بلسان عربيّ بليغ وجّهت مجموعة من الطلاب الصينيين المسلمين في جامعة الأزهر رسالة إلى شيخ الأزهر على خلفية القبض على مئات من زملائهم وترحيل الكثيرين منهم إلى الصين قائلين إنهم «جاؤوا إلى الأزهر لتعلّم الدين السمح الذي رفض كل أشكال الظلم» فوجدوا الشرطة المصرية تطاردهم وتعتقلهم من البيوت والشوارع والمطاعم.
الاعتقالات الجماعية جرت بناء على طلب الأجهزة الأمنية الصينية من شقيقاتها المصريّة التي سارعت إلى انتهاك حقوق العلم والإقامة والسيادة والكرامة واحتجزت، بقرار جماعيّ، كل هؤلاء الذين تتمثّل جريمتهم الشنعاء بأنهم تركوا بلدانهم وعائلاتهم لتعلّم العلوم الشرعيّة في أكبر بلد عربيّ مسلم في تمثيل ذي دلالة لحديث الرسول (ص) الشهير: «أطلبوا العلم ولو في الصين»!
وحسب الطلاب الصينيين أولئك فإنهم أصبحوا مطلوبين من السلطات هناك لأن دراسة الدين الإسلامي جريمة تستوجب العقاب، وبما أن الحال كذلك فقد طلبت سلطات بكين منهم العودة ليحاكموا على جريمتهم الكبيرة تلك وإلا فإن أسرهم ستتعرض للسجن بتهم دعم الإرهاب لأنهم يرسلون إليهم معونات مالية.
الواقعة أسقطت ما كان بديهياً في اعتقاد الطلاب الصينيين، من أنهم لن يجرّموا إذا لم يخرقوا قوانين الدولة التي يقيمون فيها، وأنهم تحت حماية بلد مسلم، وفي حرم جامعة الأزهر نفسها، وأن دراسة الشريعة الإسلامية وعلوم الدين ليست جريمة تستوجب العقاب، واكتشفوا اكتشافاً مروّعاً، هو أن إسلامهم واحترامهم لمصر وللأزهر هي أمور لا وزن لها، وأن البلد الإسلامي الذي احتموا به فزعاً على دينهم وثقافتهم، وساهموا في دعمه ماليّاً، وفي نشر احترامه وحمل رسالته الثقافية إلى بلدانهم البعيدة، لا يقيم وزناً لكل هذه الأمور، وأنه، سيتعامل مع «المأموريّة» الصينية بالانحناء والخضوع الواجبين، وباعتماد «الإخبارية» الأمنية التي وردته وتنفيذ الأمر كما يليق بأجهزة أمن مصرية أن تفعل!
الاكتشاف الأكثر رعباً للطلبة الأبرياء، قد يكون، أن سلطات القوّة الغاشمة في مصر، و»نخبتها» المهلهلة من الإعلاميين، صارت مثلها مثل المسؤولين الصينيين الذين يحتقرون كل ما يرتبط بالدين الإسلامي، ويخلطون لأسباب سياسية مكشوفة بين تنظيمات التطرّف المسلّح كـ»الدولة الإسلامية» التي لا تفرّق في عنفها وخصومتها بين رموز الدولة وتيّارات الإسلام السياسي المعتدلة التي تستخدم أساليب النضال السلمي في الأحزاب والنقابات والبرلمان، وبالتالي، لا مانع، كي تكتمل «حفلة الزار» الصينية – المصرية بأن يكون الأزهر، والدين الإسلامي نفسه، وأئمة المذاهب الذين شرّعوا الدين، وجامعو الأحاديث المشهورون، بل وحتى القادة التاريخيون كصلاح الدين الأيوبي كلّهم «مشاركون» في الإرهاب ويجب القضاء على ذكرهم وكتبهم وتراثهم.
وبدلاً من اتخاذ الأزهر موقف الدفاع عن طلابه فقد قام المستشار الإعلامي المتحدث باسم الأزهر، الدكتور أحمد زارع، بنفي قيام الأجهزة الأمنية المصرية باعتقال طلاب أزهريين من الصين، وبعد انكشاف الفضيحة وذيوع الخبر وتنديد المؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان في العالم عن المعتقلين استفاقت مشيخة الأزهر واعترفت باعتقال العشرات.
تظهر مقارنة تصرّف الأزهر الركيك فيما يتعلّق بالطلاب الصينيين بموقفه الحاد من قضية الطلاق الشفويّ، واختلافه بذلك مع رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي، العقليّة الشكليّة التي تسود هذه المؤسسة الدينية الكبرى، والتي تتصلّب وتقسو عندما يتعلّق الأمر بتشريعات مرّت عليها مئات السنين، وترتخي وتميع عندما يتعلّق الأمر بشؤون البشر وأحوالهم وحقوقهم.
بدلاً من طلب العلم في الصين صار العالم يصدّر معتقليه إلى الدول العربيّة لتقوم بتعذيبهم، وصارت الصين تكلّف القاهرة باعتقال طلاب أبرياء.
لسان حالنا اليوم صار: أطلبوا القمع في البلاد العربية والإسلامية.
رأي القدس