الصوم والصيام

حجم الخط
2

جاء في القرآن الكريم (صوم) و(صيام) فهل من فرق بينهما؟
بالتأكيد، وإلا لما اختلف اللفظان. ففي اللغة العربية جذر لغوي هو (ص. و. م) الذي يدل على استواء الشّمس عند انتصاف النّهار، فيُحْدِث استواؤها من الحرارة ما يجعل الطّبيعة، بما فيها الإنسان، راكدة ركودا كأنه ركود الموت، وفي هذا المعنَى يتلاقى صوم ورمضان، في الدلالة على الشّدّة والحِدّة. ومن معانِي الصَّوم أيضا، ركود الرّيح. وما أدراك ما ركود الرّيح في القيظ وأثناء اشتداد الجوع والعطش.
ومن هذا الجذر مصطلحا الصوم والصيام. وعلى الرّغم من أنّهما من أصل واحد فإنّ بينهما فرقا في الدّلالة فالصّوم، في التّنزيل العزيز، دالّ على الانقطاع عن سلوك معيّن لمدة محددة. وقد ورد في آية واحدة في قصة مريم: (فكُلِي واشربي وقَرّي عينا فإمّا تَرَيِنَّ من البشَر أحدا فقولي إنِي نَذَرْتُ للرَّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا). فلها أن تأكل وتشرب وتقرّ عينُها، فلا صيام في سياق الآية. وإنّما هو صوم عن مخاطبة النّاس، أي أن تمتنع عن جدالهم ومحاججتهم. فجاء اللّفظ دالاّ على الإمساك عن الكلام فقط. وكأنها ركدت عن الكلام.
هذا هو الصَّوم، الامتناع عن سلوك محدد لفترة قصيرة محددة. أما الصِّيام فأوسع دلالة من الصَّوم، وفيه زيادة في التّأكيد على ضرورة الالتزام بقواعد وشروط محددة. ومن الواضح أنّ النّاس، كانوا وما زالوا، يخلطون بين مفهومَي الصَّوم والصِّيام، ولكن كلاّ منهما يختلف عن الآخر اختلافا بيّنا، بحسب لغة التّنزيل العزيز نفسه، وكذلك في مفاهيم اللّغة العربيّة، في نصوصها الفصيحة العالية. وبسبب هذا الخلط وضع النّاس الصوم مكان الصيام، بل انّ علماء اللّغة القدماء جعلوا هذا بمعنَى ذاك، وذاك بمعنَى هذا. وتابعهم مَنْ جاء بعدهم. ونرى أنّه نتيجة لذلك، وقع في رواية الحديث النّبويّ شيء منه، لأنّ الحديث النّبويّ الذي بين أيدينا اليوم رُوي بالمعنَى غالبا لا باللفظ.
وقد أشرنا إلى أنّ الكلمتين من جذر لغويّ واحد هو صوم، ولكننا ندرك في الوقت نفسه أنّهما لو كانتا بمعنَى واحد لصارتا لفظا واحدا، ولَما تحوّلتا إلى لفظتين. ولا شَكّ في أنّ الصّيام يتضمّن معنَى الإمساك، ولكنّه إمساكٌ عامّ شامل عن كل ما يندرج تحت لفظ الشّرّ والمنكر. فالصيامُ، في القرآن الكريم، تَرْكُ الشّرّ كلّه، والأخذ بالخير كلّه مع الالتزام بتجنب المفطرات المحددة في نهاراته، وليس الامتناع عن سلوك واحد محدّد لوقت محدّد. وفي ليالي رمضان أبيح لك ما منع عنك في نهاراته، ولكن تلك الليالي هي امتداد للنهارات، فليس من المعقول أن تصوم نهارا، وحين يأتي الليل لا تتوانى عن ارتكاب الجرائم والعدوان مثلا.
وقد يقال إنّ الالتزام بالخير كلّه ليس من شروط الصيام، لأنّ المفروض أن يلتزم المرء بالخير كلّه في جميع الأيّام، لذا فإنّ الصيام هو الإمساك عن المفطّرات المعروفة فقط. فأقول: إنّ الإمساك عن المفطرات هو الصوم الذي هو، بدوره، جزء من الصيام بموجب الدلالة اللغوية القرآنية. وإذا كان من المفروض على المرء أن يتمسّك بصفات الخير والمعروف في جميع أشهر السّنة، فهو صائم عن الشّرّ حقّا وحقيقة، فاذا ازدوج ذلك بالإمساك عن الطعام والشّراب وسائر ما مُنِعَه الإنسان في أيّام رمضان نهارا وليلا، تحقّق الصيام كاملا. ولكنّ الإمساك عن المفطّرات وحدها لا يكفي ليُضفي على لفظة الصوم معنَى لفظة الصيام. فغاية الصيام التقوى «يا أيّها الذين آمنوا كُتبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون» فلا تقوى إذا كنت تجوع وتعطش نهارا وترتكب الجرائم ليلا.
ومن البديهي أن لك أن تقول: صوم رمضان، وسنفهم عنك ما تقول. ولكن المستوى الأعلى من الفصاحة أن تقول: صيام رمضان. وتلك هي لغة التنزيل العزيز.

٭ باحث جامعي عراقي ـ لندن

الصوم والصيام

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية