■ رحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالدعوة التي وجهها زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من سجنه، إلى عقد مؤتمر استثنائي لحزبه، بهدف دراسة أوضاع المصالحة بين القيادات الكردية في حزبه من السياسيين والعسكريين، ودعا المؤتمر المزمع عقده بناء على طلبه، إلى تبني قرار القاء السلاح وتقرير مستقبل الأكراد في تركيا، بالحوار والطرق التفاوضية السلمية فقط، وهذه دعوة مهمة من أوجلان وترحيب أكثر أهمية من الرئاسة والحكومة التركية، لأن الصراع في حقيقته هو بين الأحزاب الكردية والحكومة التركية.
هذا التحديد بأن الصراع هو بين الأحزاب الكردية من جهة والحكومة التركية من جهة أخرى، هو أدق وصفاً للمشكلة الكردية في تركيا، لأن المواطنين من أصول كردية أو تركية لا يشعرون بهذا الصراع في الحياة اليومية والاجتماعية، لولا وجود دعوات للإثارة والمشاغبة من الأحزاب الكردية، وما يجدونه من ردود أفعال في الأقوال والتصريحات من الأحزاب التركية القومية، فمن يحرك المشكلة هي المواقف الحزبية التي تنتمي في أفكارها ورؤيتها للحل إلى التاريخ، أكثر من انتمائها للحاضر ومتغيراته الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فما يمكن وصفه بالصراع القومي في تركيا هو بين المتشددين الحزبيين من كل قومية، بالأخص بين المتشددين من القوميين الأتراك والقوميين الكرد، بينما جاءت دعوة حزب العدالة والتنمية منذ استلامه للسلطة السياسية عام 2002 إلى تحويل هذا التنوع القومي إلى ثروة ثقافية ولغوية وحضارية، بدل الصراع والاقتتال غير المنتج، وبعد أن حاول كل المتطرفين من كل القوميات إحلال الأمن والاستقرار الداخلي على طريقة المغالبة من جهة، أو فرض شروط طرف على طرف آخر بالقوة من جهة أخـــرى، بدون فائدة، عادوا إلى الدعوة إلى القاء السلاح والقبول بالمفاوضات السلمية طريقاً وحيدا للمصالحة الداخلية.
لكن ما ينبغي تذكره أن هذه الدعوة من أوجلان، التي أعلنها سري ثريا أوندر، وهو نائب كردي في البرلمان التركي عن حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يتزعمه صلاح الدين ديمرتاش، بحضور نائب رئيس الوزراء التركي يالشين أقدوغان، كانت قد سبقتها دعوة مماثلة قبل سنتين عام 2013 من قبل زعيم حزب العمال الكردستاني نفسه عبدالله أوجلان، في رسالة اعتبرت تاريخية في حينها بالنسبة للشعب التركي والعالم، ولكن وبعد مرور سنتين لم يكن التجاوب مع تلك الرسالة كبيراً، وكانت الجهة التي تعطل تلك الدعوة هي الأحزاب الكردية المتنافسة، والقيادة الكردية السياسية والعسكرية المتصارعة، فبعد القاء القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان ومحاكمته وسجنه مدى الحياة في سجن إمرلي عام 1999، هذا السجن والحكم بالمؤبد ربما فتح الباب واسعاً وطموحاً لعدد من قادة حزب العمال الكردستاني لملء الفراغ في القيادة، وبذلك أصبح لدى حزب العمال الكردستاني عدد من القيادات السياسية والعسكرية، التي تحاول أن تأخذ مكانة أوجلان، او على الأقل ان تقدم رؤاها قبل أوجلان، بحجة أنه سجين أولاً، وانه تحت تأثير ضغوط السجن ثانياً، وبالتالي فقد تؤثر ضغوط السجن على حرية تفكيره وقراره.
لذلك لم تنفذ كل اتفاقيات المصالحة المبدئية عام 2013، بل حاولت بعض القيادات الحزبية من داخل حزب العمال الكردستاني، وبالأخص في جبال قنديل، وهي معاقل عسكرية لعناصر حزب العمال الكردستاني، الذين خرجوا بعد توقيع الاتفاقية المبدئية إلى أعالي جبال قنديل الواقعة شمال العراق على بعد 130 كلم شمال أربيل، هذه القيادات وبالتنسيق مع حزب «ديمقراطية الشعوب» وهو حزب تركي معارض وممثل في البرلمان التركي، حاولت أن تناور في العمل العسكري الارهابي بهدف ابتزاز الحكومة التركية لتقديم تنازلات في مفاوضات المصالحة الداخلية، تحت ضغوط العودة إلى العمليات الارهابية والنزول من الجبال إلى المناطق التي توجد فيها كثافة سكانية كردية، وقد كان أسوأ تلك العلميات الارهابية ما صاحب الحملة الدعائية الغربية لإثارة الكرد على عين العرب كوباني، بعد سيطرة تنظيم الدولة «داعش» على مناطق واسعة منها، فقد قتل في تلك الأحداث التحريضية حوالي خمسين شخصاً، وتمت مهاجمة المدارس والمراكز الأمنية والمرافق العامة، مما دفع قوات الأمن التركية للتدخل وحماية المواطنين، والسعي لتشريع قانون القوات الأمنية وضــــوابط تدخلها عند مهاجمة الارهابيين للمرافق العامة، وهو ما أثار جدلاً جديدا بين الأحزاب الكردية والحكومة التركية.
ولكن رغم الترحيب بتكرار الرسالة نفسها من عبدالله أوجلان في شهر فبراير 2015، فإن البعض يتساءل عن مدى الجدية في تلبية هذه الرسالة هذه المرة، ومن الأحزاب الكردية قبل غيرها، فحزب ديمقراطية الشعوب يمثل الحلقة شبه الرسمية في المفاوضات بين أوجلان والحكومة التركية، وفي الأحداث السابقة المتزامنة مع حملة عين العرب كوباني، عمل حزب ديمقراطية الشعوب وزعيمه ديمرتاش ضد دعوة أوجلان السابقة التي انطلقت قبل سنتين، فقد كانت دعوة صلاح الدين ديمرتاش صريحة لخروج الأكراد إلى الشوارع والتعبير عن احتجاجهم ضد مواقف الحكومة التركية، مع ما صاحبها من عمليات تخريب وقتل، بينما رفض أوجلان هذه المظاهرات والاحتجاجات، ودعا إلى الهدوء والسلام، مما يشير إلى أن حزب ديمقراطية الشعوب كان تحت مطالب أخرى من قيادات حزب العمال الكردستاني وربما من مقاتلي جبال قنديل، الذين نزل بعضهم إلى المدن التركية بأسلحتهم، فهل سوف يلتزم حزب الشعوب الديمقراطية وزعيمه ديمرتاش بدعوة أوجلان الجديدة؟ وهل سيلتزم مقاتلو جبال قنديل بدعوة أوجلان الجديدة؟
لقد شملت المرحلة الأولى من المسيرة عام 2013 وقف عمليات حزب العمال الكردستاني الارهابية، وانسحاب عناصره ومقاتليه خارج الحدود التركية، ولكن خروجهم لم يكن دليلاً على تخليهم عن مبدأ استعمال السلاح مرة أخرى، وهو ما أكد عليه أوجلان في الدعوة الجديدة، لأن يعقد الحزب مؤتمراً استثنائياً، وان يكون قرار التخلي عن السلاح من قبل مؤتمر الحزب نفسه، وليس من زعيمه اوجلان فقط، وهذا شيء إيجابي، ولكن لا بد أن تصاحبه إجراءات تطمئن الشعب التركي وحكومته بان الأحزاب الكردية متوافقة ومتفقة على حضور ذلك المؤتمر، وأنها سوف تلتزم جميعاً بما سوف يصدر عن ذلك المؤتمر، أي أن الحكومة التركية مطالبة بأن يكون توقيعها على أي اتفاقية سلمية مقبلة هي مع من يمثل الكرد أولاً، ويستطيع ان يلزم باحترام تلك الاتفاقية ثانياً، وعدم مخالفاتها أو العمل على تخريبها ثالثاً، ولذلك فإن من اهم البنود الضرورية في الاتفاقية المقبلة أن توفر لعناصر تلك الأحزاب والذين قضوا سنوات طويلة وهم مع الحزب وفي الجبال، أن توفر لهم سبل العيش الكريمة البديلة عن العمل العسكري المسلح، وان تفتح صفحة من التسامح والسلام للعناصر الراغبة بالعودة إلى الحياة الطبيعية بين أهلهم وفي أسرهم، وان تتوفر كافة الشروط التي تقنع الأطراف المتصالحة أن الحياة الديمقراطية يمكن ان تحقق للشعوب أهدافها وطموحاتها وبالطرق السلمية وبدون عنف ولا قتال.
وإن عدم قدرة أوجلان على عقد هذا المؤتمر، أو عدم قدرته على إقناع أعضاء حزبه بإلقاء السلاح، او إبقائه ورقة ضغط وتهديد على الحكومة التركية ومواصلة المفاوضات الشكلية، كل ذلك ينبغي فهمه بأن قيادة عبدالله أوجلان هي على المحك، أو أنها لم تعد بالقوة الكاملة التي تحكم قيادة الحزب، وبالتالي فإن مواصلة المفاوضات معه لن تكون الطريقة الوحيدة مع القيادات الكردية الأخرى، التي يمكن ان تكون أصبحت أكثر قدرة على السيطرة على الرأي السياسي العام لدى الأكراد، وبطريقة أكثر اهمـــية في السيطرة على قيادة مقاتلي جبال قنديل، الذي يمكن أن يكونوا اكثر الفصائل الكردية قدرة على تهديد الأمن الداخلي، بدون أن يكونوا الأقدر على منع المصالحة الداخلية بين أبناء الشعب التركي الواحد من شتى القوميات التركية.
٭ كاتب كردي ٭
محمد زاهد جول