مع الاجتياح الأمريكي للعراق وما نتج عنه من إطاحة نظام صدام حسين عام 2003 تركزت أنظار المحللين والمراقبين على الدور الشيعي في اللعبة السياسية بشكل خاص، لعدة أسباب لا مجال لتناولها في هذا المقال. وقد صور الإعلام الغربي وتحديدا الأمريكي المجتمع العراقي على انه مكون من ثلاث كتل صماء (الشيعة والسنة والكرد) مع بعض الأقليات الدينية والإثنية الأخرى على هامش المشهد، وتم التعاطي مع هذه المعادلة الافتراضية على انها الحقيقة الوحيدة الكامنة في إدارة سياسات العراق، والمنطقة بعد ذلك. وربما كمنت في هذه النظرة أكبر مآسي العراق الخارج من حقبة الحكم الشمولي، لأنها نظرة تعاطت مع تفكيك (الدولة ـ الأمة) بكل شروطها العابرة للإثنيات والأديان والطوائف وساعدت على بروز واستفحال الهويات ما قبل الدولتية كالطائفة والعرق والدين، التي طرحت نفسها بديلا عن الهوية الوطنية. وأصبح التعاطي مع الهويات الفرعية يبحث عن امتداداته خارج جغرافية الوطن عبر التماهي مع وجودات مشابهة له إثنيا وطائفيا، وهذا ما أجج صراعا ما ان يخبو حتى يتأجج من جديد معتمدا الاستقواء بالخارج كأحد أهم الاستراتيجيات.
ان وهم الكتلة الصماء للطوائف والإثنيات غطت أو حاولت ان تغطي على التنوع والاختلاف والصراع داخل كل كتلة من كتل المكونات الثلاث، وهذا المقال معني بالنظر في الصراع الشيعي ـ الشيعي فقط، وكمدخل تاريخي، لابد من القول ان الصراع الشيعي الداخلي كان عادة ما يكون بين تيارات أو اتجاهات فقهية تستقطب مريديها أو مقلديها. فقد مرت مؤسسة المرجعية الدينية الشيعية بصراعات في تاريخها المعاصر، مثال ذلك، الصراع بين الأصوليين والاخباريين في منتصف القرن التاسع عشر، ثم الصراع إبان ما عرف بالثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين، الذي توزع فيه علماء الشيعة بين مساندي الدستور الذين عرفوا بالمشروطة ومناوئيه الذين عرفوا بالمستبدة. وفي كل صراع مرت به المرجعية كانت الأطراف المتنازعة تسعى لإستثمار رأس المال الرمزي المتمثل في تقليد المريدين عبر ممارسة المراسيم والطقوس الدينية إظهارا لهوية الأطراف المتنازعة، ومحاولة كل طرف تقديم نفسه كحارس للطائفة ومحافظ على جوهرها، والعمل على تكفير الآخر وإخراجه من الملة معتمدا على ترسانته الفقهية .
ومرت الحوزة العلمية في النجف بحالة من الفتور بسبب تراجع دورها في التأثير على مريديها منذ منتصف القرن الماضي بسبب سطوة الحكومات المتتالية وشيوع مفاهيم علمنة المجتمع ومحاولات تحديث الحياة التي أكلت من جرف مريدي الحوزات الدينية، لكن رجال الدين لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل سعوا إلى تحديث الدرس الحوزوي ومحاولة إضفاء صبغة عصرية على المناهج وسياقات التعليم الديني، كذلك بلور عدد من شباب العلماء رؤيتهم السياسية عبر الانخراط في أحزاب سياسية ـ إسلامية (حزب الدعوة الإسلامية بشكل رئيسي) دخلت بدورها في صدام مع حكومة البعث في سبعينيات القرن العشرين وأدت إلى حملة قمع دموية شنها النظام.
وبعد وفاة آية الله العظمى ابو القاسم الخوئي عام 1992 برز صراع في ساحة المرجعية في العراق بعد ان تصدى للمرجعية آية الله محمد الصدر، الذي خاض ثلاث معارك تداخلت وتسلسلت تبعا لمعطيات كثيرة، الأولى كانت ضد الولاية العامة للولي الفقيه آية الله الخامنئي، حيث طرح نفسه بديلا ومنافسا له، والثانية ضد المرجعيات التقليدية في حوزة النجف المنافسة على النفوذ، والثالثة ضد النظام العراقي التي أدت إلى اغتياله عام 1999 لتنزوي الحركة الصدرية مؤقتا لاربع سنوات، وما تلبث ان تنطلق بشعبوية مثيرة للجدل عام 2003.
ان الأحزاب والحركات والتيارات الشيعية التي عادت من منافيها بعد 2003 كانت تحمل إرثا كبيرا من الصراعات والإنشقاقات، كما تحمل تاريخا من المؤامرات والدسائس كان مخفيا تحت قناع العمل السياسي المشترك. فقد قتل السيد مجيد الخوئي نجل المرجع الأعلى ابو القاسم الخوئي في مدينة النجف بعد يوم واحد من سقوط النظام (قتل يوم 10 نيسان/ابريل 2003) على يد مجموعة هائجة مثلت حشدا اتهم بالتبعية للزعيم الشاب السيد مقتدى الصدر الذي سيصبح قائدا لتيار شعبوي هو التيار الصدري. وكان النزاع في بداية الأمر ممثلا في تكتلين، مثل الأول ما عرف بـ (أحزاب الخارج) وهي القادمة من المنافي كحزب الدعوة بأنشقاقاته المتعددة والمجلس الأعلى وبعض الأحزاب الصغيرة كمنظمة العمل الإسلامي وحركة الوفاق الإسلامي وتيار الشيرازي، بينما مثل كتلة الصراع الأخرى (أحزاب وحركات الداخل) وأبرز ممثل لها كان التيار الصدري الذي تكون من حشود جماهيرية مثلت مهمشي وفقراء الشيعة ممن التف حول حركة السيد محمد الصدر في تسعينيات القرن الماضي وحركات صغيرة أخرى لم تكن ذات وزن كبير في الصراعات مثل تيار الخالصي في مدينة الكاظمية وبعض التيارات والحركات المهدوية التي ما ان تظهر في حدث ومكان ما حتى تختفي ويزول تأثيرها.
ثم ما لبثت هاتان الكتلتان أن انشقتا وائتلفتا في كتل جديدة نتيجة التدافع والصراع السياسي، فقد انشق زعيم حزب الدعوة د. ابراهيم الجعفري عن حزبه بعد تنحيته عن رئاسة الحكومة في 2005 مشكلا تيار الاصلاح الوطني، كما ان بعض المنظمات الصغيرة المكونة للمجلس الأعلى خرجت من عباءته مشكلة أحزابا وحركات جديدة مثل فيلق بدر الجناح العسكري للمجلس الذي تحول إلى منظمة بدر. كما ان التيار الصدري شهد عددا من الإنشقاقات بدوره، فقد كان الانشقاق الأول بالتفاف مجموعة مهمة من رموز التيار حول الشيخ محمد اليعقوبي الذي كان يعتبر أهم تلاميذ السيد محمد الصدر، مكونين حزب الفضيلة الذي انتزع النفوذ من التيار الصدري في مدينة البصرة. كما ان الضربات التي تلقتها ميليشيا التيار الصدري (جيش المهدي) على يد الحكومات العراقية المتتالية أدت إلى تراكم المشاكل بين قيادات التيار، فبعد ضربات حكومة د. اياد علاوي عام 2004 خرج التيار وجيش المهدي أقوى وأكثر نفوذا، إلا ان ضربات حكومة المالكي في دورتها الأولى في اذار/مارس 2008 أدت إلى ترنح جيش المهدي وإخراجه من دائرة الصراع مع زج العديد من قياداته في المعتقلات، ما حدا بالسيد مقتدى الصدر إلى تجميد (جيش المهدي) ومحاولة تحويله إلى منظمة مدنية تهتم بالإعمار، وهذا ما قاد إلى دخول التيار الصدري بقوة وتميز في العملية السياسية وفوز كتلته الانتخابية بحصة كبيرة في البرلمان والتي لعبت بعد دورا محوريا في ترشح المالكي للولاية الثانية.
وكان الصراع الشيعي ـ الشيعي أكثر وضوحا في انتخابات 2010 البرلمانية، حيث دخلتها حركات الإسلام السياسي الشيعي بكتلتين متنافستين، هي ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي والائتلاف العراقي الموحد برئاسة د.إبراهيم الجعفري. أسفرت النتائج عن فوز جزئي للقائمة العراقية ذات التوجه الليبرالي التي يقودها رئيس الوزراء الأسبق د. إياد علاوي، حيث حصلت على 91 مقعداً ما جعلها أكبر القوائم في مجلس النواب. اما ائتلاف دولة القانون، بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي فقد حلت بالمركز الثاني بـ 89 مقعداً والائتلاف العراقي الموحد بقيادة د. ابراهيم الجعفري بـ 39 مقعدا، ما دفع بالقائمتين الشيعيتين للاندماج في كتلة برلمانية هي التحالف الوطني ليصبح عدد مقاعدها 128 ويصبح من حقها تشكيل الحكومة، ما أثار لغطا وسخطا دفع ببعض السياسيين إلى اعتبار ما حصل تلاعبا في تفسير الدستور الذي ينص على ان القائمة الفائزة في الانتخابات هي التي تكلف بتشكيل الحكومة، بينما دافع أنصار التحالف الوطني بالقول ان تشكيل الحكومة يتم بناء على حجم الكتل داخل البرلمان وليس اعتمادا على القوائم الانتخابية.
عندما تم الإفراج عن عدد من قيادات التيار الصدري المعتقلين عام 2010 قاموا بالانشقاق عن التيار وتشكيل حركات وميليشيات مسلحة، ربما كان أهمها (حركة المقاومة الإسلامية ـ عصائب أهل الحق) بقيادة الشيخ قيس الخزعلي ويساعده أحد قادة التيار الصدري المنشقين وهو السيد محمد الطباطبائي، وكذلك انشق الشيخ اكرم الكعبي مشكلا حركة النجباء، وهذه الحركات هي التي أطلق عليها الأمريكيون اسم المجاميع الخاصة التي دخلت في صراع مع قوات التحالف حتى انسحابها من العراق في كانون الأول/ديسمبر 2011. كذلك تشكلت أو ظهرت لساحة الصراع حركة حزب الله ـ العراق، التي قادها السيد واثق البطاط، وهو شخصية يلفها الغموض، وذلك بسبب تنقله بين العديد من الحركات الإسلامية الشيعية الجهادية. وقد لعبت هذه المجاميع دورا بارزا في القتال في الحرب الأهلية السورية، حيث دخلت ألوية متعددة منها للقتال بجانب النظام السوري، ربما كان أشهرها لواء ابي الفضل العباس بدعوى الدفاع عن الأماكن المقدسة الشيعية في سوريا، لكن الحقيقة تشير إلى كونها جزءا من الاستقطاب الطائفي الذي أشعل المنطقة. وقد اكتسبت هذه الحركات نفوذا وخبرة ودعما من إيران وسوريا ولبنان نتيجة قتالها في سوريا وهذا ما أهلها لان تلعب دورا محوريا في قتال عصابات تنظيم الدولة بعد حزيرن/يونيو2014. لقد مثلت هذه الفصائل المادة الأساسية لتشكيل ما عرف بالحشد الشعبي الذي تولى قتال تنظيم الدولة وايقاف زحفه تجاه بغداد والدفاع عن الأماكن الشيعية المقدسة في مدينة سامراء.
فتحت صفحة تشكل الحشد الشعبي وما حققه من انجازات على الأرض في محيط بغداد ومحافظات ديالى وصلاح الدين وبعض مدن الأنبار، صفحة جديدة من الصراع على النفوذ ومسك الأرض في المدن المحررة. وبالرغم من وجود قيادة عليا للحشد الشعبي ترتبط رسميا برئيس الوزراء، إلا ان مرجعيات الفصائل المقاتلة الشرعية والعسكرية هي التي كانت تحرك المقاتلين وتوجههم بحسب ما ترتأيه أو ما تمليه عليها الجهات الداعمة لها. وقد شكل التيار الصدري ميليشيا مقاتلة هي سرايا السلام شاركت في العمليات القتالية ودخلت في سجالات مع منافسيها من المجاميع الأخرى حتى أطلق السيد مقتدى الصدر أكثر من مرة توصيف (الميليشيات الوقحة) واصفا مجاميع عصائب أهل الحق وحزب الله ـ العراق وحركة النجباء، كما ان بعض التوترات تحولت إلى صراعات مسلحة محدودة كانت قد حصلت في المحافظات الجنوبية نتيجة الصراع على النفوذ والمصالح في هذه المدن الغنية بالثروة النفطية.
في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نيسان/ابريل 2014 كانت النتائج فوز ائتلاف دولة القانون بـ 92 مقعداً الذي حل أولا، أما التيار الصدري (كتلة الأحرار) فقد فاز بـ 33 مقعداً، بينما فاز ائتلاف المواطن (المجلس الأعلى الإسلامي العراقي) بـ 30 مقعداً. وبذلك تشكلت كتلة التحالف الوطني الشيعي من 155 مقعدا. لكن واقع الحال هو ان هذه الكتلة مكونة من كتل متنازعة وغير متفقة، وذلك ما انعكس في أزمة ما عرف برفض الولاية الثالثة للمالكي بالرغم من أحقية كتلته بتشكيل الحكومة، إلا ان انسحاب مرجعية النجف الدينية من دعم كتلة تجاه أخرى أدى إلى تكليف د. حيدر العبادي بتشكيل الحكومة في حركة أشبه بانقلاب أبيض نتيجة انشقاق في كتلة دولة القانون ومحورها حزب الدعوة، ما ولد صراعا خفيا بين كتلة دولة القانون أو ما تبقى منها والملتفة حول نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي في البرلمان وحكومة العبادي.
ولم يمر على حكومة العبادي سوى سنة واحدة من منتصف 2014 حتى منتصف 2015 ومع ما حققته من انتصارات على الارض، إلا ان تركتها التي ورثتها من الحكومات السابقة كانت ثقيلة، ومافيات الفساد من الطبقة السياسية تنهش كل مفاصل الدولة، ما أدى إلى اندلاع المظاهرات في تموز/يوليو 2015 قادها وحركها التيار المدني مطالبة بالاصلاح ومحاسبة الفاسدين والفاشلين، واستجابة لمطالب المتظاهرين وتماهيا مع توجيهات المرجعية الدينية في النجف، تم إطلاق مبادرات إصلاح من الحكومة ومثلها من البرلمان لم يطبق إلا القليل جدا من بنودها، ما ادى إلى استمرار التظاهر في العديد من محافظات العراق منذ حوالي ثمانية أشهر. لكن التغيير الخطير في المعادلة كان في دخول التيار الصدري في تحالف مع التيار المدني غير طبيعة المظاهرات التي كانت محدودة التأثير إلى مظاهرات مليونية تهدد باقتحام المنطقة الخضراء التي تحوي مقرات الحكومة والبرلمان، وهذا جعل أزمة الصراع الشيعي ـ الشيعي تصل إلى مديات خطيرة قد تودي بالبلد إلى آتون احتراب جديد، وبات الوضع العراقي اليوم متأرجحا بين خطر اندلاع الاحتراب أو الوصول إلى حل سلمي يخرج الوضع من عنق الزجاجة المحشور فيه منذ ثلاثة عشر عاما.
صادق الطائي