الصراع الإيراني – الأمريكي وتنظيم «الدولة»

حجم الخط
4

لا يشك متابع للأحداث في الدور الذي تلعبه إيران بموافقة الإدارة الأمريكية داخل العراق وسوريا، وتصمت أمريكا عن التعاون المباشر بين إيران وبشار الأسد أوالتواجد الإيراني داخل بغداد. ولا يتصور عاقل أن يتم هذا بعيداً عن الإدارة الأمريكية التي فشلت في تحويل مسار العراق من بلد يتمتع بالاستقرار في زمن صدام إلى بلد يعاني من الحروب والفقر والصراع منذ الغزوالانجلو – أمريكي للعراق، ومن الزرقاوي إلى البغدادي مروراً بحزب البعث وبعض الفصائل الأخرى. فشلت السياسة الأمريكية في لعبة الدومينوالتي كانت تخطط لها بعد الاستيلاء علي بغداد وتحويل كل دول المنطقة إلى ولايات تابعة لها.
وكانت النقطة الثانية بعد بغداد هي الأردن الدولة التابعة للتاج البريطاني حسب المعاهدات والمواثيق التي وقعها الشريف حسين والرؤية الأمريكية لعمان لم تزل مستمرة في تفكيك هذا الكيان المصطنع وإلحاقة بفكرة حل الدولتين .
هكذا كان التيار الإسلامي المسلح سبباً رئيسيا في فشل السياسة الأمريكية في المنطقة. ولكن بعد ظهور «تنظيم الدولة» ودعمه من قبل بعض الكيانات المناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة كان لابد من إيجاد حليف قوي لواشنطن في الصراع الدائر في قلب العراق لوقف تقدم قوات «تنظيم الدولة» ومنعها من السير نحو بغداد. ولم يكن هذا الحليف سوى البلد الأكثر نفوذاً في العراق بحكم المذهبية الطائفية وهو إيران وأحزابها المنتشرة في طول البلاد وعرضها. و كانت رسالة أوباما إلى مرشد الثورة علي خامئني بشأن دعم أوباما للحليف الإيراني بشار الأسد في استمرار حكمه ودعمه وغض البصر عن شحنات الأسلحة والجنود التي تصل إلى دمشق من إيران وعدم توجيه أي لوم لحزب الله للتدخل في الصراع في سوريا. هذه الرسالة ليست أوهاما بل كشفت عنها الصحف الأمريكية وكات سبباً في استقالة تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي السابق. هكذا استعانت أمريكا بإيران في التصدي لـ «تنظيم الدولة» والسكوت عن تواجده في سوريا وفظائعه في الأهواز والحديث المتناقض عن السلاح النووي الإيراني وصمت القبور عن جرائم الشيعة في العراق والمذابح التي يتعرض أهل السنة على يد أحزاب وميلشيات شيعية مدعومه مباشرة من إيران. كل هذا حتى تشترك إيران مع الولايات المتحدة في التصدي لـ»تنظيم الدولة» الذي بدأ في الفترة الأخيرة في إرباك بعض الخطط الأمريكية خاصة عندما شن هجوما على بعض المناطق التي تتمتع بمصالح أمريكية مثل أربيل.
لم يكن كلامي السابق من قبيل الأوهام فقد أثنى مسؤول عسكري أمريكي على دور إيران وميليشيات الحشد الشعبي الشيعية في هجوم القوات العراقية لاستعادة مدينة تكريت من «تنظيم الدولة» الإسلامية. وقال رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن الهجوم الذي بدأ الاثنين 2/3/2015 يمثل التدخل الإيراني «الأكثر وضوحا» في العراق منذ 2004، هذا بعد بدء نحو ثلاثين ألفا من عناصر الجيش والشرطة المسيطر عليهم من جانب الشيعة في العراق والفصائل الشيعية أكبر عملية هجومية في العراق ضد «تنظيم الدولة».
ولفت الجنرال ديمبسي إلى أن ثلث القوات المشاركة في عملية تكريت هي من الفرقة الخامسة في الجيش العراقي، أما الثلثان الباقيان فمن قوات الحشد الشعبي، وهي ميليشيات شيعية تتلقى دعما من إيران.
ويعد التدخل الإيراني في الشأن العراقي واحدا من أبرز أسباب الخلاف بين القوى السياسية المشاركة في الحكومات العراقية المتعاقبة. إن نفوذ إيران «اتسع في العراق على المستويين الرسمي والشعبي، وظهورها عسكريا رسخ القناعة بأن إيران رسخت وجودها بوقوفها وراء دعم فصائل مسلحة انضوت ضمن الحشد الشعبي تلبية لفتوى الجهاد الكفائي كما تلقت دعما رسميا بعد انهيار الجيش العراقي بسيطرة «تنظيم الدولة» على محافظة نينوى».
وكانت وكالة «فارس» الإيرانية قد أعلنت وصول قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، لتقديم الاستشارات للقادة العراقيين في تنفيذ عملية عسكرية ضد «تنظيم الدولة» الإسلامية.
 إن الهدف من الظهور العلني لسليماني في تكريت هو توجيه رسالة إلى المحيط الإقليمي والدولي بأن إيران «حاضرة بكل ثقلها في العراق لمحاربة «تنظيم الدولة» والجماعات السنية الأخرى وأنها الأجدر بإدارة الحرب ضده، لأن التحالف بقيادة واشنطن – رغم قدراته – عجز عن حماية الشعب العراقي من «تنظيم الدولة».
وقد تسربت معلومات من مستشارية الأمن الوطني العراقية بوجود ثمانية آلاف مستشار إيراني موزعين في العراق بما يفوق عدد نظرائهم الأمريكيين. وقال ضابط في الجيش العراقي على قناة «الجزيرة»: «من خلال متابعتي لما تبثه الفضائيات من مشاهد مصورة أرى أسلحة لم تستخدم سابقا في العراق بحوزة عناصر من فصائل مسلحة، مما يعني أن هناك مصدرا آخر للتسليح، في الغالب يكون إيران».  

محمود طرشوبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية