القاهرة ـ «القدس العربي» إذن حدث ما توقعه الجميع.. مضى السيسي حيث العرش وانتهى الحال بحمدين صباحي لأن يلاحقه الى الأبد دور الكومبارس، على الأقل بالنسبة للاسلاميين.. غير ان القدر الذي اتاح للسيسي ان يجني ثمار حلمه، شاء ألا يمكنه من سدة العرش إلا بعد حفلة «تجريس» شهد عليها حتى مداحوه الذين ملأوا الارض نفاقاً وضجيجاً على مدار الايام الماضية، فالحديث عن حشود ضخمة تدفقت على اللجان الانتخابية في اللحظات الاخيره للتصويت للمشير، لا يجد من يصدقه حتى بين العقلاء من المحيطين بالرئيس الذي لازال يكتب شهادة ميلاده. ومن المدهش ان ميدان التحرير الذي اسقط رئيسين في اقل من عامين يفتح ذراعيه هذه المرة على مضض امام رئيسه الجديد.
فقد بدا للعيان ان المعركة التي انتهت رحاها مؤخراً مخلفة وراءها مئات الملايين التي اهدرت في الدعاية الانتخابيه، ان الرجل الذي تغنى به الكثيرون كما لم يتغنوا من قبل بعبد الناصر، او اي زعيم حل على المصريين، يواجه بالفعل انقساما شعبيا لم يتعرض له رئيس سابق، فهل تعينه الايام المقبلة على ان يجمع الشمل، أم ان الميدان الذي ثارعلى مبارك وخلع مرسي، قبل ان يتم عامه الاول، سيكررها مجدداً ويدفع بالمشير لمتحف التاريخ، الذي يبدو دائماً انه مستعد لقبول نزلاء جدد؟ هذا ما ستسفر عنه الايام المقبلة، وحتى يحدث اي الاحتمالين لا سبيل امامنا سوى تأمل حال تلك الصحف التي لازالت تدق الطبول للرئيس الـــذي صعد على رفات حكم الاخوان، ولا تنسى في نفس اللحظة ان تهطل الثناء على منافسه او بالأحرى كما يروق لكثيرين «محلله» حمدين صباحي الذي حصد الكثير من الثناء بعد ان رفض الانسحاب من الانتخابات كي لا يقوض شرعيتها.
لأنه يبدأ مشواره
بكذبة كبيرة لن يعمر طويلا
لا يختلف اثنان على ان الكذب هو الذي ادى لسقوط دولة مبارك، لذا فإن اخطر ما يهدد السيسي ان عهده بدأ بالكذب، كما يشير جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» الذي يرى انه بدأ من حيث انتهى مبارك: «السيسي يبدأ من تاريخ انتخابات برلمان 2010 بالضبط، ربما لم يقصد هو ذلك، حيث يبدو من ارتباكه وحيرته أن توالي الأحداث من حوله أسرع من قدرته على استيعابها، ولكن أذرعه وأدواته، بغشومية أو بسوء نية، أرادوا ذلك، لقد احتاج مبارك إلى أكثر من خمسة عشر عاما من أجل أن تبدأ المعارضة القوية له في التبلور لتصل إلى حد الإطاحة به في النهاية، بينما السيسي يواجه هذا التحدي الخطير من يومه الأول، بل من قبل تسلمه السلطة فعليا، ورغم أن مبارك ـ أيضا ـ في آخر انتخابات أعلن حزبه أنه حقق نصرا ساحقا بالطريقة نفسها والاحتفالات نفسها والغطرسة نفسها التي نسمعها الآن من شخصيات حول السيسي، أغلبهم حديثو عهد بسياسة، وكل منهم لا يفكر في الرجل قدر ما يفكر في المساحة التي يحجزها في مركبه، وكل منهم يعلو زعيقه وادعاءاته عن جهوده الجبارة التي انتهت إلى هذا «العرس» الديمقراطي. والسيسي ـ رجل المخابرات الحربية ـ يعرف أن هذا كله دجل، ويعرف كيف تم «العرس» وكيف خرج، ويعرف قدرات وحجم الجميع، وأنها مجموعة رؤوس فقدت صلتها بقواعدها القديمة عندما قررت الارتماء في أحضان الأجهزة والسلطة الجديدة، ولكنه ـ رغم ذلك ـ كان في حاجة إليها كديكور مفيد في إخراج المشهد». على كل حال، يرى سلطان ان «مصر بدأت مرحلة جديدة من تاريخها، والسيسي هو الرئيس المصري الجديد، وأعتقد أنه يدرك جيدا أن الفصل الأول من المشهد ـ الانتخابات ـ لم يكن هو الأصعب، بل هو الخطوة الأسهل نسبيا، وأن القادم هو الأصعب، فلم يعد بإمكان السيسي أن يختبئ خلف أحد ويقول انه مجرد وزير أو قائد عسكري، الآن هو المسؤول الأول، وهو الشخص الذي سيحمل كل أعباء المرحلة المخيفة الحالية، وهي مرحلة تحمل من التعقيدات والخطورة ما كان يستدعي التحوط من صدارة المشهد، ولكن كان قلق المؤسسة العسكرية وأجهزتها من ضعف البنية التنظيمية للأحزاب القائمة بما يهدد بعودة الإخوان لصدارة المشهد من جديد».
لم يكن بحاجة لانتخابات
فقد تزوج مصر بعقد عرفي
ومع مزيد من القرءاة لمدى شرعية الرئيس الوليد وهذه المرة على يد محمود سلطان في جريدة «المصريون»: «الهدف من الانتخابات ـ التي انتهت يوم أمس 28/5/2014 ـ كان بنية تنظيم احتفالية ترسيم السيسي رسميا في الحكم، بعد أن انتقلت إليه السلطة بـ«عقد عرفي» منذ 3 يوليو/تموز 2013.. وبالتالي فإن مسألة فوزه لم تكن تشغل بال أحد، مشكلة السيسي وأنصاره ومعسكره، محصورة عند الأرقام المحضة: عدد الناخبين (بدون نسب مئوية).. وعدد المصوتين لصالحه (بدون نسب مئوية).. هذا هو التحدي الأخطر الذي بموجبه يمكن التحدث عن «شرعية» للسيسي من عدمها. كل المراقبين في الداخل والخارج اجمعوا على أن نسبة التصويت كانت فضائحية.. وقال لي قاض شهير عصر أمس من داخل إحدى اللجان متهكما، ان التصويت هذه المرة من «الخيال العلمي».. ونحن معشر الصحافيين شاهدنا بأنفسنا ما يمكن وصفه بـ»صفرية» الاقبال.. والذي لا يمكن بحال الاعتماد عليه في تقرير مستقبل أخطر منصب سياسي في البلاد. معسكر السيسي بكل ثقله من أدوات الدولة العميقة، أمام تحد خطير، ولن يسمح بتمرير النتائج كما هي وكما سجلها الصندوق بأمانة.. ولم يعد أمامهم إلا التلاعب في الأرقام». ويعترف سلطان بان «المشكلة تكمن في أن الإعلام الميري «المؤيد» والإماراتي «الداعم».. كان ينقل على الهواء لحظة بلحظة المشهد من أمام اللجان.. وكانت الصور صادمة وكئيبة.. أحال ذات الفضائيات إلى سرادقات عزاء ليلية لم تكف عن لطم الخدود وشق الجيوب ولعن المصريين وشتمهم بأقذع الألفاظ وتهديدهم بالثبور وعظائم الأمور إذا لم ينزلوا ولم يشاركوا في الادلاء بأصواتهم.. بلغت حد التهديد بتجويعهم وافقارهم بفرض «الجزية» عليهم وهم صاغرون (500 جنيه غرامة لكل مقاطع)».
الرئيس المؤقت يستحق التحية
ولازال الإعجاب ينهال على الرئيس المؤقت عدلي منصور وها هو احمد سعيد طنطاوي في «الاهرام» يهطل عليه مزيد من الثناء: «لا أنكر إعجابي الشديد بالرئيس عدلي منصور، هذا الإعجاب ممزوج بالاحترام قل أن تعطيه لشخص في هذه الدنيا هذه الأيام خاصة مع تقلب الموائد وتقلب الجالسين عليها وحولها.. وأعتقد أن هناك مجموعة كبيرة جدا من المصريين تكن له نفس الإعجاب والتقدير والاحترام. احترمته حين تكلم في القمة العربية فأحسن الكلام والخطابة.. واحترمته حين جلس على كرسي الحكم ولم يطمع فيه.. ولم يُعد جيشا جرارًا من الموالين والمنافقين وأصحاب المنفعة لكي ينقض معهم كقائد على العرش حين تقترب فترته المؤقتة على الانتهاء.. فيعلن استعداده لترشيح نفسه بعد أن يكون رسم صورة ذهنية جيدة عند الناس». ويواصل طنطاوي اعجابه بمنصور: «احترمته حين احترم القانون.. واحترم مؤسسات الدولة واحترم رغبة الشعب في أن يكون لهم رئيس مؤقت ضمن خارطة الطريق، وحين تحمل المسؤولية في ظرف استثنائي.. وهو يعلم أن منتقديه سيحولونه إلى سخرية دائمة ومتصلة. احترمته حين ذكرنى بالحكمة التي تقول: «رحم الله امرءا عرف قدر نفسه» ولقد عرف قدر نفسه وعلمها حين قال: «لا أقدر أن أترشح للسلطة لأن الرئاسة عبء لا أستطيعه»، وأنه حتى الآن لم يقبل راتبًا كرئيس للجمهورية، ومازال يتقاضى ما يعادل قيمة راتبه القديم كرئيس للمحكمة الدستورية العليا».
رئيس محصن ضد النفاق
ونبقى مع الرئيس الجديد ونصائح ينبغي عليه ان يستمع اليها من رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين: «مبروك للمشير عبدالفتاح السيسي فوزه بمنصب الرئيس بهذه الثقة الكبيرة من المصريين. ربما تكون هذه أعلى نسبة فوز في انتخابات رئاسية حقيقية ونزيهة وتحت الرقابة.
ومع كل التمنيات للرجل بالتوفيق فإن مسؤوليتي امام الله ككاتب ان اوجه هذه الرسالة إلى المشير قبل ان يتسلم الامانة. نسبة الفوز الكاسحة كفيلة بأن تجعل أي شخص مهما كان متواضعا ومحصنا أن «تلف دماغه»، والسيسي التفت حوله غالبية المصريين ما عدا أنصار جماعة الإخوان وبعض المقربين منهم، وحصل على أصوات تقارب ما حصل عليه محمد مرسي وأحمد شفيق معا فى انتخابات الرئاسة الماضية، وبالتالي فإن هذا الفوز غير المسبوق ينبغي ان يتم فهمه في سياقه الصحيح. لكن لماذا صوتت الغالبية للمشير يقول رئيس تحرير «الشروق» «لأن لديها ثقة في ان الرجل سيحل كل مشاكلها ومشاكل مصر «الكبيرة والكثيرة والمتلتلة». الذين وضعوا أصواتهم في الصناديق طوال ثلاثة أيام لصالح المشير، يريدون أن يعيشوا حياة كريمة وفي أمان، وأن يكون لديهم ولأولادهم مستقبل وأمل في الغد». ويرى عماد ان «الذين قالوا نعم للسيسي ورفعوا صوره في كل مكان ومنهم بسطاء وغلابة يحلمون بوظيفة لائقة، وسياحة مزدهرة، الذين قالوا نعم للسيسي يراودهم أمل في ان ينعموا بتعليم جيد وخدمات صحية لائقة وبنية تحتية متطورة، يريدون شارعا نظيفا، ومرورا منسابا، وتنظيم الباعة الجائلين في اماكن محددة، هؤلاء يريدون دولة قوية مستقرة ليست مثل سوريا أو ليبيا أو الصومال، وليست أيضا مثل بعض إمارات الخليج. هم يريدونها قوية وحرة ومتحررة وتنعم بحريات التعبير والإعلام وتحترم فيها حقوق الإنسان ويتم فيها مواجهة كل المخالفين بالقانون العادل».
لكن كيف سيتعامل المشير
مع هذه الأغلبية العمياء؟
السؤال مهم للغاية حيث لا يعقل ان يكون هذا النجاح وليد صدفة، بل انه يضع صاحبه في ورطة كما يشير عمرو خفاجي في «الشروق»: «بقي حصول المرشح عبدالفتاح السيسي على أكثر من 23 مليون صوت رقما صادما على المشهد الانتخابي، وعلى جميع أطرافه، وأولهم المرشح عبدالفتاح السيسي، فكيف سيواجه هذا الرجل هذه الثقة وهذا التفويض، كما أن هذا الرقم يجب ألا يفرح الرجل أو يذهب به للغطرسة أو للغرور بقدر ما يدعوه لاستيعاب صعاب دلالاته، وتفاصيل مهمته، التي صارت أكثر صعوبة، بل هذا الرقم (23 مليون صوت) في تقديري يضع الرجل في مأزق حقيقي، أعانه الله على مواجهته، وعلى الخروج منه، لأن في تقديري أيضا، أن ملايين الأصوات ذهبت إليه ثقة في قدراته على تأمين الحاضر وبلوغ المستقبل كما يحلم الشــــعب، كما ذهبت إليه هذه الأصوات لاعتقاد كثير من البسطاء أنه البطــــل والزعيم والملهم والمخلص، على الرغم من أن أول خطوات نجاح الســــيسي أن يدرك أنه ليس البطل ولا الزعيم ولا الملهم ولا المخلص، وإنما المفوض بإدارة بلاد كانت على شفا الانهيار والانكسار والفوضى، وتنتظر التخلص من كل ذلك، والتقدم نحو التماسك والثبات والاســــتقرار.
من دون لف أو مواربة، أو الدخول في تعقيدات قراءة الأرقام الأولية ودلالتها. إن هذه الثقة المفرطة من الناخبين في شخص عبدالفتاح السيسي، ما هي إلا سيف بتار على رقبته، سيف ذو نصل حاد، لن يرحم تخاذل أو انحراف صاحب الثقة. إن حالة الاكتساح التي هيمنت على الانتخابات الرئاسية ما هي إلا مأزق عظيم وقع فيه السيسي قبل أن يبدأ مهمته، مأزق لا يمكن تجاوزه إلا بإنجازات تستطيع أن تطال قامة الرقم المذهل الذي هو تقريبا يساوي ما حصل عليه المرشحون مجتمعين في انتخابات رئاسة 2012».
انتهى زمن الزعيم الملهم
والإخوان عليهم التوبة
وها هو نادر بكار احد رموز حزب النور الذي مثل ظهيراً شعبياً للمشير يقر في جريدة «الشروق» بان الرئيس المقبل لن يكون بمنأى عن النقد: «ازمنة كان القائد فيها ملهما ومسددا لا يجرؤ أحد على انتقاده أو تصويب خطأه قد ولت بغير رجعة، بل حتى الحديث عن البطولة الشعبية سرعان ما سينحسر ولن يتبقى في الجعبة إلا العمل والعمل وحده…… (ممارسة دور البطل الشعبي بجوار دور القائد أمر باهظ التكلفة). ويحيي بكار منافس السيسي: «كل التقدير على الصعيدين السياسي والإنساني لرجل مثل (صباحي)، أظهر في توقيت حاسم معاني يصعب تكلفها أو اصطناعها، انحاز إلى مصلحة عامة فضلها على مصلحته الشخصية، وتحمل انتقادات عنيفة من داخل الإطار المساند له وأضعافها من خارجه بثبات انفعالي منقطع النظير… دورك في معارضة إيجابية وعمل سياسي بناء ينتظرك في المرحلة الجديدة». ويرى بكار ان «المرحلة الجديدة تحتاج أداء إعلاميا يختلف اختلافا جذريا عن وصلات الردح ونوبات التشنج وبذاءة اللسان وسطحية الطرح التي أتخمنا بها كثير من الإعلاميين على مدار ثلاث سنوات مضت، وبلغت أوج تدنيها خلال فترة انتخابات الرئاسة، المرحلة الجديدة تتطلب منهم طرح حلول منطقية واقعية ينحازون فيها إلى بناء وطنهم من دون استعلاء أو تنظير من قمم الأبراج العاجية». لكن نادر بكار الخصم اللدود لا يترك الفرصه تمر من دون الهجوم عليهم: «المرحلة الجديدة تحتاج (إخوانا مسلمين) لا يروعون ابناء وطنهم ولا يتبنون تخريبا وهدما وتعطيلا، تحتاج منهم أن يتأملوا مقولة كهذه ربما كانت من نتيجة صنيعهم هنا في مصر وهم لا يشعرون: (هناك حكام يقتلون شعوبهم ليبقوا على كرسي الحكم، وهذه الحكومة ــ يشير إلى حكومة حماس في غزة ــ تغادر الكرسي من أجل شعبها) اسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني المستقيل تعقيبا على اتفاق المصالحة».
عليه أن يعلم أن تشويه
ثورة يناير يضر بسمعته
ينتقد كثير من رموز ثورة يناير/كانون الثاني تلك النظرة التي يبديها الرئيس الفائز بثورتهم، وهو ما جعل عمار علي حسن في «المصري اليوم» يحذره من عواقب موقفه من الثورة: «لا يمكن للسيد عبدالفتاح السيسي أن ينجح في حكم هذا البلد إلا إذا انطلق من أن ما جرى في يناير 2011 ثورة لها مطالب لابد من الاستجابة لها، منها هدم بقايا استبداد وفساد نظام مبارك وبناء نظام جديد حر وعادل ومنجز. فأي محاولة للحفاظ على النظام الذي ثار ضده المصريون أو ترقيعه أو الالتفاف على الثورة وتفريغها من مضمونها والتخطيط لتشتيت قواها الأصيلة، وليس الدخلاء الذين حاولوا سرقتها من الإخوان وأتباعهم، لا محالة فاشلة، وستقود البلد إلى مزيد من عدم الاستقرار. فما جرى في يناير كان صيرورة تاريخية وحتمية اجتماعية وصلت إليها مصر نتيجة تلكؤ مبارك في إجراء إصلاح تدريجي، وهذه الصيرورة وتلك الحتمية ستأكل كل من يقف في طريقها». ويرى عمار إن «من النتائج الأساسية لثورة يناير أن الصمت قد رحل إلى غير رجعة، وأصبحت ثقافتنا السياسية إيجابية بشكل لافت، ولن يسكت الناس أبدا عن أي ظلم وقهر وضيم وإهانة أو تشويه، كما لن يسكت الشعب عن حفنة من أولئك الذين يريدون أن يهيلوا التراب على كفاحه، ويشككونه في نفسه، ومن بينهم من هو معروف بعلاقته القوية بأجهزة الأمن أيام حبيب العادلي وقبله، ومن على صلة برجال أعمال فاسدين يبذلون جهدا هائلا من أجل عدم تحقيق الثورة للعدالة الاجتماعية، ومن كانوا يتنعمون أيام مبارك، ويأخذون من حقوق الشعب ما ليس لهم».
قبلة على جبين
حمدين صباحي
كان بوسع حمدين صباحي ان ينسحب من خضم الانتخابات الرئاسية ويضع السيسي في مواجهة صعبة مع العالم، لأجل ذلك يقدر رجال المشير ذلك الموقف جيداً وهو ما يصر عليه حمدي رزق، الذي كان قبل اسبوع قد هاجم حمدين بضراوة لكنه يمنحه اليوم قبلة عبر «المصري اليوم»: «لو كان هناك فائز بعد الوطن.. سيكون حمدين صباحي، أما السيسي فقدر الوطن، والوطن قدره، أعانه الله علينا رئيسا، وأعاننا الله عليه رئيساً منتخباً يعاب وينتقد، أما حمدين ففاز بوسام الاحترام، كان شجاعا حين ترشح، وهماما حين قبل المنافسة أمام حبيب قلب المصريين، وأصيلا حينما رفض الانسحاب وكانت الضغوط قاسية، وأصر على استكمال السباق، وحتما سيبلغ تحياته للرئيس، ويعود إلى صفوف الجماهير مواطنًا مصريًا صالحًا، جنديًا يذود عن حياض الوطن المقدسة». ويواصل رزق تطييب خاطر حمدين: «ولا تهنوا ولا تحزنوا، حمدين صباحى لا تحزن، الفرحة التي تغمر ربوع الوطن ساهمت فيها بنصيب، فافرح، واسعد معنا، كنت أحد صُناع السعادة، لولاك وتضحيتك وجرأتك ما كانت هناك انتخابات، ولعدنا إلى عصور الاستفتاءات، والخمس تسعات، الحمد لله أن جعل فينا من يملك عزيمة المقاتلين، فيتخذ موقعه مرابطا على حدود الوطن، ينفذ المهمة التي طلبها الوطن في ظرف جد دقيق. ولا تبتئس من النتيجة، كانت معلومة سلفاً، لبّيت النداء، وما كان العرس لولا إقدامك يوم جبن البعض، وخشي البعض، وبلغ البعض الفرار، ثبت وقررت وعزمت وتوكلت على الله، أن تهب الوطن رئيسًا في منافسة شريفة، في مزاد على الوطنية، في سباق نحو الفقراء، في اتساق كامل مع شعارات الثورة المصرية 25/30 نحو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والعدالة الإنسانية».
ليس كل ما يتمناه المرء بيد السيسي
ولأنه لا حديث في الصحف سوى عن السيسي وفوزه التاريخي، فلازالت آمال الجماهير معلقة به لتحقيق احلامهم، وهو ما دفع ناصر عراق في «اليوم السابع» لأن يذكرهم بأن الرجل ليس بيده فعل المعجزات: «الأحلام التي ينتظرها الناس من الرئيس عبدالفتاح السيسي ضخمة وكبيرة ومعهم حق، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، والملايين من الشعب باتت سجينة الهموم والعوز ـ بتعبير المشير نفسه ـ من جراء سياسات فاسدة أقرتها أنظمة بائسة في العقود الأخيرة، فكيف سيحقق الرئيس أحلام المصريين التي هي أحلامه أيضا؟». ويتفق عراق مع رأي الكثيرين في ان «سر نجاح الحاكم يكمن في حاشيته ورجاله الذين يختارهم بمحض إرادته ليعاونوه في تسيير شؤون الحكم..». ويتساءل ناصر: «كيف سيختار الرئيس الجديد رجاله الذين سيكونون أقرب إليه من حبل الوريد؟ وما هي المعايير التي على أساسها سيحدد المواقع التي سيديرونها؟ إن عملية الاختيار هذه تعد أحد المفاصل بالغة الأهمية لضمان النجاح في مهمته بوصفه رئيسًا جديدًا لمصر، وليتذكر جيدًا أن رجال مبارك الذين أحاطوا به ثلاثين سنة كبيسة كانوا ضمن أهم الأسباب في سقوطه، ورجال مرسي وجماعته أسهموا بغبائهم التاريخي في تنفير الناس منه ومن جماعته». ويؤكد ان اختيار الرئيس عبدالفتاح السيسي للفريق المعاون له سيتوقف عليه مدى نجاحه في حكم مصر
نتيجة الإنتخابات كانت
معروفه منذ عزل مرسي
ونتحول نحو وجهة نظر الاسلاميين مما جرى في الانتخابات، وها هو محمد جعفر في «الحرية والعدالة» يرى ان ما حدث كان معداً له بعنايه: «لا مشكلة إذًا في إعلان اللجنة العليا عبد الفتاح السيسي ـ قائد الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح بأول رئيس منتخب وقتل وشرد الآلاف ـ رئيسا لمصر، فهو انتصار مستحق طبقا لتكهنات الجميع، إنما المشكلة التي تؤرق اللجنة هي مراعاة نسب التصويت، وأن تكون في حدودها الدنيا أعلى من تلك التي حصل عليها الرئيس مرسي. والمتابع للانتخابات في الخارج يدرك ذلك بوضوح، فقد مددت اللجنة فترة التصويت ليوم ثالث ثم مددت ليوم رابع بدون إبداء أسباب منطقية، حتى تخطى التصويت حاجز 310 آلاف الذين صوتوا في الانتخابات الرئاسية الماضية. وراجع تصريح المتحدث الرسمي باسم اللجنة المستشار عبد العزيز سالمان الذي قال: «أنا لا أعقد مقارنة بين هذه الانتخابات والانتخابات الرئاسية الماضية، إلا أن عدد المصوتين هذه المرة أكبر، وتم رصد 180 ألف صوت جديد صوتوا في هذه الانتخابات ولم تشملهم قواعد البيانات». ويرى جعفر ان «مقاطعة الخارج كانت دلالة على ما سوف يحدث في الداخل، إذ إنه من السخف أن يقول البعض إن المواطن في الخارج له اهتمامات مختلفة عن مواطن الداخل، لا سيما بعد ثورة يناير/كانون الثاني التي ربطت أبناء الوطن بهمومه ومستقبلهم بمستقبله. وبغض النظر عن الاستكبار الإعلامي لمعسكر الانقلاب، وتأكيده الدائم على الشعبية الجارفة «للوسيم» خرج بعض السياسيين ليعبروا عن قلقهم من نسب المشاركة في الخارج، فقد أكد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية عمرو هاشم ربيع – في مقال بصحيفة «المصري اليوم» – أن التصويت خارج مصر يشكل جرس إنذار لما سيكون عليه الوضع في تصويت الداخل، داعيا لتحرك عاجل لحث المصريين على المشاركة خاصة بين قطاع الشباب».
الإنتخابات أسقطت أسطورة رجال الرئيس
لكن وبعد ان وضعت الحرب اوزارها وانتهى الحدث الكبير كيف نقيم الرجال الذين وقفوا بجوار المشير،هذا ما يشير إليه محمد الدسوقي رشدي في «اليوم السابع»: «فشل الذين قدموا أنفسهم للمشير من إعلاميين وسياسيين ووجوه مباركية قديمة على أنهم سجادة حمراء تصل به إلى كرسي حكم يدوم، كما كشفت للمشير نفسه كمرشح رئاسي ولأي مرشح رئاسي آخر في المستقبل أن العهد الذي كانوا يحكمون فيه مصر بالخوف واستغلال شعارات الحفاظ على الأمن الوطني ومداعبة العواطف على طريقة «المصريين أهمه حيوية وعزم وهمة»، انتهى للأبد طالما ظل المصريون باقين على العهد في إدهاش ومفاجأة الناس.عدد مكاسبك ومكاسب الوطن يا أخي مما حاول البعض أن يصفه بأنه فشل للانتخابات الرئاسية، عدد مكاسبك يا أخي وستكتشف أن الله وحده يمنح هذا الوطن فرصة لبداية جديدة تؤسس لديمقراطية توافقية لا ملك فيها ولا حاكم فرد منزه عن الهوى، كما ان كل الأحزاب التي أعلنت دعمها للسيسي وحمدين، ووعدت بحشد انتخابي هائل انكشفت عورتها وظهر ضعفها وتبين للناس أن قدرتها تتوقف عند حد تعليق لافتة دعاية أو بوستر في ميدان شهير.. هذه الأحزاب ماتت، وأصبحت الفرصة مواتية لظهور تيار سياسي جديد. كما انها كشفت كل رموز«الوطني» وإعلام مبارك الذين أوهمونا بأنهم ضمانة لأي حاكم قادم سقطوا وفضحهم الناس.. وأصبح الباب مفتوحا لظهور خطاب إعلامي ووجوه إعلامية مختلفة». ويرى رشدي انه «انتهت إلى الأبد فكرة الرئيس المستدعى، الكل الآن يدرك أن الرئيس الجديد يحكم وفقا لما منحه الدستور والقانون من صلاحيات، وليس وفق صلاحيات الزعامة الشعبية. وليس أمام الرئيس القادم سوى البحث عن توافق وطني حقيقي، فلا إدارة لدولة قوية بمنطق كله بالحب، وكله علشان خاطر مصر».
ينبغي أن يسير
على خطا الخليفة عمر
والى احد السعداء بنتائج الانتخابات ومتيم بالفائز.. عباس الطرابيلي في جريدة «الوفد»: «لم ينتظر الناس الاعلان الرسمي لنتيجة الانتخابات.. فالشعب عرف بحسه المرهف ان الرجل الذي حمل رأسه- وكفنه- على يديه هو الرئيس الفعلي الذي انتظرته طويلاً.. وإذا كانت عبقرية جمال عبدالناصر برزت خلال معركة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، فإن كاريزما السيسي برزت يوم قاد الجماهير ليسقط حكم الإخوان.. الذين مازالوا يرونه عدوهم الأكبر الذي أنهى حلمهم التاريخي الذي سعوا إليه منذ نيف وثمانين عاماً وملأت الجماهير ميادين مصر احتفالاً بفوز الرجل. وكم أتمنى أن نؤجل الاحتفال إلى ما بعد أن يؤدي الرجل اليمين الدستورية، التي في مقدمتها حماية أمن ووحدة الوطن والدفاع عن رغبات أهله في حياة كريمة.. خصوصاً وأن نفس اليمين «أداه» الدكتور مرسي.. ولكنه لم يعمل به.. بل سار على نقيضه، ومن أيامه الأولى. ولم يتعلم «مرسي» من الدرس الذي ضربه محمد أنور السادات- وهو يخاطب كل المصريين- عقب نجاحه في انتخابات الرئاسة فقد بدأ كلمته بشكر الذين أعطوه أصواتهم جنباً بجانب شكره للذين حجبوا عنه أصواتهم.. أما «مرسي» فكانت جريمته الأولى انه خاطب «فقط» أهله وعشيرته». ويطمح الكاتب الى أن يخاطب المشير السيسي كل المصريين: «الذين منعوا عنه أصواتهم، قبل الذين أعطوه أصواتهم.. وكذلك أصحاب الأصوات الباطلة، الذين نعرفهم تماماً». ويتساءل الطرابيلي عمن سيختارهم الرجل ليعمل من خلالهم.. ويتحرك بعد مشورتهم.. فكم من حاكم بدأ حكمه رشيداً.. مستنيراً.. عادلاً تصدق فيه مقولة السفير الروماني القادم من القسطنطينية عندما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نائماً تحت شجرة «حكمت. فعدلت. فأمنت.. فنمت.. يا عمر».
حسام عبد البصير