منذ سقوط الرمادي في يد تنظيم الدولة الإسلامية في 17 أيار/مايو هذا العام والحكومة العراقية تتحدث عن حملة لاستعادتها من يد المقاتلين الجهاديين الذين سيطروا على عاصمة المحافظة بعد سلسلة من الهجمات الإنتحارية دفعت بمن تبقى من المدافعين عنها من قوات النخبة وأبناء العشائر للهروب بطريقة مذلة دفعت رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي للتعليق ساخرا أن الجيش العراقي لم يخرج من الرمادي بل أخرج نفسه. وكانت خسارة عاصمة المحافظة ضربة لحكومة حيدر العبادي، رئيس الوزراء وللإستراتيجية الأمريكية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما العام الماضي والقاضية بإضعاف وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية. وترافق سقوط الرمادي مع تطور آخر في سوريا حيث دخل مقاتلو التنظيم إلى المدينة التاريخية تدمر وسيطروا على مدينة مهمة على الطريق إلى العاصمة دمشق وأكملوا سيطرتهم على المصادر الطبيعية في سوريا.
آمال متلاشية
وجاء سقوط المدينيتين بعد فترة من التفاؤل بقرب نهاية التنظيم أو هزيمته على الأقل، فقد خسر بلدة عين العرب/كوباني بعد قرار الولايات المتحدة دعم قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المتهم بارتباطه بحزب العمال الكردستاني في تركيا. وخسر حسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ربع مناطقه في العراق. لكن توسعه من جديد طرح أسئلة حول مصداقية التحليلات وطريقة فهم التحالف الدولي لطبيعة توسع التنظيم الذي يجمع في معاركه بين حرب العصابات والقدرات التقليدية للجيوش. فقد نجح زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في بناء حركة استفادت من خبرات الضباط السابقين في الجيش العراقي الذي حل عام 2003 ومن المقاتلين المتمرسين في تنظيم القاعدة السابق على ظهور تنظيم الدولة في العراق وهؤلاء ممن عركتهم الحرب في أفغانستان أثناء الجهاد الأفغاني في ثمانينيات القرن الماضي. وساعدت هذه الرؤية على بناء جماعة متحركة بشكل سريع «تصدم وتروع» في الوقت نفسه ومن ثم تقوم بالبناء ومحاولة الحفاظ على المناطق. ومن هنا فكلما تأخر التحالف الدولي والحكومة العراقية التي باتت تعتمد بشكل شبه كامل على ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة والممولة إيرانيا والمتهمة بارتكاب انتهاكات طائفية ضد السنة، كلما تعقدت عملية استعادة الرمادي. بل وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن التنظيم وضع نصب عينيه على آخر مدن محافظة الأنبار الكبيرة وهي حديثة التي صمدت أمام هجمات المقاتلين الجهاديين لأكثر من عام ونصف العام. وزاد التنظيم من تركيزه على المدينة منذ سقوط الرمادي نظرا لسدها الذي ينتج الطاقة الكهربائية ولقربها من قاعدة عين الأسد الجوية. وذكرت الصحيفة أن دفاعات المدينة تتراجع بسبب الحصار الذي تعيشه إذ باتت واقعة في بحر من المدن والبلدات التي يسيطر عليها التنظيم من الفلوجة وهيت والرمادي. وتعاني من نقص في المواد الغذائية والدوائية ولا يمكن للراغبين الخروج منها إلا عبر المروحيات التابعة للجيش العراقي وهي خدمة ليست متوفرة لكل شخص.
خريطة الوضع
وحسب الخريطة التي يعدها مركز دراسات الحرب في واشنطن فالصورة لم تتغير، الحديثة تواجه ضربات التنظيم، ومحاولات للحشد الشعبي السيطرة على مدينة الفلوجة حيث تعلن المؤسسات الإعلامية التابعة له عن تقدم في مناطق قريبة من المدينة. ولكن التطور الأهم هو تكثيف تنظيم الدولة عملياته الإنتحارية وتفجير السيارات المفخخة في العاصمة بغداد ومحافظة ديالى التي تسيطر على مدنها ميليشيات الشعبي خاصة منظمة بدر التي تعتبر من أهم القوى داخل الحشد. وهذا التدهور الأمني الذي بدأ بنهاية شهر رمضان يترك أثره على التحضيرات لاستعادة مدن الأنبار وبالتحديد مدينة الرمادي. وفي التحليل للتطورات العسكرية داخل العراق في الفترة ما بين 21- 23 تموز/يوليو 2015 لوحظت تحركات واسعة للتنظيم في الوقت الذي بدأ فيه 3000 من قوات الجيش العراقي المدربة أمريكيا بالتحضير لمحاصرة الرمادي بالإضافة إلى 500 من مقاتلي العشائر. وهو عدد السنة تقريبا نفسه الذين شاركوا في عملية مدينة تكريت التي إجبر مقاتلو التنظيم على الخروج منها بعد شهر من الحصار وأعلن العبادي عن نهاية العمليات فيها في آذار/مارس. ولكن الثمن الذي دفعته تكريت التي تعتبر مسقط الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان باهظا. فقد ذكرت تقارير عن قيام ميليشيات الحشد الشعبي بانتهاكات وحرق بيوت ولا يزال المهجرون من أهلها ممنوعين من العودة إليها وقد لا يعودون في أي وقت. ومن هنا فأشكال المواجهة تتكرر في كل موقعة تتم فيها مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، فمن جرف الصخر إلى ديالى يجري طرد السكان الذين يتهمون بالتعاون مع تنظيم الدولة وفرض حقيقة جديدة على الأرض. وظلت الولايات المتحدة مترددة بدعم الحشد الشعبي نظرا لأن عددا من الفصائل المشاركة فيه مصنفة كإرهابية لدى الولايات المتحدة وبعضها متورط بقتل جنود أمريكيين أثناء الغزو الأمريكي للعراق 2003-2011 . لكن الصورة تغيرت الآن.
تطورات
فالتحضير لاستعادة الرمادي يجري في ظل تطورات مهمة، أولها الإتفاق النووي الذي وقعته الدول الكبرى مع إيران والذي يفتح الباب أمام تعاون أكبر لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. فالمصالح المشتركة بين إيران والولايات المتحدة تدفعهما للتعاون في العراق، ومنذ سقوط الموصل ومبادرة إيران بالتدخل فهناك تعاون غير معلن بين الدولتين في الحرب. فالقادة الأمريكيون وإن لم يلتقوا بشكل رسمي مع المستشارين الإيرانيين خاصة الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، إلا أن تفاهما ما حصل لتجنب التصادم في الأجواء أو على الأرض، بينما يلعب القادة العسكريون العراقيون دور وسيط في هذا الوضع. ومع توقيع الإتفاق النووي عاد السؤال من جديد ولكن بطريقة مختلفة، فكما نقل «صوت أمريكا» (19/7/2015) عن ماكس أبراهام من جامعة «نورثين إيسترن» قوله «كأمريكي، فالسؤال هو: أيهما يمثل تهديدا على الولايات المتحدة؟ واعتقد بوضوح أنه تنظيم الدولة الإسلامية». وقال إن الولايات المتحدة ترغب بهزيمة تنظيم الدولة ومن أجل فعل هذا فإما أن ترسل قوات برية أو تتعاون مع الشيعة- يعني إيران. وأضاف «لا شك أن المحور الشيعي بين إيران وسوريا وحزب الله ملوثة يديه بالدماء ولكنه لا يمثل تهديدا مباشرا على أمريكا كما هو الحال مع تنظيم الدولة». ويعترف أبراهام أن تعاون أمريكا مع الشيعة يعني المساعدة على تهميش السنة ومن هنا يطالب الرئيس باراك أوباما بإصدار تصريحات تطمئنهم. ويبرر عدد من المحللين أن التعاون مع الشيعة ضروري وملح وعلى الولايات المتحدة وبريطانيا ابتلاع «البرشامة المرة» كما عبر مايكل نايتس المحلل في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى. هذا من ناحية التعاون الذي جعله اتفاق فيينا يبدو طبيعيا وضروريا لتحقيق النصر على تنظيم الدولة.
آش في بغداد
أما التطور الثاني فهي الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع الأمريكي آش (أشتون) كارتر لبغداد وهي الأولى له منذ تسلمه المنصب في شباط/فبراير هذا العام وجاءت بعد انتقاده الجيش العراقي «وغياب إرادة القتال» لديه، ووصفت الزيارة بأنها محاولة لتقييم الوضع العسكري والتحضير لمعركة الرمادي. ومع أن هدف جولة كارتر في المنطقة كان التسويق للإتفاق النووي إلا أنها تشمل على ما يبدو التحضير لهجوم في نهاية الصيف على الرمادي. وذكرت بعض الصحف الأمريكية أن زيارة كارتر جاءت لمناقشة زيادة إمكانية إرسال مستشارين أمريكيين للعمل مع القوات العراقية ومشاركة الضباط في العمليات العسكرية. لكن ديمبسي وقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال أستون لويد لا يوصيان في الوقت الحالي بتضمين الضباط الأمريكيين في العمليات العسكرية. وفي معركة الرمادي يقول المتحدث باسم البنتاغون ان القوات العراقية ستقودها مدعومة بقوات العشائر.
فوضى
وتشير صحيفة «الغارديان» إلى أن معركة الرمادي المقبلة ستتميز بتسلسل قيادي فوضوي. فهناك الجيش العراقي وأبناء العشائر الذين لا يتبعون لأوامره والحشد الشعبي الذي سيدير عملياته بشكل مستقل. وستخوض هذه القوى الثلاث معركة ضد عدد من مقاتلي تنظيم الدولة يتراوح ما بين 1000و 2000 مقاتل. ولن يمنع هذا من تعرض الرمادي لعملية تدمير وانتهاكات طائفية خاصة أن قوات الحشد الشعبي يجري تسويقها بأنها القوة الأكثر تماسكا في عراق اليوم كما يبدو في تحقيقات مراسل صحيفة «إندبندنت» باتريك كوكبيرن الذي كان الأسبوع الماضي في كربلاء والنجف. وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد هرب نصف سكان المدينة أي 250 ألفا من 500 ألف نسمة وسيهرب الباقون حالة الهجوم عليها «لأننا تعلمنا من تجربة جرف الصخر في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 وديالي العام الماضي وتكريت والبغدادي وبيجي أن هذا هو السيناريو». ومن هنا فمحاولة تصوير المعركة على الرمادي بأنها معركة للجيش العراقي وبدعم سني يغفل رمزية المشاركة السنية التي لا تتعدى المئات وهذا بسبب تردد الحكومة العراقية في دعم تشكيل حرس وطني للمناطق السنية رغم دعوات الولايات المتحدة ودعمها لهذه الخطوة.
أنقرة تغير رأيها
ولا بد لنا من الحديث عن تطور مهم آخر وهو سماح تركيا للقوات الأمريكية باستخدام القواعد الجوية في «إنشرليك» وديار بكر لشن هجمات ضد الجهاديين في العراق وسوريا. ووصف المسؤولون الأمريكيون أن الإتفاق مع أنقرة سيغير قواعد اللعبة إذ أنه سيقصر المسافة أمام المقاتلات الأمريكية التي تنطلق من قواعد في الخليج العربي والكويت والأردن. ويرتبط التغير في الموقف التركي بالتهديد الذي بات يمثله تنظيم الدولة على أراضيه خاصة بعد تفجير بلدة سروتش في جنوب البلاد.وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» (23/7/2015) أن التطور الأخير جاء بعد زيارة الجنرال جون ألين مبعوث أوباما الخاص لمحاربة تنظيم الدولة إلى انقرة واجتماعه مع المسؤولين الأتراك ومكالمة بين جون بايدن، نائب الرئيس الأمريكي والرئيس التركي طيب رجب أردوغان. لكن المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية قالوا إن الهجمات الأخيرة على التراب التركي أدت دورا في تغير الموقف التركي الذي ربط في الماضي تعاونه ضد تنظيم الدولة بجهود إطاحة نظام بشار الأسد. ونقلت عن مسؤول أمريكي «كانت الهجمات على تركيا جزءا من المحفز الذي دفعهم للتفكير والدخول في اللعبة». إزاء كل هذه التطورات ستجري معركة الرمادي في ظروف مختلفة، فهي تأتي بعد أن قلب التنظيم خطط الأمريكيين والعراقيين لاستعادة السيطرة على الموصل، وتأتي في ظل تغيرات إقليمية وميدانية، والملمح الأهم فيها هي أن السنة من مقاتلين ومدنيين سيكونون الطرف الخاسر فيها، مما يعني استمرار حالة التهميش. والمشكلة أنه كلما تأخرت الحملة لاستعادة المدينة كلما زاد التنظيم من تمترسه داخلها كما أشار تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (2/7/2015) حيث تحدث عن جهود التنظيم لإصلاح البنى التحتية الرئيسية وإدارة مؤسسات الحكم المحلي وبناء دفاعات لمواجهة أي هجوم. وقالت الصحيفة أن جهود المقاتلين ستعيق جهود الحكومة العراقية استعادة المدينة من جديد.
ويقول سكان محليون ان تأخر الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية بالتحرك وشن هجوم مضاد يسمح للجهاديين بتعزيز دورهم كأسياد على المدينة. فقد سيطروا على كل شيء من المساجد وإصلاح الشوارع وتوزيع الوقود. وقدم التنظيم المعروف بوحشيته وعنفه نفسه كجماعة قادرة على الحكم ويمكنه تقديم الخدمات التي يحتاجها المواطنون الواقعون تحت سيطرته.
فمن الرقة ودير الزور إلى الموصل والرمادي الآن يرى التنظيم أنه يملك مشروعية الحكم بسبب ما يقدمه من خدمات للمواطنين رغم ما تتسم به ممارساته من تخويف وإجراءات عقابية تقوم بتهميش المواطنين خاصة الإعدامات في الساحات العامة. وأظهر تقريران لصحيفة «نيويورك تايمز» (21-22/7/2015) الطريقة التي حول فيها التنظيم نفسه إلى كيان «يشبه الدولة» في المناطق الواقعة تحت سيطرته والإجراءات التي اتخذها البغدادي، زعيم التنظيم لضمان استمرار جماعته حتى لو قتل. وتبدو معركة الرمادي جزءا من صراع الإرادات في العراق وحربا طويلة توقع قائد الجيوش الأمريكية الجنرال ري أودرينيو استمرارها لعقدين من الزمن.
إبراهيم درويش