في 9 كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي عن الانتصار على داعش بعد تحرير أراضي الدولة التي كانت تحت سيطرة التنظيم منذ 2014، بما فيها المدينة الثانية من حيث حجمها، الموصل. العبادي قال إن العراق دخل إلى «مرحلة ما بعد الانتصار على داعش». إلى جانب الإنجاز في هزيمة الدولة الإسلامية، بعد تنبؤ الكثيرين بانهيار وتفكك العراق كدولة، ينسب للعبادي الفضل ـ العراق وخارجه ـ بنجاح قيادة الجهود التي مكنت من الحفاظ على سلامة الدولة الجغرافية والحفاظ على الأطر السياسية مع التأكيد على الجيش وقوات الأمن الأخرى.
وعلى الرغم من الهزيمة الجغرافية لداعش، فإن تهديد الإرهاب الإسلامي لم يختف بعد. التأييد الأيديولوجي لإيران ما زال من نصيب الكثيرين في العراق وخارجه. على خلفية إضعاف داعش خلال العام 2017 حدث انخفاض بنحو 50 في المئة مقارنة بعام 2016 في عدد القتلى بالعمليات الإرهابية في أرجاء العراق. ولكن في كانون الثاني 2018 زاد مقارنة بالشهر الماضي عدد المواطنين الذين قتلوا في العمليات التفجيرية في العراق، وعدد كبير من هذه العمليات في بغداد. على هذه الخلفية تتواصل طوال الوقت العمليات العسكرية لقوات الأمن من أجل تطهير مناطق أخرى يسيطر عليها داعش في أرجاء العراق.
القيادة العراقية يمكنها الآن التركيز على إنجاح الجهود لفتح صفحة جديدة من خلال توجيه الاهتمام والموارد من أجل التغلب على التحديات الكثيرة التي ما زالت موجودة. وفي المقام الأول تعزيز التكافل الداخلي مقابل الفجوات الكبيرة والمواجهات التي ما زالت موجودة بين الجهات القطاعية ـ الطائفية المختلفة وفي داخلها، بما في ذلك حل مشكلة اللاجئين الكثيرين الذين لم يعودوا بعد إلى منازلهم، وإصلاح البنى التحتية المدنية وتقليص نفوذ الجهات الخارجية.
الانتخابات البرلمانية العامة التي يتوقع إجراؤها في 12 أيار 2018 والخطوات السياسية التي ستأتي في أعقابها ستؤثر بشكل مباشر على احتمالات قدرة العراق على تعزيز الاستقرار في الدولة. استطلاعات الرأي العام التي أجريت في العراق ومقابلات مع متخذي القرارات في الدولة تشير إلى تفاؤل حذر، إلى جانب الشك في قدرة الدولة على التغلب هذه المرة على الظروف التي أدت إلى التدهور في مرات سابقة.
المقال لا يتفاخر بالتنبؤ بنتائج الانتخابات (على فرض أنها ستجري في موعدها المخطط له)، بل سيركز على استعراض الجهات الرئيسية التي تؤثر الآن على التطورات في العراق، وتحليل التداعيات المحتملة التي يمكن أن تحدث.
رئيس الحكومة الحالي، العبادي، حاول القيام بعملية للمنافسة المشتركة لكل الأطراف الشيعية في الانتخابات (الذين يشكلون الأغلبية في السكان تفوق 60 في المئة) ولكنه فشل. الزعيمان الشيعيان الخصمان نوري المالكي رئيس الحكومة السابق الذي هو اليوم نائب الرئيس، والعبادي (اللذان ينتميان عمليًا لحزب الدعوة، وكانا تنافسا في الانتخابات الأخيرة) أعلنا أنهما سيتنافسان في قائمتين منفصلتين (ائتلاف القانون وحلف النصر على التوالي). إلى جانب هذه القوائم ستتنافس أيضًا قائمة أخرى تضم الحزب الشيوعي العراقي المدعوم من الزعيم الديني الشيعي مقتدى الصدر الذي هدد في البداية بمقاطعة الانتخابات إذا لم يتم القيام بتعديل طريقة الانتخابات.
العبادي طالب أيضًا بأن يعطي لقائمته صورة تتجاوز الطوائف، لكن عمليًا حتى لو كان في قائمته ستكون في النهاية عناصر سنية أو كردية، وسيكون ذلك شكليًا، والتقسيم السياسي في العراق سيتواصل بعد انتخابات 2018 ليكون قطاعيًا. قدرة السنة على زيادة مكانتهم السياسية بقيت محدودة جدًا إلى جانب أمور أخرى، بسبب غياب الزعامة، وعلى خلفية العدد الكبير للسنة بين اللاجئين الذين لم يعودوا بعد إلى أماكن سكنهم. إن محاولاتهم تأجيل الانتخابات رفضتها المحكمة العليا. والأكراد الذين ضعفت قدرتهم على المناورة بدرجة كبيرة في أعقاب فشل زعيمهم برزاني في قيادة عملية الاستقلال، يصلون إلى الانتخابات مهزومين عسكريًا وبانقسام سياسي بارز فيما بينهم. إضافة إلى ذلك يبدو أن رئيس الحكومة العبادي يواصل تشجيع الإيرانيين في محاولة لإزالة كل علامة من علامات الاستقلال. الصعوبة في التوصل إلى اتفاقات مع الإدارة المركزية في المواضيع الاقتصادية ومكانتهم الضعيفة، من المتوقع أن تضر الأكراد في الانتخابات، وتصعب عليهم الحفاظ على مكانتهم السياسية وعلى نصيبهم الاقتصادي من كعكة الحكم.
لا خلاف على أنه بعد الانتخابات القادمة ستواصل الأحزاب الشيعية الحفاظ على أغلبية في البرلمان، وسينجح ممثلها في تشكيل ائتلاف، ويصبح رئيسًا للحكومة. لرئيس الحكومة العبادي الذي نجح في تثبيت نفسه كزعيم مجتهد ومخلص ويعمل لتحقيق مصالح الدولة، ثمة احتمالات جيدة لأن يترأس الكتلة الشيعية؛ وذلك لأنه إلى جانب النجاح أمام داعش فقد كان له دور في إحباط محاولة الزعيم الكردي برزاني في تحقيق الاستقلال للإقليم الكردي خلال العملية العسكرية الناجحة لإعادة احتلال مدينة كركوك من أيدي الأكراد. ومع ذلك، وفي هذه المرحلة ما زال مبكرًا تأبين احتمالات المالكي في تعزيز قوته. ومهما كان الأمر، فإنه مثلما في الانتخابات الأخيرة، وكما يخلق الانقسام في أوساط الشيعة عدم يقين، يمكنه أيضًا إحداث شراكات جديدة من شأنها في نهاية المطاف أن تقلب الأمور رأسًا على عقب في كل ما يتعلق بهوية رئيس الحكومة القادم.
دور الميليشيات الشيعية
الحصول على لقب رئيس الحكومة سيكون له تأثير على الطريق المستقبلي للعراق، ولكن الأهم هو تحليل الآلية التي تحدث في هذه الأثناء في أوساط الشيعة، ولا سيما ما يتعلق بمعاني قرار قوات مليشيات الحشد الشعبي، وهو إطار فوقي للمليشيات الشيعية في العراق التي تدعم إيران عددًا منها، للاندماج في سياسة العراق.
مسألة مستقبل المليشيات الشيعية في العراق تعبر أكثر من أي شيء آخر عن النضال المتوقع أن يصل إلى الذروة بعد الانتخابات، بخصوص توجه العراق. النقاش يجري بين الجهات الشيعية فيما بينها، ففي الغلاف الخارجي تشارك إيران في محاولة للتأثير من جهة، وجهات غربية وعلى رأسها أمريكا وحلفاؤها السنة وبالأساس السعودية، من جهة أخرى. المليشيات الشيعية كانت منذ 2014 عنصر القوة الرئيس والأكبر الذي حارب إلى جانب الجيش العراقي ضد داعش. وعمليًا، ومن المتفق عليه أنه بدون تدخلها فإن العراق لم يكن لينجح في الانتصار ويعيد سيطرته على المناطق التي تم احتلالها.
في السنوات الأخيرة، نشر عدد من الأبحاث التي تناولت المليشيات الشيعية، وفي إطارها عادت وظهرت حقيقة أن المجموعات القوية من بين التي تشكل المليشيات هي تلك المقربة من إيران. في أعقاب الحلف الذي عقدوه معها والإخلاص الذي أظهروه طوال الفترة في الدفاع عن مصالحها، فهي تحظى بمساعدة عسكرية واقتصادية واسعة النطاق. علاوة على ذلك، تم إثبات التدخل المباشر لقوة القدس، وقائدها قاسم سليماني، على سلوك المليشيات المرة تلو الأخرى.
المليشيات الشيعية المخلصة لإيران تضم عددًا من المنظمات الصغيرة التي استخدمت كأذرع مباشرة لإيران في العراق وسوريا. مع ذلك، فإن أساس القوة مكون من عناصر قوة عراقية، التي جزء منها يقوم بدور في الساحة السياسية. هم يستمدون قوتهم السياسية من كونهم عراقيين، ولكن قدرتهم العسكرية يحصلون عليها من إيران. منظمة بدر، برئاسة هادي العامري، لها اليوم تمثيل في البرلمان، ووزير من قبله يشغل عضوًا في حكومة العبادي. كان ذلك هو رئيس الحكومة السابق للعراق، المالكي، الذي بتشجيع من إيران دفع هذه التنظيمات إلى الاندماج في سياسة العراق والانضمام لحزبه عشية انتخابات 2014.
النقاش الذي يجري في الأشهر الأخيرة في العراق بخصوص مستقبل المليشيات، عبّر عن الانقسام بين من أرادوا حلها الكامل من أجل زيادة نفوذ إيران في العراق وبين من أرادوا استغلال شعبيتها التي جمعوها كنتيجة لدورهم الحاسم في الانتصار على داعش لزيادة قوتها وتأثيرها في البرلمان. عنصر بارز في النقاش العام الذي تطور، تناول مسألة مستقبل السلاح الموجود لدى المليشيات. رئيس الحكومة العبادي انضم (في منتصف كانون الأول) للزعيم الديني الشيعي السيستاني في مطالبته بتطبيق سياسة لجمع كل السلاح في الدولة في أعقاب الإعلان عن انتهاء الحرب ضد داعش. علينا التأكيد على أن القانون في العراق يمنع عناصر في القوات المسلحة أو عناصر مسلحة من التنافس في الانتخابات البرلمانية، وعلى هذه الخلفية ـ كما يبدو ـ سارع عدد من المليشيات إلى الاستعداد لتسليم السلاح للحكومة والانفصال عن الإطار الأصلي لها. مع ذلك، ليس واضحًا تمامًا إذا كانت السلطات العراقية تعهدت بأن كل المليشيات المتنافسة في الانتخابات قد سلمت سلاحها قبل السماح لقوائمها بالتنافس في الانتخابات. بعد ذلك ستكون ضرورة لفحص الفصل بين العناصر العسكرية والعناصر السياسية. مع ذلك، فالمصلحة الأساسية لمعظم المليشيات ستكون في إبقاء قوة عسكرية في أيديهم، حتى وإن كان هناك فصل ما بين هذا الذراع والذراع السياسي الذي سينتخب للبرلمان، وربما حتى المشاركة في الائتلاف العتيد.
دور إيران
إن التخريب الذي تقوم به إيران بواسطة قوة القدس لحرس الثورة بقيادة قاسم سليماني للجهود المبذولة لإقامة تحالف بين العبادي والمليشيات يدل على مصلحة إيران الكبيرة في التدخل والتأثير الفعلي على نتائج الانتخابات، ويأتي هذا بهدف ضمان أن الائتلاف الذي سيشكل في أعقابها سيخدم مصالحها. من ناحية إيران فإن الوحدة في المعسكر الشيعي مهمة وهي تعمل من أجل أن يكون للشيعة التمثيل الأوسع بقدر الإمكان في الائتلاف، وأن يرى كل زعيم عراقي مستقبلي في التعاون مع إيران شرطًا ضروريًا لبقائه السياسي. في هذا الإطار لا تضع إيران كل ثقلها على شخصية سياسية واحدة، بل تعمل على أن تبقي لها مجال مناورة سياسيًا تقوم بواسطته بإملاء الأجندة المناسبة لها. تدخل إيران في العراق بالطبع ليس جديدًا، بل موجود منذ سنوات بعيدة. لإيران حدود مشتركة مع العراق بطول 1500 كم، وحسب رأيها فإن الأراضي العراقية هي ساحتها الخلفية، وهي تشكل تهديدًا كامنًا على أمنها. من ناحية إيران، فإن القدرة على السيطرة الجيدة على التطورات في العراق تشكل عاملاأساسيًا في استراتيجية أمنها، علاوة على ذلك فإن التأثير على العراق هو شرط مهم لتوفير انتشار قيم الثورة في الأوساط الدينية، الأيديولوجية والعسكرية، حتى على مناطق استراتيجية أخرى مثل سوريا ولبنان.
الجهد الإيراني في هذا الإطار يرتكز على عدد من الصعد السياسية والمدنية معًا. في السنوات الأخيرة تستثمر إيران جهودًا كبيرة لتوسيع نفوذها الاقتصادي، والثقافي والديني في العراق. إن عدم الاستقرار الأساسي الذي يميز العراق، ودخول داعش إلى الفراغ الحكومي الذي وجد بعد انسحاب القوات الأمريكية، وتنوع الطوائف الواسع الموجود فيها، والهيمنة الشيعية، كل ذلك مكن إيران من ترسيخ نفوذها في مناطق واسعة في العراق.
حتى لو كان بين العناصر الشيعية القائدة في العراق من يعارضون إيران أو يحاولون إبعاد أنفسهم عنها، فإنه وفي السنوات الأخيرة نجحت القيادة في إيران بقيادة حرس الثورة في استغلال المساعدة الكثيرة التي قدمتها للمليشيات، لا سيما المجال العسكري، من أجل تحويلها إلى القوة المقاتلة والأكثر تسلحًا والأكثر نجاعة في العراق. من ناحية طهران، هذه القوة تخدم الذراع الرئيسية لقوة القدس في العراق. واليوم التقدير هو أن المليشيات الشيعية تعد 110 ـ 122 ألف مقاتل، وحوالي 50 ألف منهم محسوبون على التنظيمات التي تسيطر عليها قوة القدس.
تدخل الولايات المتحدة وحلفائها العرب
باركت الولايات المتحدة إعلان الانتصار على داعش من قبل رئيس الحكومة العبادي. لأن داعش كان التحدي الأول للإدارات الأمريكية منذ 2014. الرئيس ترامب أكد مرة أخرى هذا الهدف منذ بداية ولايته في كانون الثاني 2017. لقد مرت أشهر منذ احتلال الموصل وإعلان العبادي، وما زالت هناك علامات استفهام حول سياسة أمريكا في العراق في اليوم التالي لداعش. المهم بلورة استراتيجية وترجمتها إلى خطوات عملية، ليس لمسألة مستقبل القوات الأمريكية الموجودة في العراق فحسب، بل أيضًا وبالأساس من أجل استخلاص الدروس من أخطاء الإدارة الأمريكية بعد خروج القوات الأمريكية من العراق في 2011.
الإدارة الأمريكية تدرك الحاجة إلى بلورة سياسية عملية وفعالة تضعها في موقف تأثير بصورة يمكنها الإسهام في تأسيس نظام ديمقراطي في العراق، يأخذ في الحسبان حاجات كل الطوائف ويعمل على تقسيم عادل للموارد. هذا من أجل منع عناصر إسلامية متطرفة ومواجهة الجهود الحثيثة لإيران للسيطرة على الفضاء العراقي، وأن تشكل فيه واقعًا مشابهًا للواقع الموجود في لبنان وسوريا، الذي في إطاره تستخدم القوات العاملة في خدمة إيران (حزب الله) قوتها العسكرية في مراكمة قوة سياسية. ومؤخرًا اعترف وزير الدفاع الأمريكي بأن لدى الإدارة معلومات على أن إيران تعمل من أجل التأثير على نتائج الانتخابات في العراق.
عمليًا، المفاوضات الجارية بين رئيس الحكومة العراقي والإدارة الأمريكية استمرت. وفي الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة أنها بدأت في إخراج قواتها التي تنتشر الآن في العراق كجزء من الاتفاق مع حكومة العراق، وتعمل أيضًا على تنسيق استثمارات أخرى في العراق. ورغم القول في العراق إنه استتبع توجه إدارة ترامب لتقليص الاستثمارات الأمريكية، فإن الولايات المتحدة لا تنوي أن تخصص مباشرة أموالالإعادة إعمار البنى التحتية في العراق في إطار الجهود الدولية التي يقودها اليوم التحالف لترسيخ الاستقرار في الدولة. في اللقاء الذي عقد في الكويت (شباط 2018) نجح أعضاء الائتلاف في تجنيد 30 مليار دولار فقط مساعدات من بين 90 مليار دولار أعلن العراق أنه بحاجة إليها لإعادة إعمار البنى التحتية.
في الوقت نفسه تواصل الولايات المتحدة جهودها للتقريب بين العراق وحلفائها السنة، مع التأكيد على السعودية. إدارات أمريكية سابقة حاولت ذلك ولكن الدول العربية رفضت ترسيخ علاقاتها مع العراق لأنها رأت في المالكي وبعده العبادي ممثلين لإيران. يبدو أنه في السنة الأخيرة زادت جهود السعودية التي تعمل مع اتحاد الإمارات لتعزيز العلاقة مع رئيس الحكومة العبادي ومقتدى الصدر على ضوء تشخيصه كمن يعارض إيران. خلال العام 2017، اتخذت السعودية خطوات عدة كانت ذروتها في زيارة رئيس الحكومة العبادي للرياض، وخلالها دشنت الدولتان بحضور وزير الخارجية الأمريكي لجنة تفكير تشرف على العلاقات بين الدولتين. مؤخرًا تم فتح الحدود بين الدولتين بعد إغلاقها لعشرات السنين، وللمرة الأولى منذ 1990 دشنت السعودية قنصلية في مدينة البصرة. السعوديون يفحصون أيضًا إمكانية توسيع استثماراتهم في العراق كجزء من التوجه لتعميق النفوذ في الدولة. مع ذلك يجب علينا التأكيد على أنه فور زيارته للسعودية سارع العبادي إلى الالتقاء في طهران مع القيادة الإيرانية.
الخلاصة والتداعيات
هزيمة داعش والانتخابات البرلمانية تضع العراق للمرة الأولى منذ سنوات كثيرة أمام احتمالات متزايدة لتحقيق خطوات سترسخ استقراره، وتضمن الحفاظ عليه كدولة موحدة. خلال ذلك ستضطر القيادة العراقية لمواجهة سلسلة طويلة ومعقدة من التحديات. إضافة إلى ذلك، وفي الواقع المعقد لعلاقات القوى في العراق والخطر الذي يكمن في عودة داعش و/ أو عناصر إرهابية إسلامية أخرى، سواء للولايات المتحدة أو لإيران، توجد مصلحة في الحفاظ على وحدة الدولة.
علاوة على ذلك يبدو أن الدولتين تقدران أن رئيس الحكومة العبادي هو الشخصية المناسبة لقيادة العراق حتى بعد الانتخابات، بطريقة تخدم مصالحهما. هو نفسه يحرص على الحفاظ على شبكة علاقات جيدة حتى مع الإدارة الأمريكية ومع إيران أيضًا، بعد نجاحه لسنوات في ترسيخ الحوار والتعاون مع قيادات الدولتين.
ورغم أن للعبادي أفضلية قبل الانتخابات، فإن نجاح حزبه بالحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة ما زال غير مضمون. يمكن الافتراض أنه سيكون للمليشيات الشيعية دور رئيسي في تحديد رئيس الحكومة القادم للعراق. إضافة إلى ذلك، سيكون لهذه المليشيات، التي تماهى جزء منها بصورة مباشرة مع إيران، تأثير كبير على طابع العراق وعلى الاتجاه الذي ستختاره الدولة.
الولايات المتحدة تقيم استراتيجيتها بالأساس على نهج رئيس الحكومة العبادي، رغم أنه في السنة الأخيرة بدا أنه اقترب أكثر من إيران. علاوة على ذلك، من سلوكه في السنة الأخيرة لا يبدو أن للإدارة الأمريكية اهتمامًا ودافعية للرد على الخطوات الإيرانية. الإيرانيون من ناحيتهم يديرون سياستهم أمام العراق بتشعب كبير وعدد من الإبعاد من أجل ضمان نفوذهم في مجمل المستويات. من ناحية طهران، ثمة حاجة إلى ضمان سيطرة إيرانية في العراق تخدم مصالحها الأمنية، وضمن ذلك اهتمامها بضمان ممر إلى البحر المتوسط.
في النضال من أجل السيطرة في العراق، يبدو أن يد إيران حتى الآن هي العليا. يمكن الافتراض أنه حتى لو كانت الرغبة في الحفاظ وتوسيع النفوذ من جانب كل الأطراف، فإن النجاح يرتبط في المقام الأول باستعداد اللاعبين المختلفين لبذل جهودهم ومواردهم من أجل ترجمة أهدافهم إلى خطوات على الأرض. الانطباع هو أن كل من هو مستعد للاستثمار سيكون هو أيضًا من سيؤثر. يشار إلى أن الساحة العراقية، ولا سيما الفرص التجارية في خطوات بناء القوة العسكرية وإعادة إعمار البنى التحتية، تجعل دولاأخرى (من أوروبا وروسيا والصين) تهتم بتوسيع استثماراتها في الدولة.
الوضع المستقبلي للعراق من شأنه أن يكون له تداعيات على مصالح إسرائيل؛ لأن أهميته كدولة مستقلة قادرة على الأداء غير مرهون فقط بكونه في السنوات الأخيرة كان مهد العناصر الإسلامية المتطرفة، بل أيضًا كان بؤرة لتأثيرات خارجية. بناء على ذلك، يجب الاهتمام بالتداعيات الإقليمية النابعة من مكانة العراق الجغرافية، ودرجة التأثير عليه من جهات خارجية.
لا يوجد لإسرائيل تأثير مباشر في العراق، ومع ذلك عليها أن تأخذ في الحسبان أن مستقبل العراق سيؤثر بشكل مباشر على قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها في إعاقة خطوات إيران وحزب الله في المنطقة بشكل عام وفي سوريا ولبنان بشكل خاص. إن جهود إسرائيل في هذا السياق يجب أن تكون موجهة نحو الإدارة الأمريكية، وبالأساس استعداد الإدارة لأن تبقى نشيطة في العراق، وخاصة في كل ما يتعلق ببناء القوة والتأثير على قوات الأمن من أجل منع سيطرة العناصر الشيعية المقربة من إيران على هذه الأجسام. في موازاة ذلك، وفي إطار المصالح المشتركة الموجودة لإسرائيل مع الدول السنية، ولا سيما مع السعودية مقابل إيران، فإن جهودهم لتوسيع النفوذ في العراق يجب أن تكون هدفًا للتحقق من ناحية إسرائيل، وعليها أن تجري معها حوارًا في هذا الموضوع.
تقدير استراتيجي 23/8/19