الضحايا في المنيا والرد في ليبيا: أقباط مصر بين نيران الإرهابيين والتقصير الأمني

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ تامر هنداوي: حمل الهجوم الذي استهدف حافلات الأقباط في محافظة المنيا الأسبوع الماضي وأسفر عن سقوط 28 قتيلا و24 مصابا، مؤشرات عدة.
الأول تمثل في قدرة التنظيمات المسلحة على مواصلة استهداف الأقباط بعد عمليتي الهجوم على الكنيسة البطرسية في قلب القاهرة، والهجوم على كنيستي مار جرجس في طنطا والمرقسية في التوقيت نفسه، والثاني، هو فشل أجهزة الأمن المصرية في التصدي لمثل هذه الهجمات على الرغم من إطلاق السفارة الأمريكية في مصر تحذيرات قبل أيام من الهجوم، حذرت فيه رعاياها من وقوع هجوم إرهابي كبير في مصر، والثالث هو تمسك النظام السياسي بوزير الداخلية المصري اللواء مجدي عبد الغفار رغم ما شهده عهده من هجمات متتالية ومتلاحقة من قبل المسلحين في أنحاء البلاد.

البداية تحذيرات السفارة الأمريكية

قبل يومين من وقوع هجوم المنيا، وبالتحديد يوم الأربعاء الموافق 24 أيار/مايو الماضي، أصدرت السفارة الأمريكية لدى القاهرة تحذيراً إلى رعاياها من هجوم إرهابي محتمل في مصر من دون تحديد تفاصيل.
وقالت السفارة، على موقعها، إنها على علم بوجود تهديد محتمل وفقاً لما نشره تنظيم «حسم» الإرهابي على الإنترنت.
وأضافت: «السفارة لا تملك أي معلومات أخرى حول هذا التهديد المحتمل، ولكنها على اتصال بالسلطات المصرية. وستقدم معلومات إضافية إذا توفرت».
وأكدت على المواطنين الأمريكيين في مصر «الاستمرار في اتباع ممارسات الأمن السليمة والالتزام بالمبادئ التوجيهية الأمنية المنصوص عليها في تحذير السفر لمصر والصادرة عن وزارة الخارجية في 23 كانون الأول/ديسمبر 2016» والذي ألزم المواطنين الأمريكيين بتجنب السفر إلى الصحراء الغربية وشبه جزيرة سيناء باستثناء مدينة شرم الشيخ إلا عن طريق الجو.
من جهة أخرى، أرسلت الشركات الأجنبية العاملة في مصر تحذيرات أمنية إلى موظفيها تحثهم على تجنب المصالح الحكومية، والتجمعات الأمنية، وأماكن العبادة المسيحية بالإضافة لنوادي الأجانب المقيمين في مصر.
الغريب أن مواقع التواصل الاجتماعي، اهتمت بالتحذير وتناولته، وسط توقعات بان تشهد مصر هجوما إرهابيا، ودعا نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وزارة الداخلية المصرية لإتخاذ حذرها.

الهجوم

استيقظ المصريون يوم 26 أيار/مايو الماضي، على أخبار هجوم إرهابي استهدف 3 حافلات تقل أقباطاً، متجهة لدير «انبا صموئيل المعترف» نتج عنه مقتل 26 شخصاً بينهم عدد كبير من الأطفال وإصابة آخرين.
وهاجم 8 مسلحين في ثلاث سيارات دفع رباعي، ثلاث سيارات للأقباط، إحداها ميكروباص يقل أطفالا قادمين في رحلة من كنيسة العذراء في مركز مغاغة، ما أسفر عن مقتل جميع الأطفال ما عدا ثلاثة.
أما السيارة الثانية، فكانت تقل أقباطا، آتية من عزبة حنا التابعة لمركز الفشن في محافظة بني سويف، وأخرى سيارة ربع نقل تقل عمالا كانوا في طريقهم للدير.
وألقى المسلحون منشورات في السيارات بعد قتل الأقباط كتب عليها «صوما مقبولًا وذنبًا مغفورًا».
وقالت وزارة الداخلية في بيان، إن «مجهولين يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي، أطلقوا النيران بشكل عشوائي تجاه أتوبيس يقل عددا من المواطنين الأقباط أثناء سيره في الطريق الصحراوي الغربي دائرة مركز شرطة العدوة».
وأضافت: «على الفور انتقلت القيادات الأمنية إلى محل الواقعة وتبين وقوع الحادث أثناء سير الأتوبيس في أحد الطرق الفرعية الصحراوية متوجهاً إلى دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة، ما أسفر عن استشهاد 26 مواطنا وإصابة آخرين». وأشارت الداخلية إلى «فرض طوق أمني في المنطقة» لافتة إلى أن «الأجهزة الأمنية تكثف جهودها للوقوف على ملابسات الجريمة وضبط الجناة».

الرد بضربات جوية على درنة الليبية

كعادته بعد كل هجوم يستهدف الأقباط، خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ليعلن اتخاذ عدد من الإجراءات، لكن هذه المرة فاجأ السيسي المصريين، بتوجيه ضربات جوية لقاعدة انطلق منها منفذو الهجوم في مدينة درنة الليبية.
وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إنه بعد سقوط النظام الليبي، كنا نعلم أن هناك شرا كبيرا سيأتي لمصر، وكانت القوات تتواجد على الحدود لتأمين البلاد، مضيفًا: «خلال العامين الماضيين فقط، حجم العربيات الدفع الرباعي اللي عبرت الحدود لينا في مصر، تقرب من الـ1000 عربية، وخلال الثلاث شهور الماضيين دمرنا تقريبًا 300 عربية وكل ده كان جاي يستهدف المصريين وأمننا».
وأضاف في كلمة له عقب الهجوم، أن هناك جهودا كبيرة تقوم بها الدولة لحماية شعبها وأمنها، فيما شدد بالقول: «اللي شفتوه النهارده مش هيعدي كده، والمعسكرات اللي خرجت منها، وتم التدريب فيها للعناصر دي تم توجيه ضربة ليها جامدة جدًا».
وكان السيسي، قد عقد اجتماعا مع القيادات الأمنية والعسكرية، لمتابعة تداعيات حادث المنيا الإرهابي، ووجه باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لرعاية المصابين في الحادث.
وخرج وزير الدفاع المصري، الفريق أول صدقي صبحي، بعد تنفيذ الضربات بأيام، بالقول أن الضربات الجوية التي نفذتها بلاده ضد أهداف في ليبيا حققت أهدافها، وردعت «التنظيمات الإرهابية والقوى الداعمة لها».
وقال تعليقا على عمليات القصف التي نفذها سلاح الجو المصري ضد أهداف في مدينة درنة بالتعاون مع سلاح الجو الليبي: «إن قيام القوات المسلحة بهذه الضربات، حق أصيل للدولة المصرية ضد كل من تُسول له نفسه المساس بقدسية الوطن وسلامة أراضيه».
وأشار وزير الدفاع المصري، خلال لقاء بعدد من ضباط وضباط الصف والجنود من صنوف الجيش المختلفة، إلى أن «القوات المسلحة تعمل بأعلى درجات الاستعداد والجاهزية، لتنفيذ أي مهمة تسند إليها للدفاع عن الوطن وتأمين حدوده وحماية ركائز الأمن القومي.
وقال وزير الخارجية، سامح شكري، إن معسكرات المتشددين في ليبيا تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن مصر القومي.
وأضاف في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف: إن وجود تنظيمات إرهابية في ليبيا، واتخاذها قواعد للتدريب والانطلاق إلى الأراضي المصرية يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي.
وأضاف أن «أحدث هجوم في مصر دليل على مدى قدرة هذه التنظيمات وإصرارها على اقتراف هذه الجرائم البشعة التي تستهدف الأبرياء، من أجل زعزعة استقرار مصر، بما يحتم عليها أن تدافع عن نفسها وفق قواعد القانون الدولي والمواثيق الدولية».
وتابع: «مصر استهدفت قواعد هذه التنظيمات للقضاء عليها والحد من قدرتها على تهديد الأمن القومي، وهذا الأمر بالتنسيق الكامل مع الجيش الوطني الليبي والأطراف السياسية التي تعمل، من أجل استعادة استقرار ليبيا».
وأبلغت مصر مجلس الأمن بالضربات الجوية التي وجهتها قوات مصرية لمواقع قالت إنها تخص تدريب «عناصر إرهابية» في درنة.
وقال المتحدث باسم الخارجية المصرية في بيان، إن بعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة سلمت خطابًا إلى رئيس مجلس الأمن، السبت، أخطرت من خلاله المجلس بأن «الضربات الجوية التي استهدفت مواقع التنظيمات الإرهابية في مدينة درنة في شرق ليبيا، تأتي اتساقًا مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المعنية بالحق الشرعي في الدفاع عن النفس، ومع قرارات مجلس الأمن المعنية بمكافحة الإرهاب».
وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري أخبر نظيره الأمريكي ريكس تليرسون أن الضربات «جاءت في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، وبعد توافر المعلومات والأدلة كافة على تدريب العناصر الإرهابية المتورطة في جريمة المنيا الإرهابية في تلك المعسكرات، بالإضافة إلى تورطها في أعمال إرهابية أخرى وقعت في مصر أخيرًا».

مطالبات بإقالة وزير الداخلية

بينما طالب معارضون مصريون بإقالة وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار بسبب فشله في مواجهات الجماعات الإرهابية على حد قولهم، فاجأ الأخير الجميع بإقالة اللواء فيصل دويدار، مدير أمن المنيا، من منصبه، وعين اللواء ممدوح عبد المنصف حكمدار محافظة الإسماعيلية قائمًا بأعمال مدير أمن المنيا.
وقالت مصادر لـ «القدس العربي»: «منذ وقوع الجريمة حقق قطاعا التفتيش والرقابة والأمن العام في شبهة تقصير أمني في المحافظة وقت التفجير، وتبين عدم وجود خدمات أمنية في الطريق المؤدي لدير الأنبا صموئيل، وكذلك خروج الرحلة الدينية دون موافقة أمنية».
وأثار قرار وزير الداخلية انتقادات من أحزاب المعارضة التي دعت لإقالته بعد تكرار عمليات إرهابية استهدفت المسيحيين، خاصة وأن الوزير بات يتعامل مع كل حدث بإقالة القيادة الأمنية المسؤولة عن المنطقة التي شهدت الهجوم، حيث سبق وأقال اللواء حسام الدين خليفة مدير أمن الغربية، وعددًا من قيادات الأمن الوطني المصري.
وشهدت مصر العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت المسيحيين بشكل خاص في عهد عبد الغفار، كان أبرزها استهداف الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط في منطقة العباسية، وسط القاهرة، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، ما أودى بحياة 29 شخصا، فيما أودى تفجيران انتحاريان استهدفا كنيستي مار جرجس في مدينة طنطا، والمرقسية في الإسكندرية، بحياة 45 شخصا بين أقباط ومسلمين ورجال أمن.
وانتقدت الهيئة القبطية الأمريكية، التعامل الأمني مع هجوم المنيا، وقال عادل عجيب، رئيس الهيئة، في بيان، إن «هناك تقصيرا أمنيا في التعامل مع الواقعة»، مشيرا إلى «وجود عامل مشترك في كل الجرائم الإرهابية الأخيرة». وأضاف «نرسل كل تعازينا القلبية إلى قداسة البابا تواضروس الثاني وجميع أساقفة المجمع المقدس وبصفة خاصة أساقفة المنيا وبني ســـويف، راجـــين من الله أن يـعــــطي السلام للكنيسة والأمان لشـــعبه في مصــر، وكذلك لكل أسر الشهداء جميعًا بخالص التعـــازي القـلبـــية الحــارة ونقول إنه أصبح لنا ولكم شهداء يصلون من أجلـنا لدى الهنا ونقول لهم جميعا إن سنكسار الشهداء ما زال مفتوحا».
وكان 92 حزبا ومنظمة وشخصية عامة أصدرت بيانا طالبت فيه بإقالة وزير الداخلية الذي فشلت وزارته والحكومة المنتمي إليها في حماية المسيحيين من العمليات الإرهابية ومن جرائم العنف الطائفي المختلفة في المحافظات، ومنها المنيا نفسها، وتواطأت معها برعاية الجلسات العرفية المشينة، والتي تعتقل شباب الأحزاب لتجريد الوطن من قواه الحية، وتمنع حقوق التظاهر والاعتصام والإضراب حتى طبقا للقوانين الظالمة التي مررتها في مجلسها للنواب.

الضحايا في المنيا والرد في ليبيا: أقباط مصر بين نيران الإرهابيين والتقصير الأمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية