برغم التوسع الإعلامي الهائل خصوصا بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تبقى الحقيقة هي السلعة الاكثر ندرة في عالم اليوم. وبرغم ما تدعيه وسائل الإعلام الحديثة من «موضوعية» و«حياد» و«استقلال» ستبقى معايير تلك الحقيقة نسبية وليست مطلقة، شأنها كبقية القضايا التي تهم القاطنين على هذا الكوكب. ومن تلك القضايا مقولات «الديمقراطية» و»حقوق الانسان» و«العدالة» و«الشفافية». فليس هناك نظام في هذا العالم يمارس هذه القيم بشكل مطلق، خصوصا في اوقات الازمات. وتساهم مقومات القوة في تأصيل التوجه لطمس الحقيقة، سواء القوة السياسية ام العسكرية ام الاقتصادية. وبدلا من الاستثمار في تعميق المفاهيم بأبعادها المطلقة فان المنظومة الإعلامية تتأسس على فن عرض المعلومات وفقا لما يريده اصحابها، على ان تكون المساحيق اللامعة قادرة على تحقيق ذلك بدون اثارة شكوك الاطراف المستهدفة بالوسائل الإعلامية. واذا كان الانطباع العام ان الوسائل الإعلامية مختصة بالشؤون السياسية التي تخدم الجهات التي تقف وراءها، فان هناك قطاعات اخرى تهم حياة الانسان ومصالحه، تخضع للتشويه والتضليل بقدر غير قليل، وينفق عليها اموال طائلة.
في الاسبوع الماضي نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية تحقيقا واسعا حول اساليب شركة «كوكا كولا» للتعتيم على دور المشروبات الغازية في انتشار ظاهرة البدانة. تقول الدراسة ان الشركة المذكورة تقوم بتمويل شركات علاقات عامة ومعاهد بحوث وجامعات للتقليل من علاقة السكر الذي تحتويه تلك المشروبات بالسمنة وما يرتبط بها من امراض. فتخرج الدراسات والتصريحات التي تدعي «عدم وجود صلة بين المشروبات الغازية والبدانة، او مرض السكر». وقد لا يكون الادعاء بهذه الصراحة بل يسعى اصحاب تلك التصريحات للايحاء بعدم وجود تلك الصلة بالقول «ان الصلة بينهما غير ثابتة». ويوازي تلك التصريحات والدراسات التي تبثها معاهد دراسية مثل «المعهد الاوروبي للشرب» حث قوي على ضرورة «تناول المشروبات الخفيفة خصوصا اثناء السفر»، والهدف هنا، حسب ما تقوله الصحيفة المذكورة، تشجيع المسافرين على شراء المشروبات الخفيفة من محطات البترول اثناء التزود بالوقود. بل ان هناك حملات إعلامية مشتركة بين شركة «كوكاكولا» وشركة «شل» التي تملك نسبة كبيرة من محطات البنزين، لتشجيع المسافرين على تناول المشروبات الخفيفة. اما التمويل الذي يتحدث تحقيق «التايمز» عنه فيصل إلى الملايين. فبالاضافة للاعلانات التي تنشر في الصحف او على لوحات الاعلانات في الشوارع العامة، فان الدراسات الممولة من تلك الشركات قد تكون الاخطر، لأنها تبث معلومات وثقافة مختلفة في جوهرها عما هو سائد من قناعات تؤكد ان أضرار المشروبات الغازية وما تحويه من كيماويات وسكر تفوق منافعها الآنية التي لا تنحصر بتوفير الطاقة ومنع الجفاف.
هنا تبدو الحقيقة هي المستهدفة من اعلانات الشركات المتعددة الجنسية. وما اكثر ما يقال عن شركات صناعة الادوية. فثمة رأي سائد بان هذه الشركات تدير مؤسسات علاقات عامة ومجموعات ضغط تمارس دورها على الحكومات وأجهزتها التشريعية لمنع استبدال تلك الادوية بغيرها وان كانت الاضرار الجانبية الناجمة عنها كبيرة. ويذهب الخيال الشعبي للقول ان هناك ادوية توصل العلم الحديث اليها، افضل كثيرا من الادوية المتداولة من حيث فاعليتها واضرارها الجانبية، وان الحكومات تخضع لضغوط الشركات الكبرى بعدم دعم الادوية البديلة. يضاف إلى ذلك ان من اكبر الخدع الإعلامية المضللة ترويج اسماء بعض اسماء الشركات في اغلب المجالات الحيوية، وجعلها معيارا للجمال والكمال في ذلك المجال. فاحذية «نايك» مثلا تحتل المرتبة الاولى ليس في الاحذية فحسب بل في بقية المستلزمات الرياضية كالسراويل والالبسة. وتم الترويج لتلك «الماركات» حتى اصبحت لدى الشباب اليافع من ضرورات الزمن، فلا يقبل بغيرها مما لا يحمل اسم الشركات المشهورة وشاراتها. واصبح ذلك يمثل عبئا على العائلات ذات الدخل المحدود، وساهم في تراكم الديون لصالح شركات بطاقات الاقراض. اما الشركات الكبرى فتتصاعد فوائدها بشكل مضطرد. هذا يعني انها كلما ازدادت ثراء ازداد عامة الناس فقرا. ومن المؤكد ان تداعي التوازن بين من يملك ومن لا يملك من بين اسباب تصدع المجتمعات وتداعي الاستقرار العام وتوسع الاضطراب السياسي خصوصا في الدول الثرية.
في الاسابيع الاخيرة عقدت الاحزاب الرئيسية الكبرى الثلاثة في بريطانيا مؤتمراتها السنوية التي تعد «مانفستو» العمل للعام المقبل وتحدد سياسات تلك الاحزاب. وتعتمد هذه الاحزاب في مدخولاتها، كثيرا على حضور ممثلي الشركات الراغبة في ممارسة الضغط على الاحزاب وممثليها البرلمانيين. وتصل رسوم حضور هذه المؤتمرات الف جنيه استرليني للشخص الواحد. وتعتبر الشركات حضورها ضرورة لممارسة الضغط للتأثير على سياسات الاحزاب وانعكاس ذلك على التشريعات التي يصدرها البرلمان. والمعروف مثلا ان هواة صيد الحيوانات البرية يمارسون ضغوطا متواصلة لعدم منع تلك الهواية الموروثة من الاجيال السابقة. وبرغم ضغط جماعات الرفق بالحيوان، فما تزال تلك الهواية مشروعة مع المزيد من الضوابط. اما في الولايات المتحدة فبرغم رغبة الرئيس اوباما بمنع امتلاك الافراد ما يريدونه من اسلحة خفيفة، فان ضغط الشركات المصنعة لتلك الاسلحة حال دون صدور تشريعات من الكونغرس بالمنع. وفي مطع الشهر الحالي وقعت الحادثة الاخيرة في مسلسل اطلاق النار العبثي المتواصل في الولايات المتحدة. فقد قام شخص باطلاق النار داخل حرم جامعة اورلاندو وقتل تسعة اشخاص قبل ان يفقد حياته. ووفقا لآخر الاحصاءات المتوفرة فان الذين قتلوا بالاسلحة النارية في أمريكا في العام 2013 بلغ عددهم 33636 شخصا، اي بمعدل مائة شخص يوميا. مع ذلك لم تتوفر بعد الارادة السياسية لمنع التملك الشخصي للسلاح، لاسباب عديدة من بينها التشبث بنصوص ميثاق تأسيس الفيدرالية الأمريكية، ونفوذ شركات تصنيع الاسلحة.
في الاسبوع الماضي كشف موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي عن استمرار السعودية في انفاق المال للاستعانة بجماعات ضغط أمريكية وخبراء في العلاقات العامة بهدف تحسين صورتها في واشنطن. وقال الموقع إن الشهر الماضي وحده شهد توقيع المملكة اتفاقين مع «Edelman» للعلاقات العامة، فضلا عن جماعة الضغط الأمريكية «Podesta Group». وتعد شركة العلاقات العامة الأولى هي الأكبر من بين شركات العلاقات العامة في العالم وتساعد عملاءها على الفوز بتغطية إعلامية مناسبة في وسائل الإعلام الكبرى، في حين أن جماعة الضغط الثانية أسسها «طوني بوديستا» أحد كبار جامعي الأموال لصالح الحملة الانتخابية الرئاسية لـ»هيلاري كلينتون». وفي آذار/مارس الماضي قامت المملكة بتوظيف جماعتي ضغط بارزتين في الولايات المتحدة وهما «DLA Piper» و«Pillsbury Winthrop Shaw Pittman» كما وظفت السفارة السعودية كذلك شركتين متخصصتين في تحليل البيانات الكبرى للزبائن السياسيين وهما «Targeted Victory» و«Zignal Labs». اما البحرين فقد وقعت اتفاقات مع عدد من شركات العلاقات العامة الأمريكية والبريطانية. ولدى حكومة البحرين اتفاقات مع عدد من الشركات الأمريكية والبريطانية لتحسين صورتها في الإعلام ومع صناع القرار. وفي الشهر الماضي قال تقرير رسمي أمريكي إن إنفاق الدول العربية على شركات العلاقات العامة الأمريكية فاق 30 مليون دولار خلال عام 2014.ووفقا للكشف الذي تنشره وزارة العدل الأمريكية حول إنفاقات السفارات العربية على شركات العلاقات العامة واللوبي لعام 2014 فقد أنفقت 14 دوله عربية حوالى 33 مليون دولار.
الامر المؤكد ان احدا لا يملك الحقيقة وحده، ولكن ايضا ان الحقيقة مستهدفة من اعدائها. ولكن هناك قولا شائعا مفاده «ان الحقيقة لديها عادة وهي انها تكشف نفسها دائما». ولكن هذا الكشف مشروط بان ينشط اهلها لمساعدتها على الظهور بالنشاط المتواصل والاصرار على عدم الاستسلام امام ضغوط المال او السلطان.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي