الصحافة والبحث عن الحقيقة

حجم الخط
2

يرسم الواحد منا طريقا له في بداياته يراه مناسبا لما يحب أن يمارسه كمهنة أو يتعلمه بشغف كمعرفة في حد ذاته، وفي أحيان كثيرة تتعدد الميولات وتتشابه ويختلط على صاحب الخطوة الأولى في جنان العلوم تحديد رغبته ويحتار ،هل يتبع متطلبات سوق العمل أم يسعى وراء حلم يريد تحقيقه؟ في هذه الحالة لابأس أن نحاول تذكر حلم الطفولة إن أنستنا مشاغل الحياة : ماالذي كنت أود أن اصبح عليه عندما أغدو شابا او شابة؟
عن نفسي هذا ماحدث لي تماما أنني أحببت الفلسفة، وأردت دخول قسم الفنون الجميلة أيضا ، وما ان ظهرت النتائج وجدتني أذهب للصحافة لا شعوريا، حيث تذكرت أني كنت أجلس مع أبي وأنا صغيرة لمتابعة نشرة الثامنة وكنت أسأل بلا توقف عن كل شيء ، ولا يكل رحمه الله ولا يمل من إجابتي ، وما أن تنتهي النشرة و يقوم أبي لمائدة العشاء حتى أجلس مقابل التلفزيون وأقوم بتقليد الصحافيات الشهيرات أو الجيل الذهبي في الجزائر آن ذاك.
تتعلق بالصحافة في طفولتك لإنبهارك بما يقدمه الإعلام بوجوه صحافية تعد القدوة في الإلتزام والمسؤولية ، كونهم يذيعون أخبار الدنيا ويهتمون لأمر المعمورة وساكنيها في «نظرك»، مواد غاية في الإثارة ، تشعر أنها تساهم في تغذية روح التساؤل فيك ، تشبع فضولك ، تكون خلفيتك السياسية» طبعا دون إدراك منك في حينها» يتجلى ذلك في مناصرتك للقضية الفلانية دون غيرها و تكون بذلك موقفا ورأيا قد تظل ثابتا عليه إلى أن تكبر ولا تغيره، لأنه طبع في وجدانك على أنه الصواب والحق منذ الصغر، وهو حال جل أفراد المجتمعات بإختلاف ثقافاتها ، فمواقفها تجاه قضايا إجتماعية أو سياسية يعد الإعلام المروج الأول لها سواء كانت صائبة أو خاطئة، نزيهة وموضوعية أو كونها تخضع لنظام سياسي أحادي صاحب ايديولوجيا معينة ، او ترضخ لمصالح أصحاب رؤوس الأموال أو النافذين في عالم السياسة.
حتى الذائقة الفنية يصنعها الإعلام ويكرسها إيجابيا أو سلبيا ، وخير دليل ما تشهده الساحة الفنية من تلوث سمعي بصري، وفرض كل ماهو هابط والتأقلم معه كأمر واقع ، صناعة غاية في الرداءة ظهر أثرها على بعض أبناء هذا الجيل للأسف .
وفي المقابل، البحث عن الحقيقة وتبليغها للجمهور و مراقبة المسؤولين في أدائهم السياسي ، تسليط الضوء على المجتمع وتحليل ممارساته الإيجابية منها والسلبية، التحقيق ومن ثم البحث عن مخرج، همزة وصل بين أصحاب القرار والشعب، يجعلها أكثر المهن نبلا وخدمة للإنسانية إذا ما تقيد الصحافي بأخلاقياتها ، لغتها المتوسطة والبسيطة تجعلها قريبة من الجمهور حتى يكاد كل ما يكتب فيها حقيقة مطلقة لا نقاش فيها عند البعض.
لكن هل بإمكاننا نحن «من إختار الصحافة» متابعة شؤون الأنظمة السياسية في بلادنا العربية على الأقل ؟هل النقد الذي يقود في المحصلة إلى التغيير محسوب العواقب؟ مصير الصحافي بعد كشف الحقيقة هل يؤدي إلى مكان غير السجن والمتابعة القضائية؟ لكن في الوقت نفسه هل تثني هذه العراقيل والمشاكل الصحافي من أن يسلك طريقا غيرها؟ الجواب بالتأكيد لا.
فالصحافة تعني البحث عن الحقيقة وكشفها للناس لتنويرهم لأن الحق في الإعلام تكفله جل الدساتير وهو حق من حقوق الإنسان ، لذلك يبذل الصحافي النزيه الغالي والنفيس وإن كلفته حياته إظهار الحقيقة كما هي، وايضا كون الصحافة لا تقتصر على نقل الأخبار تحليلها و من ثم نشرها، بل هي اعمق من ذلك بكثير ، فهي تسهم في وضع أسس لتفكير جديد يعكس رغبة في تغيير جذري سياسي وإجتماعي، ولكن بطرق مرنة تأخذ وقتا لكن نتائجها ذات قيمة وتأثيرعلى المدى المتوسط والبعيد، تغير ملامح التدهور والتخلف إلى ملامح التحضر والتطوير، ولنسمها «ثورة فكرية»، فقط إن وجد صحافيون مختصون لهم القدرة على وضع أيديهم على مكامن الخلل في المجتمع والدولة مع الإلتزام بمبدأ الصدق والمصداقية لأجل بناء أمة لها مكانتها من بين الأمم يحظى مواطنوها بالحرية والمساواة، بالسلم والأمن والعيش الكريم .
هذا ما إخترته لنفسي ، فماذا إختار القراء الكرام؟

منى مقراني- الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية