اقترح بيل كلينتون ان تكون السيادة الإسرائيلية في أعماق جبل البيت؛ الملك حسين قال ان السيادة في الحوض التاريخي للقدس تكون لله؛ باحثون مثل البروفيسورة روت لبيدوت يتحدثون عن سيادة مجمدة او معلقة، في محاولة للتفريق بين الجانب الرمزي والاداري؛ جبل البيت في ايدينا؟ من تسأل ومن يقول ماذا؟
من العام 1967 تطل علينا مشاريع واقتراحات في محاولة لتهدئة الضجيج الذي يعتمل من تحت جبل البيت ـ ومن فوقه. كل واحد ومشروعه. على السؤال إلى اي حد نجح وينجح، يجيب الواقع بفمه.
المؤرخ د. امنون رامون، من معهد القدس للبحوث السياسية، يقفز إلى السطر الاخير: «الكثير من المشاريع طرحت ولكن لم تبدأ اي فكرة محطتها الأولى في الطريق إلى شيء ما يمكنه ان يرتبط بالواقع. هذا لم يتقدم في ضوء أهمية المكان والفهم بأن هذا الموقع، اداره المسلمون 1300 سنة. حتى لو جاء المسلمون وقالوا تفضلوا أيها اليهود نحن نعطيكم مكانا في الحرم، ماذا كان سيحصل؟ فليس في العالم اليهودي اجماع على اي خطوة ينبغي عملها بالنسبة لجبل البيت (الحرم). وعليه، فإن الحاخامية الرئيسة كهيئة رسمية لا يمكنها ان تقول حتى انها مع حجيج اليهود والصلاة في جبل البيت. لقد كان هناك في 1967 اجماع لدى كل المفتين تقريبا بأنه لا ينبغي السماح لصلاة اليهود في جبل البيت، اذ انه من ناحية فقهية محظور الحجيج اليه. اما الان فقد انكسر الاجماع إذ ان قسما كبيرا من الحاخامين في الصهيونية الدينية يعملون على نحو مختلف، ولكن لا يزال يدور الحديث عن مادة متفجرة تهز كل مبادىء اليهودية مثلما تبلورت منذ «يفنه»، كدين بلا بيت مقدس. المؤسسة نفسها لا تعرف ما تفعله بفكرة جبل البيت هذه: ماذا يقوم هناك؟ زاوية صلاة لليهود، كنيست في ظل المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟ مقدس وفيه تقديم القرابين؟».
لم تبدأ القصة في 1967. فقرار التقسيم في الأمم المتحدة تحدث عن القدس كمدينة دولية، بسيطرة وادارة من الأمم المتحدة لمدة عقد، مع تناول خاص للأماكن المقدسة. «هنا ايضا، فكرة الا يكون المسلمون بل احد آخر يدير جبل البيت لم تطرح على الاطلاق»، يقول د. رامون. «يمكن الحديث عن صلة الشعب اليهودي بالبيت ولكن ان الواقع هناك هو ان جبل البيت هو مسجد ومكان اسلامي مقدس من القرن السابع. هناك جهاز يحفظ جبل البيت وهو الاوقاف، جذوره منذ عهد الايوبيين في ايام صلاح الدين. قسم هام من سكان شرقي القدس يرون أنفسهم حماة الحرم حتى اليوم. في الصلة اليهودية للجبل، بقدر ما يجري الحديث عنها اليوم، ثمة اشكالية ما من هذه ناحية أنه لا يوجد اجماع حول كيفية تحققها حتى في داخل العالم اليهودي. وبالطبع توجد الحساسة السياسية الدولية ورد فعل الأردن والعالم الاسلامي. هذه عوامل تخلق ما يسمى الستاتوس كو ـ الوضع الراهن الذي هو ليس وضعا راهنا مجمدا، بل واقع يتغير كل الوقت. ولكن توجد حالة من الصعب جدا تغييرها وتحريكها منذ 1967».
في «القدس إلى أين ـ مشاريع بشأن مستقبل المدينة» بقلم موشيه هيرش ودبورا هاوسن كورئيل، بتوجيه من روت لبيدوت (من اصدار معهد القدس للبحوث السياسية)، تظهر جملة من المبادرات والاقتراحات التي تتناول مستقبل القدس، مع تناول للحرم: البروفيسور بنيامين اكتسيون اقترح في حزيران/يونيو 1967 «تسوية بمثابة تدويل الاماكن المقدسة في البلدة القديمة وتشكيل لجنة متعددة الاديان تتلقى صلاحيات معينة في الأماكن المقدسة». وتضم اللجنة ممثلي الحاخامية الرئيسة، مجلس القضاة في إسرائيل، البابا، الكنيسة اليونانية، اتحاد الكنيس البروتستانتية وغيرها. وعلى رأسها يقف وزير الاديان في إسرائيل. البروفيسور افيغدور لبونتين، من الجامعة العبرية، اقترح في ذات الشهر بالضبط، ان يكون إلى جانب وزارة الاديان مجلس اسلامي دولي للأماكن الاسلامية المقدسة ويتم فيه جهد لاشراك مسلمين ليسوا عربا (مثلا: من ايران، من تركيا ومن شرق افريقيا) وكذا من مسلمي إسرائيل. اما الحي اليهودي في البلدة القديمة، بما فيه الحائط الغربي، فلا يحتاج إلى مجلس دولي. إسرائيل نفسها هي الوصي على المصلحة القومية ـ الدينية اليهودية.
بعد حرب الايام الستة طرحت حكومة إسرائيل اقتراحا لمنح الاماكن المقدسة في منطقة القدس مكانة ممثليات دبلوماسية. وكان الاتفاق يستهدف ايضا مجالات حيازة الطوائف المسيحية في الاماكن المقدسة والاعتراف بالبابا كممثل لكل الطوائف المسيحية في المدينة. اما البابا فرفض التوقيع. اقتراحات السيناتورين ريتشارد نيكسون ووليم فولبرايت من 1967 ـ 1974 متشابهان جدا: ايجاد صيغة يكون ممكنا من خلالها وضع الاماكن المقدسة في البلدة القديمة تحت حكم يشبه الفاتيكان، لا يمس مع ذلك بسيادة إسرائيل على القدس الكاملة. كلاهما اكتفيا بهذه الاقوال ولم يضيفا.
اما تقرير معهد أسفان من العام 1975 فاقترح ان تبقى السيادة على معظم اجزاء القدس في يد إسرائيل. ولكن من المسجد الاقصى ومحيطه القريب تكون صلاحية دون عربية اسلامية. ومنطقة الحرم تكون كوندومينيوم (نظام تكون فيه منطقة معينة خاضعة لسيطرة دولتين أو اكثر على اساس متساوٍ) لدولة إسرائيل ودولة عربية او لنظام دولي، والمسؤولية عن حماية وحفظ مسجد قبة الصخرة والساحات المحيطة به في يد سلطات عربية اسلامية.
مشروع آخر، هذه المرة من يعقوب حزان (1980) من قادة الكيبوتس القطري، الحارس الفتي ومبام اقترح منح الحرم مكانة اكس تريتوريالية (خارج الولاية الاقليمية): البلدة القديمة تعلن كبلدة سلام ويقام فيها مجلس ديني يتشكل من ممثلي الاديان الثلاثة بشكل متساوٍ. يدير المجلس البلدة القديمة في كل ما يتعلق بطابعها الديني والثقافي. وماذا عن الجبل؟ يدار من الممثل الاسلامي في المجلس الديني. يمكن أن يخرج من هذا النطاق ذاك القسم من الجبل الذي يسمح فيه لليهود بالصلاة.
مشروع السلام للأمير عبدالله من السعودية (1981) اقترح انسحابا إسرائيليا من كل اراضي الايام الستة، تفكيك كل المستوطنات التي اقيمت منذ 1967، اقامة دولة فلسطينية عاصمتها شرقي القدس وحرية عبادة لكل الاديان في الاماكن المقدسة. رفضت إسرائيل، العراق وسوريا المشروع. مشروع مشابه اقترحته «م.ت.ف» في 1988 وكذا ايضا مؤتمر القمة الذي انعقد في فاس في ايلول/سبتمبر 1982 اقترح امرا مشابها، ولكن هنا لا يدور الحديث عن شرقي القدس كعاصمة الدولة الفلسطينية بل عن القدس كلها.
نقفز إلى الامام: صيغة كلينتون (2000) اقترحت خطوط توجيه لحل دائم للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، قدمت شفاهية من الرئيس بيل كلينتون للوفدين المفاوضين الإسرائيلي والفلسطيني بعد اجراء المفاوضات في كامب ديفيد في حزيران/يونيو 2000 وقبل المفاوضات في طابا في بداية 2010، وتضمنت هذه ضمن امور اخرى تنازلا فلسطينيا عن حق العودة وكذا تنازلا إسرائيليا عن السيادة في الحرم، وان كان يفترض أن تبقى ملكية رمزية إسرائيلية ما في الموقع: تكون سيادة فلسطينية على الحرم وسيادة إسرائيلية على الحائط الغربي.
وهن التنسيق
في حزيران/يونيو 1967 لاول مرة منذ خراب البيت الثاني، بدأت فترة جديدة في تاريخ جبل البيت وسيكون لليهود حرية وصول إلى الموقع في مواعيد الزيارة التي نسقت بين إسرائيل وبين مدراء الاوقاف. البروفيسور اسحق رايتر من معهد القدس للبحوث السياسية يشير في «سيادة الله والانسان: قدسية ومركزية سياسية في جبل البيت» إلى أن ايداع ادارة الحرم في ايدي الاوقاف الاسلامية سمح للطرفين بوجود قناع من الترتيبات التي خلقت ما يمكن أن يكون بمثابة وضع راهن جديد من ناحية إسرائيل. ولكن الطرف الاسلامي، الفلسطيني والاردني ـ لم يعترف رسميا بالوضع الجديد، ونقطة انطلاقه هي الوضع الذي كان قائما في عهد الحكم الأردني في اعوام 1948 ـ 1967. ويشرح رايتر فيقول ان «المقصود من اصطلاح الستاتوس كو في الحرم ليس وضعا سياسيا وقانونيا ثابتا، بل وصف للترتيبات التي نشأت بين إسرائيل وبين الاوقاف الأردنية بعد 1967 والتي فيها عناصر ثابتة ومستقرة من جهة، وعناصر دينامية متغيرة للظروف من جهة اخرى». منذ احداث ايلول/سبتمبر 1996 وفتح مخرج نفق المبكى وهن التنسيق بين الطرفين.
«الطرف الإسلامي قلص بالتدريج الوضع الراهن في اعمال من طرف واحد او بالعنف، ولا سيما في الاعمال العامة واحيانا في إغلاق الحرم امام الزوار. ولكن منذ آب/أغسطس 2003، أصبحت إسرائيل جهة مبادرة، فتحت الحرم للزوار، وبخلاف الماضي، تزور الموقع مجموعات دينية وايديولوجية بأعداد آخذة في الازدياد، دون تنسيق مع الطرف الإسلامي. وقد تطورت هذه المبادرة مع تعزز التوجه المتزمت ـ اليهودي تجاه جبل البيت، وسمحت الشرطة بدخول مزيد من الزوار من هذا الجماعات، ما اعتبر في نظر الطرف الاسلامي كمحاولة سيطرة ومس بمشاعر المسلمين. يعتقد الطرفان بأن الطرف الاخر هو الذي يخلق الستاتوس كو ورغم نواقصها، فإن آلية الحوار غير الرسمية التي نشأت بعد 1967 بين ممثلي الحكومة وبين رؤساء الاوقاف، كانت حتى ايلول/سبتمبر 1967 ادارة ناجعة للرقابة، لحفظ الستاتوس كو والتحكم بالمواجهة ومنذ احداث فتح النفق كف الطرفان واللقاءات بينهما عن ان تكون موضوعية».
مع بوابات الكترونية وبدونها، فإن الاوقاف الاسلامية لا تعترف بسيادة إسرائيل في الحرم وترى نفسها كمن يحق لها التصرف تصرف صاحب السيادة في اراضي الحرم، ولكنها تعترف بمسؤولية حكومة إسرائيل بالحفاظ على النظام العام في مجال الحرم ومنع المس به من خلال الشرطة.
بعد ان انهارت في نيسان/أبريل 2014 مبادرة السلام لوزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري والرئيس السابق براك اوباما عن مهلة توقف في المحاولات الأمريكية لاستئناف المسيرة السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، بعد الانهيار استأنف كيري نشاطه. كان هذا على خلفية التصعيد حول الحرم وموجة العنف في شرقي القدس وفي الضفة الغربية.
ونجح كيري في نهاية ذاك الشهر في اعادة تأكيد التفاهمات بين إسرائيل، الاردن والفلسطينيين حول الوضع الراهن في الحرم وبدأت محادثات بين إسرائيل والأردن لنصب كاميرات في الموقع. الفكرة بالطبع لم تنضج. «موشيه دايان قرر الا يكون الحرم مكان صلاة لليهود. الحائط فنعم ـ الحرم لا»، يواصل د. رامون، «كما قضى بأن يكون حق زيارة في الحرم لكل من يرغب في ذلك، ولكنه لن يكون مكانا مقدسا لليهود بالمعنى العبادي. في اعقاب جولة العنف ما قبل الاخيرة، قالت إسرائيل هذا لأول مرة بصراحة وعاد رئيس الوزراء وقال في زمن الاشتعالات الاخيرة بأنه لن يكون هناك تغيير في الوضع الراهن».
سؤال للبروفيسور رايتر: هل هذا وضع ضائع؟
«لا، هذا ضائع في الوقت الحالي، ولكنه شيء ما ينبغي العمل عليه. قد يستغرق هذا بضعة اشهر وبضع سنين. النزاع السابق كان النزاع حول طلعة المغاربة، والذي بدأ في 2007.
إسرائيل خططت لأن تبني هناك جسرا يحل محل الجسر الجشبي المؤقت. الأردنيون عارضوا ولا يزال لا يوجد حل ولكن يمكنني القول ان هذا امر ينبغي الاتفاق عليه بالحوار. ما حاولت إسرائيل فعله كان خطوة من طرف واحد. امور كهذه يجب أن تتم بالحوار وعلى إسرائيل ان تدفع للأردنيين كي يوافقوا. إسرائيل تعتقد بأن موازين القوى هي مئة في المئة في صالحها، ولكنها تنسى ان لديهم شارعا. يوجد حل ـ بالحوار الثنائي والثلاثي، ولكن الطرف الإسرائيلي يجب أن يعرف بأن هناك ثمنا سيدفعه. السيادة الحقيقية التي يدعي انها ستكون له ليس قائمة في الواقع بل في خطابية الزعماء. اما في الواقع فالميدان هو الذي يملي الوضع».
ـ وأي من المشاريع تبدو لك الأكثر قابلة للتطبيق؟
«مشروعي. (الستاتوس كو) القائم بين 1967 ـ 1996 مع بعض التحسينات في الطرفين. كل طرف يمكنه أن يضيف ما هو الأهم بالنسبة له: مثلا، الاثريات والحفريات تتم بالتوافق وليس من طرف واحد، ليس من الأوقاف وليس من إسرائيل. توافقات عن عدد المسموح لهم بالزيارة في مجموعات وشكل الرقابة عليهم، وهذه هي المشكلة الاساس بعد أن ازيلت الكاميرات والبوابات الالكترونية. فما يشغل بال الطرف الاخر هو ان الإسرائيليين يقومون باستفزازات والرقابة عليهم غير ناجعة لأنهم يأتون في مجموعات كبيرة. مثلا، في يوم القدس الاخير حجت مجموعة كبيرة كانت تنشد «هتكفا» في الحرم. من ناحية الفلسطينيين هذا استفزاز والشرطة اضطرت لاعتقال 15 من ابناء هذه المجموعة. شرحت في مجلس الامن القومي قبل عدة اشهر وأنا اكرر: نحن لا يمكننا ان نفعل في هذا الموقع كل ما يحلو لنا. أخذنا على عاتقنا قيودا في 1967 وعلينا ان نستوعب هذا».
معاريف 27/7/2017