اذكر ان صديقي الكاتب المتميز، فيصل حوراني، نقل لي قبل نحو ثلاثين سنة، ما رواه له صديقه «عميد الشيوعيين العرب»، خالد بكداش، (الذي رحل عام 1995، عن عمر يناهز 83 عاما، منها 62 عاما «فقط !!» امينا عاما للحزب الشيوعي السوري، ومن ضمنها بضع سنوات امينا عاما لـ«الحزب الشيوعي السوري اللبناني»، قبل ان تتحرر سوريا ولبنان من الانتداب/الاستعمار الفرنسي عام 1943).
قال بكداش لفيصل انه طلب موعدا مع الرئيس السوري حافظ الاسد، وعندما استقبله الاسد، بادره بكداش بالسؤال عما بينه وبين ياسر عرفات، فشكى الاسد من تصرفات وسياسة وتصريحات عرفات العلنية وغير العلنية، فكان رد بكداش: «ياسر عرفات، والفلسطينيون ضحية لاسرائيل والصهيونية، والضحية لا تُعاقب يا ابو سليمان، كفى الضّحية ما هي فيه من عذاب ومعاناة، الضّحية، حتى عندما تخطئ، او نعتقد انها اخطأت، او لا يروقنا تصرفها او حتى ينالنا أذىً من تصرفها، يتم نصحُها ومحاولة تعريفها بما نعتقد انه التصرف السليم والمُفيد، يكفي الضّحية ما هي فيه».
هذا الدرس الذي تعلمته واستوعبته مما سمعته من فيصل حوراني نقلا عن «الحكمة» والانسانية النقية الطاهرة، في رد خالد بكداش على اتهامات حافظ الاسد، ما زالت تطن في أذني، على مدى عقود. واذكرها في هذه الايام بالذات، وانا اتابع بألمٍ حقيقيٍ، حد مغالبة الدمع، تداعيات ونتائج قرار «الشرعية الفلسطينية»، المؤتمنة على المال العام الفلسطيني، وهي تحسم ما يصل إلى حدود 30 في المئة من رواتب وبَدَلات «الموظفين الرسميين» في السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة….ما هكذا تورد الإبل يا سعد!!!.
كيف تم اتخاذ هذا القرار؟. ما هي مسوِّغات عقاب الضّحية؟. وهل فكّر من اتخذ القرار ماذا سيكون رد فعله شخصياً، وهو يرى ابنه يتضور جوعاً، (او ربما حفيده الذي يتمنى استلام هدية في غاية التواضع من جدِّه!)، لو كان هو من ستُحسم من راتبه، الذي لا يكاد يَسدُّ الرمق اساساً، هذه النسبة العالية.
اساساً: كيف يتم اتخاذ القرارات في «الشرعية الفلسطينية»، منذ بدء انقلاب «الشرعيات» الفلسطينية(!!) على الشرعية الفلسطينية؟.
للرشوة طعم اكثر حلاوة من طعم الراتب، حتى وان كانت اقل منه قيمة.
ماذا لو بادرت «حماس» إلى «التعويض» على موظفي السلطة الوطنية الذين تم حسم 30 في المئة من رواتبهم، بصرف هذه النسبة لهم؟، وهي اقل من ثلث تلك الرواتب، ولمن سيكون ولاؤهم في مثل هذه الحالة؟، دون ان يكون في ذلك أي قصد مني بتلميح ان ولاءات هؤلاء الموظفين الرسميين تشترى بمال حرام، اوحتى بمال حلال. لكن… ليست الجيوش وحدها «تزحف على بطونها» بل إن «كل موظفي البشر يزحفون على رواتبهم».
ليس كل المقاتلين في جيوش العالم مرتزقة. لكن في عالم الجيوش والحروب، على مدى التاريخ الذي تعلمناه ونعرفه، مرتزقة كثيرون، فهل تسعى «الشرعية الفلسطينية» إلى تحويل الموظفين الفلسطينيين «الرسميين» في قطاع غزة إلى مرتزقة؟ ولمصلحة من؟. وقد بدأت علامات احتمال ذلك تلوح بجلاء، حيث شاركت قيادات من حركة حماس وغيرها، في أول مظاهرة لهؤلاء الموظفين، احتجاجا على هذا القرار المجحف وغير الحكيم. علما بان قيادة حماس كانت كثيرة وشديدة الانتقاد لهؤلاء الموظفين الذين التزموا بقرار الشرعية الفلسطينية، ورفضوا العمل والدوام في «وزارات» حماس ومؤسساتها.
من بين آخر المعلومات عن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، التي تنشرها وسائل الإعلام، انه تم تسريح 70 في المئة من العاملين في قطاع الصناعة هناك في الفترة الاخيرة، جراء الحصار الاسرائيلي، واغلاق «المعابر»، ومنع ادخال المواد الخام، وغير ذلك من العراقيل. إذا اضفنا إلى هذا المعاناة في غزة من قضايا الكهرباء والماء والخدمات وغيرها، نجد انفسنا امام حالة لا تطاق، ويمكن من الآن توقع انفجارها، حيث ستطال شرورها اهالي قطاع غزة اولا، لكنها لن تقتصر عليهم فقط، بل ستطال كل ابناء الشعب الفلسطيني والمحيط. لكن حتى لو اقتصرت تلك الشرور على اهلنا وابناء شعبنا في قطاع غزة وحدهم، لكان السكوت على ذلك غير حكيم ولا انساني، ولا وطني، مهما كانت المبررات والذرائع. فكيف إذا كان دور شرائح فاعلة في ساحة «الشرعية الفلسطينية» صبّ الزيت على هذا الصفيح الملتهب؟.
جميع الفلسطينيين في العالم، دون أي استثناء، ضحايا للاحتلال والاستعمار الاسرائيلي. لكن لبعض الفلسطينيين ضحايا فلسطينيين آخرين، وليس من الحكمة ان تقبل الضحية القيام بدور الجلّاد لضحية من شعبه. ليس من الحكمة ان نخلق طبقة جديدة في هذا المسلسل غير الانساني، طبقة ضحايا ضحايا الضحايا.
ثم، لو اعتمدنا استخدام العقل وبرودة الاعصاب، رغم الجو الملتهب حولنا، بل وفي عقر دارنا، وبحثنا عن الدافع وراء هذا التخبط في قرارات «الشرعية الفلسطينية»، واوصلنا ذلك إلى توقع ان يكون ذلك الدافع هو ضغوط هائلة من مانحين وحامين ومحرِّضين لـ»الشرعية الفلسطينية» لاستخدام سوط الجلّاد على جسد الضحية الشقيق، فما هو المانع في مصارحة الناس علناً بما تتعرض له من ضغوط لا قِبَل لها بتحملها؟؟.
ايضا، من هو ذلك «العبقري» في محيط وساحة «الشرعية الفلسطينية» الذي شطب ومَحا كلمة وتعبير «استقال يستقيل» من معجم اللغة؟.
للتذكير وأخذ العِبرة: بعد ان اتخذ رئيسا حكومتي اسرائيل، اسحق رابين وشمعون بيرس، قرارات ما بعد «غزة اريحا أولاً»، وتم سحب جيش الاستعمار الاسرائيلي من مدن وبلدات ومخيمات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتسليمها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذراعها التنفيذية «السلطة الوطنية الفلسطينية»، (ليس في هذا التعبير خطأ، فقد كانت السلطة حتى ذلك الحين، ذراعا للمنظمة لا وريثا لها)، ولم يتمكنا، لا رابين ولا بيرس، (وهما من حزب العمل المعتدل، بالمقاييس الاسرائيلية طبعا)، من امر جيش الاستعمار الاسرائيلي بالانسحاب والجلاء عن مدينة الخليل، وتسلم بعدهما، (سنة 1996) رئاسة الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، من حزب الليكود اليميني.
وعندما رفض نتنياهو الامر بالانسحاب من الخليل، هدّد الزعيم الخالد ابو عمار بالاستقالة. وعندما عرفت جميع الاطراف ذات العلاقة ان ابو عمار جادّ في تهديده، وبدأ بالتحضير إلى انتقاله للاقامة في القاهرة، غادر الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال مستشفاه في اميركا، وانتقل بطائرته الهليكوبتر من عمان إلى تل ابيب وبعدها إلى غزة، وانسحب جيش الاستعمار الاسرائيلي، بامر من نتنياهو، ليس من ثلاثة ارباع الخليل فقط، بل زاد عليها 13 في المئة من اراضي الضفة الغربية المستعمرة الخالية، والتي كنّيتها في حينه، بـ«ارض السنديان».
ليس الرضوخ للضغوط الهائلة هو الحل الوحيد. هناك حلول اخرى كثيرة، اكتشافها يستلزم الاستعانة بعقول قادرة على الابتكار، وعلى رمي الكرة إلى ملعب الخصم والعدو.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور