الضربة الجوية و«داعش» وما حولهما ـ بضع ملاحظات

قليلٌ من الحماس ربما يكون مفيداً.. قد أتفهم الحاجة إليه كنوعٍ من التفاؤل الدافع للأمام يتخلل حياة شعوبٍ رتيبة ملأى بالهموم والهزائم والإحباطات.
ربما لكن الأكيد أنني أنفر متشككاً من الحماسة الجارفة، أراها صنو الحماقة وأول خطوةٍ في طريقها، التي تؤدي إلى الفقدان والمزيد من الهزائم الأعمق، ولعل مرد ذلك ما يمتلئ به تاريخنا من صورٍ تزحم الذاكرة، لجماهير غفيرة تركض في شوارعنا ومياديننا هادرة «بالروح بالدم نفديك يا.. « فتارةً يكون المنادى المرحوم عبد الناصر وتارة «المعلم» حافظ الأسد وتارةً أخرى الرفيق الركن المناضل (مع الفارق النوعي بكل تأكيد بين عبد الناصر والباقين). والمشكلة أن تلك الجماهير في لحظةٍ ما كانت تصدر عن قناعةٍ وإيمانٍ حقيقي وحماسةٍ صادقة، لكن كل ذلك لا يغير من النتيجة: الهزائم والقمع والخراب العميم الذي طال الفضاء والإنسان.
ما سبق انطباعٌ ولد وما لبث أن ترسخ لدي، وأنا أراقب ردود الأفعال على جريمة قتل العمال المصريين البشعة والضربة الجوية التي أعقبتها. لم أكتب في حينها لأنني شعرت ورأيت بأنني في حاجة إلى التريث والفهم، غير أنني أعترف بأنني وإن لم تدهشني ردود الأفعال المرحبة في مصر من السواد الأعظم، فإنها أزعجتني لما رأيت فيها من تسرعٍ في تناول الحدث وتحليل مؤداه ومضمونه.
لا شك في أن تلك الجريمة، بغض النظر عن كل ما قيل من تحفظاتٍ عن توقيتها وطريقة إخراجها، لم تتوقف عند حدود البشاعة فقط، وإنما مثلت إهانةً عميقة للشعب المصري وصفعةً وضعت النظام، العسكري الطبع والطابع حتى النخاع، في مأزقٍ.. ومنحته فرصةً عظيمةً أيضاً.
السيسي، الذي رُوج له كرجلٍ عسكريٍ قوي قادر على الحسم وضبط الدولة، في بلدٍ يزعمون لنا أن العسكريين وحدهم يصلحون لحكمه، استغل تلك الفرصة بسرعة ليحقق نصراً سريعاً لم يكلفه الكثير في حقيقة الأمر (على الأقل حتى الآن.. ). وبغض النظر عن كونه الآن بات «صاحب ضربة جوية» كالتي لمبارك كما تندر البعض، فإنه بتلك الحركة السريعة نجح في إحراز بضع نقاط: أولاً على نطاق الداخل المصري، بدا أنه ثأر لكرامة المصريين وأثبت أن زمن إهانتهم قد انتهى، وللأمانة فإن ذلك أمرٌ يضرب على وترٍ شديد الحساسية لدى قطاعاتٍ واسعة للغاية من المصريين، ممن خاضوا تجربة الغربة الجديدة نسبياً عليهم وتعرضوا للإهانة، خاصةً في بلدان الخليج العربي، وعرفوا التهاون والتفريط من قبل دولة مبارك وممثليها في الدول المعنية. كما أن تلك الضربة أثبتت للجميع، في الداخل والخارج (في نظر المصريين على الأقل) أنه ثمة دولة مصرية ما تزال قائمة، ثابتة وقوية وقادرة على الردع، خاصةً أن قطاعاً شديد الاتساع من الشعب المصري يراقب حوله تفتت دول الجوار، ويخشى مصيراً مماثلاً حتى صارت تلك إحدى حجج بقاء النظام وبطشه «أحسن من سوريا والعراق»؛ للدقة والتحري فإن أحداً لم يستفد من ذلك أكثر من السيسي نفسه ونظامه، على الأقل بصورة مؤقتة، فقد رفعت تلك الضربة من أسهمه وشعبيته التي كانت آخذةً في التآكل، نتيجة عدم إحراز أي تقدمٍ ملموس في الأوضاع المتردية. لوهلةٍ يبدو أن تلك الضربة غطت على الكثير من الجرائم، كقتل شيماء الصباغ ومشجعي الزمالك، كأنها نوعٌ من «مسح الديون السابقة»، ولم يتخلف في توظيف ذلك، فقد أتبعت الضربة في تلاحقٍ زمني مدهش تلك الأحكام الهمايونية الجائرة بالحبس على الشباب جزاءً على التظاهر وفق منظومةٍ قضائية يدَّعون أنها غير مسيسة، والرد على ذلك بسيط، إذ يكفي أن القوانين في حد ذاتها مسيسة وبنت الانحياز السياسي والاجتماعي. أما على الصعيد الخارجي فقد أفادت النظام بدون شك، إذ خولته تلك الضربة أن يوصل رسالة واضحة لا تحتمل اللبس للشرق والغرب، وكل من يهمه الأمر بأن مصر برئاسة السيسي قوةٌ يعتد بها في ذلك المحيط الإقليمي، موجودةٌ وفاعلة على الأرض وعلى من يريد أن يلعب سياسة أن يحسب حسابها في التصفيات النهائية.
في المحصلة، لقد أحرز النظام كثيراً بثمنٍ غير مكلفٍ نسبياً.. على الأقل حتى الآن.. إلا أن قناعتي الشخصية أن ذلك لن ينعكس إيجاباً على الواقع على الأرض. بدايةً، أرى وأقرأ للكثيرين (بعضهم أحترم رأيه ونزاهته) يتحدثون بزهو عن النتائج المبهرة على الأرض لتلك الضربة، غير أن أحداً منهم لا يخبرنا عن دلائل ذلك النجاح اليقيني.
غير أن الأهم من هذا وذاك هو ما يدور في المنطقة، وما أدخله النظام في مصر وأبواقه الإعلامية على الجمهور. لست آتٍ بجديد إذا قررت أن المنطقة تشهد حالة انصهارٍ عنيفة ذابت وسيذوب فيها كثيرٌ، إن لم يكن كل، الكيانات القومية بشكلها وفي حدودها التي عرفها أغلب القرن العشرين، وجزءٌ كبير من ذلك على ارتباطٍ وثيقٍ بما جد من تغيراتٍ عميقة وعنيفة في بنية الاقتصاد العالمي وتقاسم الثروة والنفوذ مع تزامن حقبة تضعضع الدور الأمريكي وظهور عمالقة تطالب بما يتناسب ومكانتها وقدراتها، بقدر ما يمثل انعكاساً مباشراً ونتيجةً لفشل، أجل أكرر مؤكداً فشل المشروع القومجي العروبي الذي ساد زمن مد التحرر حول منتصف القرن، ثم آل به المطاف إلى كابوسٍ من القمع والفشل والتفتت على متاريس الهويات من طائفيةٍ إلى عرقيةٍ إلى ما شئت؛ تلك الخلفية بإحباطاتها مضافا إليها استثمارات الأنظمة في الإسلام السياسي في بلداننا ذات العلاقة الطويلة والمركبة مع الغرب ونموذجه، أدى إلى صعود ظاهرة الإسلام السياسي وكرس حاضنات الإرهاب السياسي الذي أوصلنا إلى مرحلة الدواعش.
لأنني أنشد الأمانة مع نفسي ولا أقبل بدونها يتعين عليّ أن أعترف بأن ظاهرة «داعش» ما تزال تمثل لغزاً بالنسبة لي في بعض جوانبها.. مؤكد أن أجهزة استخبار ٍ عديدة تواصلت معها وأسهمت في نشأتها، إلا أن ذلك لا يعني أن الغرب راضٍ عن تلك الظاهرة على المدى الطويل، وإن حقق مكاسب قصيرة الأمد كأسعار النفط الرخيص؛ يقيناً أن أوروبا لا تريد «داعش» تحت بطنها في ليبيا، كما أن النظام السوري استفاد من «داعش» ليسوق نفسه، البديل الأفضل الذي يمكن للغرب التعايش معه.. ربما تكون مشروعاً غربياً خرج عن السيطرة.. ربما.. إلا أنه لم يأت من فراغ وله مؤيدوه، ولعل أقرب مثال هو سخط العشائر السنية في العراق على حكومة المالكي مثلاً.. هو نمطٌ جديد من التفاعل وتخليق الواقع، لا يخضع لقواعد الهندسة بقدر ما يتشكل وفقاً لتدافع الأحداث، وكل طرفٍ يسعى لجذب الحبل ناحيته وتحقيق مصلحته وفقاً لنفوذه المترتب على تشعب علاقاته وقوته على الأرض.. كل الأوراق تختلط في دوامة.. اللطيف والفكاهي في خضم كل هذه المتغيرات العميقة والجارفة هو متابعة الإعلام المصري، خاصةً المرئي، ومحلليه الاستراتيجيين الأشاوس الذين ما ينفكون يدهشونني! فهم يفهمون فهماً تاماً كل شيء ويمتلكون الحقيقة كاملة وكلمة السر هي المؤامرة! فنحن، لا سمح الله، ليس لدينا أي مشاكل أو أوجه نقص، لم يربض على أنفاسنا مبارك طيلة ثلاثين عاماً مفسداً ومجرفاً، لم يؤمن الرؤساء وطغمهم مواقعهم في السلطة عن طريق الاستقواء بالأهل والعشيرة والطائفة، ممزقين أوصال مجتمعاتٍ لم تكن تعرف اللحمة والدولة الوطنية في الأساس.. لا أشكك في أن هناك تآمراً، لكننا هذه المرة أمام واقعٍ متغير، والأحداث كانت سباقة ففاجأت الجميع، كسيلٍ عارمٍ حطم كل السدود، ومن ثم فالتآمر أو الألعاب السياسية جاءت من قبل أطراف تسعى لحماية وتأمين مصالحها وسط هذا التدافع، حيث قد يتحالف طرفان كالمملكة السعودية وأمريكا مثلاً في مكانٍ كسوريا، ويختلفان في مصر، وهكذا.. باختصار زمن التآمر السهل البسيط الواضح بين قوتين عظميين تتقاسمان العالم، الذي رسم سايكس- بيكو ولى ليحل محله زمنٌ لا يخلو من التآمر ولكنه أكثر تعقيداً بين قوى أطرافٍ أكثر، كأن كلاً منها يحاول تحصيل نسبة أرباحه أو أكثر قليلاً على قدر وزنه وأسهمه.
بيد أن شعوبنا التي سئمت دور المفعول به وتود أن تتخطى حالة الزوج الذي يعلم متأخراً، تتوق لفهم ذلك الطوفان الذي عصف بها فأذاب ما تصوروها بنى راسخة، وليس أمام الإعلام والأنظمة سوى نظريات المؤامرة، ببساطة، لأنهم لا يعرفون غيرها.. النظام في مصر مثلاً (وكوادره الأمنية بالأخص) الذي لم ير سبباً لثورة ليس في مقدوره أن يفسرها ويتعامل معها سوى من منطلق المؤامرة البسيطة، لأنه ببساطة لا يفهم سوى ذلك، فكثير من هؤلاء الضباط توقف عند سايكس- بيكو، التي ربما سمع عنها أو تعلمها في المدرسة.
الحق أكتب، لم أعد سعيداً بكثرة التعبير عما أكنه من التحفظات والشكوك.. بعدم الشعور بالبهجة حين يرقص الناس فرحاً بسبب «الانتصار».. من قول «لا» حين تجأر الكثرة بـ»نعم».. إلا أنها مسألة شعور بالمسؤولية ومبادئ والحفاظ على التماسك الفكري.. أن أظل متسقاً مع نفسي..
قد تكون تلك الضربة الجوية ورقة توتٍ تسولها النظام من الحظ ووحشية من هم أقبح منه وأكثر وحشية، ليخفي مشاكله وأزماته، إلا أنها في نهاية المطاف ورقة.. ضعيفة وهزيلة وصغيرة.. لن تغني عنه شيئاً أمام مشاكله الملحة التي لا يبدو لها انفراج وفق المعطيات قريباً.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية