تونس – «القدس العربي»: يقدم السوسيولوجي والأنثروبولوجي المغربي محمد الصغير جنجار مقاربته لما يواجه المنطقة من تحديات واضطرابات سياسية وامنية. موضحا في حديثه لـ»القدس العربي» ان «الارهاب لا يستطيع القضاء على دولة حديثة لكنه سيخلق لها مشاكل مشيرا الى ان الحل الامني يجب ان يتزامن مع توفير الافق السياسي والاقتصادي المفتوح امام الشباب».
يشار الى ان جنجار باحث متخصص بالأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية. وقد اشتغل في أطروحته على موضوع «تجربة المقدس عند الزاوية العيساوية بالمغرب». وهو ايضا مترجم تتركز أعماله على عدة محاور ابرزها الدين والثقافة في العالم العربي والإسلامي المعاصر، المجتمع المدني خاصة الحركة النسائية المغربية، العلوم الاجتماعية والحقائق الثقافية، التحولات السوسيوـ ثقافية في المجتمع المغربي المعاصر. وهو مدير مجلة «مقدمات» المغاربية.
○ في رأيك لماذا تحول التدين لدى بعض الشباب في المــغــرب العـــربي الى تعصب فكري؟ وما اسباب انخراط الشباب العربي بصفة عامة في الجماعات التكفيرية؟
• هو سؤال واسع جدا لا نقول بصفة عامة ان الاسلام كنوع من التدين تحول الى تعصب عند الجميع وانما لدى البعض. عندما ندرس سوسيولوجيا كيف يعيش المغاربة وأهل شمال افريقيا اسلامهم نجد ان هناك انواعا متعددة من التدين لا تزال قائمة. الآن ما يُرى في الواجهة الاعلامية هو الشجرة التي تخفي الغاب.
الاسلام له تمظهرات متعصبة عند البعض وبطريقة ما يعبر عنه بالسلفية الجهادية والشباب الذي يلتحق بالجماعات التكفيرية. وعندما نقيس ذلك بالمقارنة مع الثقل الديموغرافي للشباب في مجتمعاتنا نرى ان هؤلاء المتطرفين يشكلون بضعة مئات من الشباب الذين التحقوا بالحروب الدائرة في المشرق وهم لا يمثلون الشباب في منطقة المغرب العربي بصفة عامة. هذه الظواهر وجدت في فترات معينة من التاريخ لاسباب كثيرة جدا. ربما يمكن ان نستبين في لحظات انسداد الافق الاقتصادي والسياسي بالنسبة الى جيل معين يكون اغراء الايديولوجيات المتطرفة كبيرا جدا. وحصل هذا في فترات اخرى وبايديولوجيات معلمنة وليس بايديولوجيات اسلامية. فالشباب الفرنسي الذي التحق في الستينيات للقيام بحرب اهلية كانت ايديولوجيته آنذاك ماركسية اكثر منها شيئا آخر. لذلك في لحظات تاريخية معينة يقوى هذا الاغراء نتيجة انه يفتح افقا معينا للشباب ليحقق ذاته. انا لا يهمني في الدراسة كيف يتدين الشباب بصفة عامة ولكن فقط جزء صغير من هذا الشباب. فالظرف المحلي والاشكاليات المطروحة على المستوى الجهوي خاصة في الشرق العربي اضافة الى الانترنت وما يتيحه من تواصل، كل هذه عوامل تلعب دورا في استقطاب هؤلاء الشباب الذين يلتحقون بالجماعات الارهابية.
نحن نعيش فترة لحظات مفصلية في تاريخ المنطقة، فيها شباب متعلم يعيش في المدن ومتصل بباقي انحاء العالم عن طريق الانترنت ولا يجد موقعه في المجتمع على الصعيد الاقتصادي وحتى السياسي والاجتماعي. مثلا ما هو عدد الشباب الذين يمارسون السياسة او يتقلدون مناصب سياسية؟ كل ذلك يدلنا إلى أننا في لحظة انسداد افق بالنسبة للشباب.
○ تحدثت عن اننا نعيش لحظة انسداد افق بالنسبة للشباب هل يمكن ان نسميها لحظة انحطاط فكري عربي؟
• لا استعمل مصطلحا بهذه الحدة لكن هي لحظة تحول كبير، لأفسر لك الموضوع. يعتبر المفكرون الفرنسيون الذي درسوا الثورة الفرنسية انه تحدث تغيرات في بنية المجتمع لفترة طويلة جدا. من هنا يمكن ان نعتبر ان الأنظمة القائمة في العالم العربي، ورغم رداءة المنظومة السياسية، تشترك في أنها فتحت مجالا طبيعيا للتعلم. ورشة كبيرة فتحت في مختلف انحاء العالم العربي اذا اخذنا المسار منذ الاستقلال الى الآن فماذا يحصل حينما ينتقل المجتمع من جاهل الى متعلم، من الثقافة الشفاهية الى المكتوبة، من مجتمع تسوده الامية الى شباب يدرس، وما تبعات هذا التحول على مستوى الاسرة والدين والثقافة والقيم. العالم العربي في القرن العشرين بدأ يعرف هذه اللحظة الحرجة وهي فترة انتقالات ستأخذ وقتا كما حصل في باقي دول العالم، وسنلتحق بها في لحظة تاريخية مختلفة. هو تحول رغم الاشكال العديدة التي يأخذها ومخاض له تشكيلات .
○ وكيف ستكون هذه التشكيلات؟
• لا احد يتصور. ولنتخيل اننا في السنة الثالثة بعد الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر. من كان يدري حينها بأن بناء الدولة الديمقراطية سيأخذ قرنا أو اكثر، لقد كان هناك عنف وردة وثورة مضادة.
○ يعني أنت تشبه ما يحصل في العالم العربي بالثورة الفرنسية ؟
• صحيح ليس لدينا علم آخر سوى علم التاريخ والمقارنات التاريخية وهو الذي به نقيس ونقارن ونحاول ان نفهم التحولات المجتمعية.
○ في رأيك كيف يمكن للعالم العربي ان يستعيد نهضته الفكرية ؟
• أولا العالم العربي بصورة عامة ليس وحدة متجانسة، هو دول ومجتمعات ولها ايقاعات في التطور والنمو مختلفة جدا، ولا يمكن مقارنة المجتمع التونسي بالليبي وما يحصل في سوريا ولبنان حالة خاصة أيضا، فالمصطلحات العامة على غرار العالم العربي لا تنطبق سوسيولوجيا، يمكن القول مجتمعات عربية، وفي المغرب العربي مثلا هناك بعض التكوينات الامازيغية. صحيح ان هناك عدة أمور متشابهة لكن هناك أيضا فروقا جوهرية. فالحالة المغربية مثلا لا تشبه الحالة المصرية، فكل مجتمع له خصوصياته .
قلت لا يمكن مقارنة تونس مثلا بليبيا، فالتونسيون مجتمع بدأ إصلاحاته منذ أواسط القرن التاسع عشر، في سنة 2010 كانت تونس تتوفر على شباب متعلم بحجم كبير ضمن مجتمع متجانس، بخلاف الشعب السوري مثلا الذي يضم إثنيات ومذاهب مختلفة. في تونس هناك مسار تاريخي يمكن أن يعطي للتحول صبغة خاصة مختلفة عما يحصل في سوريا. ولا نستغرب ان عرفت بعض هذه الدول في لحظات التحول حروبا اهلية، فالعنف الذي نلاحظه الآن في المنطقة العربية اذا ما قارناه بما حصل في اوروبا في القرن التاسع عشر يظهر انه اقل وطأة. اوروبا ايضا كانت في ازمة عميقة جدا وفي لحظة انحطاط. تاريخ المجتمعات هو هكذا.. دوران وتحولات.
○ كيف ترى دور المثقف اليوم في هذه الفترة التي تشهد تغيرات في المنطقة ؟
• كلمة مثقف شاملة وباتت تغطي الداعية الديني ايضا في مجتمعاتنا العربية. وفي لحظات معينة عبارة المثقف باتت تشمل ظواهر متعددة، هناك المثقف النقدي الذي هو على مسافة من السلطة والعلاقات وموازين القوى وهناك الباحث الجامعي، وهناك المناضل الفكري. لكن المثقف على الطريقة الاوروبية هو المثقف النقدي الذي يحاول ان يغير وهنا يطرح التساؤل عن مشروعه الفكري وكيف يمكن ان يصل اليه وما هي الطرق العقلانية للوصول.
○ إلى أي مدى نحن بحاجة إلى إصلاح الفكر الديني؟
• الدين منذ اربعين سنة ليس كما هو عليه اليوم، فالدين كان اقرب الى الموروث التقليدي المجتمعي لكن التحول المجتمعي يشمل الدين أيضا. وهو قيد التحول بحكم ان كل شيء يتحول. لكن التدين الآن بات مخالفا والتحول المجتمعي يشمل الدين ايضا فالدين نفسه في تحول بحكم ان كل شيء يتحول.
○ من خلال متابعاتكم كيف تقرأون الوضع في ليبيا في خضم كل هذه الفوضى؟
• اولا ليبيا لا تتوفر على دولة، فالنظام الذي كان قائما منع اقامة المؤسسات المدنية. ولذلك فقد كان من السهولة بمكان بعد الثورة العودة الى منطق القبلية بكامل ايديولوجياته وسينطلق الصراع لمدة طويلة كما حدث في مجتمعات اخرى الى ان يجلس الفرقاء بحكم انهم لم يستطيعوا ان يحسموا المعركة عسكريا. وآنذاك سيبدأ نقاش حول ما نسميه بالعقد، الذي يمكن ان ننشىء بموجبه كيانا سياسيا حديثا بمشروع مشترك. ايطاليا اجتمعت وتوحدت بعد حروب طويلة وهذه سنة التاريخ في المجتمعات لا يمكن التحول من دولة قبلية الى دولة مدنية بسهولة.
○ ما هو مستقبل القضية الفلسطينية في رأيكم في ظل كل هذه التحولات في المنطقة؟
• القضية الفلسطينية تبقى جرحا كبيرا في ضمير كل انسان يؤمن بالعدالة والديمقراطية لكن رغم ذلك ارى ان الامل ما زال قائما بتأسيس دولة فلسطينية يمتلك فيها الشعب الفلسطيني حرية القرار. وهذا ما حصل مع الجزائر التي استعمرت من قبل فرنسا لاكثر من 100 سنة. من كان في نهاية القرن التاسع عشر يعتقد ان الدولة الجزائرية ستتحرر. تاريخ الشعوب هو بذلك التعقيد والامل يظل قائما بالنسبة للذين يؤمنون بالتحرر.
○ كيف يمكن التعامل مع ظاهرة الارهاب ؟
• التعامل الآن هو أمني محض لأننا لم نؤسس بعد لثقافة وتربية تدمج الجميع بشكل حداثي ومختلف. الحل الامني رغم انه محدود لكنه فعال. ولا نعتقد ان هناك ارهابا سيقضي على دولة حديثة لكنه سيخلق لها مشاكل. ولا يجب أن ننسى أن الحل الأمني يجب ان يتزامن مع توفير الافق السياسي المفتوح امام الشباب.
○ كيف بدت لك تونس خلال هذه الزيارة؟
• لطالما كنت على قناعة بأنه اذا لم يحدث أي تغيير مجتمعي وسياسي في تونس فلن يحصل في أي مجتمع آخر، تونس هي اقرب الحالات من ناحية امتلاكها كل العناصر البشرية والمجتمعية التي تمكن من الانتقال لأي نوع من الديمقراطية قبل غيرها، لبنان ربما يمتلك هذه الخاصية أيضا لكن اشكالية الطائفية تمنع هذا التحول الذي يتحقق هنا. فتونس لها خصائص تاريخية وإصلاحية. الدولة التونسية مثلا لها تاريخ أعرق من الدولة الايطالية فقد أنشأت الدولة التونسية الإدارة والجباية قبل ايطاليا، ويعلمنا التاريخ هذه المقارنات ليجعلنا نأخذ مسافة عما يحدث في الاعلام ونقرأ ما يحصل بطريقة اكبر.
○ بالنسبة للوضع في المغرب كيف تقرأه؟
• مختلف تماما فالمجتمع المغربي أكثر تعقيدا من المجتمع التونسي، الجغرافيا تختلف. والمغرب فيه تعددية إثنية كبيرة والمؤسسة الملكية تمتد لأربعة قرون وتلعب دورا رابطا مجتمعيا وسياسيا اكثر من بلدان اخرى، بينما في مصر نجد مثلا أن القوات المسلحة والجيش هو من يلعب هذا الدور.
○ ما هي آخر أعمالك وما هو جديدك كعالم انثروبولوجي؟
• اشتغل الآن ومنذ عدة شهور على انتاج ما يسمى بأنطولوجيا للفكر الحقوقي الحديث. الفكرة تنطلق من العودة الى القرن السادس عشر وتتبع كيف نشأ هذا الفكر، من خلال نصوص، تتم ترجمتها الى العربية وتقديمها للقارئ العربي في اطار ما يسمى بتحديث المنظومة الفكرية السياسية في المجتمعات العربية .
روعة قاسم