان شخصياتها، كاسرة الرتابة التي سُلِكتْ واتبعتْ على لسان الراوي، فالراوي تارة يصف المكان والشخوص والطبيعة، كوصفه هنا لطبيعة المكان ومُناخه «في مساء تلك الليلة، تعرض موقع العمل فجأة لموجة من الأمطار الرعدية، وعنما حان وقت بدء العمل في صباح اليوم التالي، انتبه العمال إلى كومة الأحجار في موقع العمل وقد غسلتها مياه الأمطار، كما بدا الطريق نظيفاً، وزادت كميات مياه الخزان أسفل الهويس، وانعكست بقايا غيوم على صفحة المياه الزرقاء».
تتحول الرواية تارة، وعبر تدخِّل من المترجم في محاولة لإيصال المكان الريفي وعوالمه إلى صيغته الفطرية الأولى، صيغة الناس الطيبين ولغتهم الشعبية وفق حواراتهم الفولكلورية، ومن ثم تمصير اللغة، وجعلها لغة غيطان وفلاحين وعمال، وهو اجتهاد من مترجم ناجح من الصينية إلى العربية، وقد نقل المترجم باقتدار ملحوظ إلى العربية رواية «الذرة الرفيعة الحمراء» التي نال عليها الروائي الصيني مو يان، بحسب النقاد ورأي العديد من الخبراء الأدبيين ومحرري الشؤون الأدبية «جائزة نوبل»، وهي الجائزة الأدبية الأولى في العالم.
إن تمصير الحوارات الميلودرامية بين الشخصيات التي برزت في الرواية، يحمل كما أسلفنا دلالته الفنية والنفسية، ويعكس براعة ورؤية المترجم الجمالية، في هكذا نص بعيد عن العربية وأجوائها الخاصة.
تحفل الرواية باستخدام مفردات شعبية، منتزعة من اللهجة المصرية، داخل النص الفصيح بالعربية، لقد غَمَضَتْ عليّ بعض هذه المفردات، حتى اتصلت بصديق مصري لكي يوضّح لي معناها مثل «الهويس» و «الشنيو» وغيرهما من المفردات العامية المصرية، هذا ناهيك عن ورود بعض الاستخدام للمفردات بصيغة الخطأ، مصحوبة ببعض الأخطاء اللغوية والإملائية.
لكن هذه الأخطاء بالتأكيد لا تقلل من أهمية الرواية وسلاستها، وبريقها الواضح، لترجمة نُقِلت من الصينية إلى العربية دون وسيط.

مو يان: «الصبي سارق الفجل»
ترجمة د. حسانين فهمي حسين
تقديم د. محسن فرجاني
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2015
160 صفحة

«الصبي سارق الفجل» رواية الصيني مو يان: نوبل للأدب تعود إلى تكريم الواقعية الاشتراكية

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية