«هل المشاركة الصحافية في تغطية الاحتفالات التي يعقدها الكيان الصهيوني (إحياء ليوم الاستقلال) تعتبر إعترافاً بالتطبيع أو عملاً مهنياً؟»، هذا السؤال الذي طرح هذا الشهر من قبل عدد من الصحافيين المصريين في الشبكات الاجتماعية أثير على خلفية الدعوة التي تلقوها من السفارة الإسرائيلية للمشاركة في الاحتفال بعيد الاستقلال الذي جرى في فندق «ريتس كارلتون» في القاهرة.
ليس هناك جديد في الدعوة. حتى ثورة الربيع العربي اعتادت السفارة على إجراء الاحتفال وأن تدعو اليه أيضاً مراسلين الذين معظمهم (اذا لم يكن جميعهم) غابوا عنه. قبل سبع سنوات، بعد الثورة والهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة، توقفت الاحتفالات. التجديد يكمن إذاً في مجرد طرح السؤال من قبل الصحافيين. في السابق كان واضحا للجميع أن المشاركة في احتفال يوم الاستقلال هو جريمة خطيرة ضد المنع المطلق للقيام بتطبيع مع إسرائيل، الذي فرضته نقابة الصحافيين على أعضائها في بداية الثمانينيات بعد التوقيع على اتفاق كامب ديفيد. وفجأة ثار لديها «تساؤل خطير» الذي يثير الشك كما يبدو في صلاحية المنع.
إلا أنه في هذه المرة أيضاً الاجابة كانت قاطعة وواضحة. عضو نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ قال إن «المشاركة في احتفالات الكيان الصهيوني في يوم ذكرى النكبة تناقض قرار الجمعية العامة لنقابة الصحافيين الذي يحظر أي تطبيع، مهني أو شخصي، مع الكيان الصهيوني». الاجابة تشمل أيضاً تهديداً يقضي بأن من يخرق هذا القرار «سيستدعى للتحقيق في النقابة». في الماضي انتهى تحقيق كهذا بطرد الصحافي من النقابة، الذي معناه سحب رخصته للعمل في هذا المجال. في رد آخر على السؤال، رفعت الصحافية إكرام يوسف تصريحاً ذكرت فيه صحافياً مصرياً «تفاخر بعلاقته الودية مع الملحق الصحافي في السفارة الإسرائيلية وحتى أنه اعلن أنه شارك في الاحتفال بيوم الاستقلال. بعد أن جمعنا توقيعات من أجل طرده من النقابة، طلب أن يثبت أنه شارك حقا في الاحتفال. هؤلاء هم جبناء وخونة».
الصحافي الكبير الهامي الميرغني اضاف أنه «علينا مقاطعة ليس فقط فندق ريتس كارلتون الذي استضاف الاحتفال… هل بيع جزر تيران وسنافير للسعودية (في أعقاب قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي) هو جريمة أقل من تدنيس القاهرة باحتفال تأسيس دولة العدو الصهيوني؟. النظام الذي يسعى إلى السلام الدافيء مع إسرائيل لا يهمه شيء سوى إرضاء ترامب وإسرائيل». الميرغني طلب مقاطعة كل الشركات المصرية، الاكاديميين وغيرهم المتعاونين مع إسرائيل و«نشر اسماء هؤلاء المطبعين».
من اعتقد أن التعاون العسكري بين إسرائيل ومصر، بين السيسي ونتنياهو، والحرب المشتركة ضد الإرهاب، كل ذلك سيحدث تحولاً أيضاً في نظرة الصحافيين لإسرائيل، يمكنه أن يتمهل. مقاطعة إسرائيل ما زالت حتى الآن جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الوطنية لمعظم الصحافيين في مصر.
أيضاً هنا يوجد تناقض في سلوك الصحافيين المصريين. من جانب هم يفرضون مقاطعة جارفة، تلزم كل صحافي من الصحافيين وتمنع أي انحراف عنها، ومن الجهة الاخرى يديرون نضالاً ضد قمع الصحف، ضد الرقابة التي اشتدت في عهد السيسي وضد الاوامر التي ينشرها المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام، الذي انشيء على يده بدل وزارة الاعلام. ظاهريا هذا مجلس مستقل وظيفته ضمن أمور أخرى تطبيق بند في الدستور يطالب بحرية الصحافة. ولكن مؤخراً ينشغل المجلس الذي يترأسه الصحافي المخضرم والمشهور مكرم محمد أكرم في صوغ أوامر تحظر على الصحف المس بدول أخرى».القصد ليس منع توجيه انتقاد لحكومات أخرى»، شرح أكرم، «بل المس بشعوب وأديان أخرى».
أكرم الذي يؤيد السلام مع إسرائيل واعتاد الالتقاء بين فينة وأخرى مع صحافيين إسرائيليين قال في السابق للصحيفة، بصفته ما زال محرر الصحيفة الاسبوعية «المصور»، إن قرار منع صحافيين مصريين من زيارة إسرائيل والالتقاء مع إسرائيليين «يمس حرية الصحافة». عندما عُيّن رئيساً للمجلس الاعلى قال للصحيفة: «الآن أنا في وظيفة أخرى تلزمني بالدفاع عن حرية الصحافة، بما في ذلك عن قراراتها بعدم تطبيع العلاقة مع إسرائيل».
منذ ذلك الحين وسّع المجلس نشاطه إلى ما هو أبعد من الصحافة ووسائل الاعلام، أيضاً إلى مجال السينما والمسلسلات التلفزيونية. لقد قرر المجلس من بين قراراته، أنه سيتم فرض غرامة عالية على كل محطة تلفزيون وراديو تستخدم «تعبيرات مسيئة». إن القرار حول ما هي التعبيرات المسيئة يوجد في أيدي المجلس. المجلس ومن خلال صلاحياته أغلق اكثر من 30 موقع أخبار على الانترنت من بين حوالي 500 موقع تم اغلاقها بتعليمات من الحكومة. في مصر يوجد 21 صحافياً رهن الاعتقال، عشرات رجال الاعلام تم استدعاؤهم للتحقيق، وحظر على الصحافيين الكتابة عن متنافسين محتملين في الانتخابات للرئاسة التي جرت في آذار/مارس الماضي.
المعارضة للتطبيع مع إسرائيل، إدانة الإخوان المسلمين وانتقاد الرئيس ترامب وقطر بقيت المجالات الوحيدة التي يستطيع فيها الصحافيون المصريون أن يكتبوا عنها من دون خوف طالما أن انتقادهم يتساوق مع سياسة النظام.
تسفي برئيل
هآرتس 28/5/2018