الصراع الاستراتيجي على ثروات ليبيا وضعها في عين العاصفة

حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: لم تبتعد الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني عن الحقيقة حين أكدت أخيرا أن «ليبيا بلد استراتيجي، ومن الضروري جدا أن يبقى متحدا». فخلافا لبلدان أخرى مُستهدفة بالتقسيم مثل العراق، تعتبر الدول الكبرى الشرقية كما الغربية، أن بقاء ليبيا متحدة أفيد لها وأنسب لمصالحها. وما تبحث عنه القوى العظمى في هذا البلد هو أولا ضمان تدفق النفط والغاز، وثانيا صفقات إعادة الاعمار التي تتسابق بلدان عدة للفوز بالنصيب الأكبر منها، وثالثا احتواء موجات الهجرة غير النظامية القادمة من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء إلى السواحل الايطالية عبر ليبيا.
وحاولت تلك القوى أن تُؤمن مصالحها من خلال علاقات متحولة مع نظام العقيد معمر القذافي، وهي تعمل اليوم على تأمينها من خلال علاقات خاصة مع هذا الفريق أو ذاك من الكتلتين المتصارعتين في البلد منذ 2014. فإيطاليا، وهي المستعمر السابق لليبيا (1911-1943) تستورد منها حاليا قسما مهما من الغاز والنفط، وهي تبني علاقات وطيدة مع قادة ميليشيات مصراتة التي لها اليد الطولى في استتباب الأمن بالعاصمة طرابلس. وتسعى روما من وراء حضورها القوي في ليبيا إلى الظفر بصفقات إعادة إعمار ما دمرته الحملات الأطلسية في 2011. وهي إلى ذلك تطلب من ليبيا أن تقيم على أراضيها مراكز لتجميع المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء، وهو ما رفضه بشكل قاطع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج.

موسكو أحد اللاعبين الرئيسيين

أما موسكو فاستطاعت من خلال عقد صفقات سلاح ضخمة مع نظام القذافي على مدى أربعة عقود، إلى جانب إرسال 6000 عسكري روسي إلى ليبيا، أن تكون أحد اللاعبين الرئيسيين في البلد. لكن الروس يعتقدون أن الدول الغربية وضعت لهم «مقلبا» عندما استصدرت قرارا من مجلس الأمن للتدخل العسكري في ليبيا العام 2011، وهم يعملون اليوم جاهدين لاستعادة مواقعهم السابقة. وراهنوا على قائد الجيش المعين من البرلمان الجنرال خليفة حفتر لكي يعيدوا إحياء الشراكة القديمة ويكسبوا مناطق نفوذ في ليبيا ما بعد القذافي.  ويهيمن هاجس بيع الأسلحة على اتجاهات السياسة الفرنسية إزاء ليبيا، لاسيما أن أكبر صفقة عقدها القذافي بعد اعتلائه سدة السلطة كانت صفقة شراء طائرات «ميراج» من فرنسا. واستمرت باريس مُزودا رئيسا لليبيا بالعتاد والسلاح، رغم التوترات التي أبصرتها العلاقات الثنائية على أيام الرئيس الراحل فرنسوا ميتران، بسبب مضاعفات الحرب الليبية التشادية. وكشفت أخيرا النائبة الفرنسية ايفا جولي أن باريس باعت ليبيا أسلحة بقيمة إجمالية قدرها 210 ملايين يورو، فيما باع الاتحاد الأوروبي ليبيا أسلحة بقيمة 343 مليون يورو في العام 2009 وحده. ويُشارك الطيران الحربي الفرنسي حاليا في الغارات التي تستهدف مواقع تنظيم «داعش»، كما يدعم ضباطٌ فرنسيون قوات الجنرال حفتر. وتتجه أنظار باريس بشكل خاص إلى منطقة فزان في الجنوب الليبي، التي سلمتها الأمم المتحدة إلى فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حتى استقلال البلد في 1952. وينظر الفرنسيون إلى هذه المنطقة، الغنية بالنفط والغاز والماء، على أنها منطقة نفوذ خاصة بهم، ويسعون إلى ربطها بقوس البلدان الافريقية التابعة لهم من تشاد إلى السنيغال.
ودخل الحلف الأطلسي أخيرا إلى حلبة هذا السباق، إذ أعلن على لسان أمينه العام ستولتنبيرغ، بمناسبة الزيارة التي أداها رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج إلى مقر الحلف في بروكسل، «استعداده لمساعدة ليبيا على بناء مؤسساتها العسكرية وأجهزتها الأمنية، مع جعلها تحت سلطة مدنية» في انتقاد واضح لرفض حفتر الخضوع لسلطة المجلس الرئاسي، مثلما نصت على ذلك وثيقة الصخيرات. وأوضح ستولتنبيرغ أن الحلف «على استعداد لبناء وزارة دفاع وهيئة أركان وجهاز استخبارات في ليبيا تحت سيطرة مدنية أسوة بما فعلناه عبر تجارب ناجحة في دول أخرى مثل البوسنة وأفغانستان». وبدا هذا الموقف القوي من الحلف الأطلسي في مثابة دعم لحكومة السراج ورغبة في إيجاد توازن مع الدعم الروسي المتزايد للجنرال حفتر. لذلك لا يمكن اعتبار الزيارة التي أداها السراج إلى مقر الحلف ردة فعل آنية على تصريحات حفتر التي أعلن فيها أنه لن يجتمع مع السراج، مثلما ذهبت إلى ذلك بعض التحاليل. فالعلاقة بين الأطلسي من جهة وحكومة الوفاق، والغرب الليبي عموما، من جهة ثانية هي الخيار الاستراتيجي البديل من الحلف المقابل مع موسكو. وعزا السراج العلاقة مع الحلف أثناء زيارته لمقره في بروكسل الأربعاء الماضي، إلى كونه «يمتلك خبرة عريقة تساهم في رفع قدرات المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا التي تشرذمت بسبب الانقسامات السياسية»، مُوضحا أنه يعمل على بناء «مؤسسة عسكرية واحدة في البلد (لكي) تواجه العدو المشترك وهو الإرهاب».

استقواء الفرقاء
المحليين بالقوى العظمى

ويمكن القول إن أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار الصراع في ليبيا بعد ست سنوات من الاطاحة بالنظام السابق، يتمثل باستقواء الفرقاء المحليين بالقوى العظمى، ومساهمة الدول الإقليمية في تغذية الصراع بين الإخوة الأعداء بالمال والسلاح. كما لوحظ أن العناصر الليبية بدأت تتراجع في تكوين الميليشيات في مقابل تزايد العناصر التونسية والسودانية والتشادية، إذ صارت الأسر الليبية تُرسل أبناءها إلى الخارج لانقاذهم من الموت، بعدما باتت مُقتنعة بعبثية الصراع الأهلي، على ما يقول الخبير في الشؤون الليبية رافع الطبيب. أكثر من ذلك، أصبح الليبيون اليوم يُدركون أن استمرار الاستقواء بالأجنبي يُعبد الطريق لتقسيم البلد ويُؤجل معركة معاودة البناء، التي يدفع ثمن إرجائها كل الليبيين جراء انقطاعات الكهرباء وهشاشة البنية الأساسية وارتفاع الأسعار وفقد السيولة.
ويعتقد خبراء كُثرٌ أن إطلاق معركة الإعمار والاستثمار في المشاريع الكبرى لإصلاح الشبكات وتنمية الاقتصاد سيُشجعان الشباب على ترك السلاح والانخراط في الحياة المدنية، وإن كانت المعركة مع الإرهاب ستستمرُ على الأرجح لسنوات. غير أن كسبها يتوقف على انهاء الاقتتال بين الليبيين وتوحيد صفوفهم للمحافظة على وحدة البلد ووضعه على سكة السلم والاستقرار.

الصراع الاستراتيجي على ثروات ليبيا وضعها في عين العاصفة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية