الطريق إلى المطعم العربي

كانت الغيوم في السماء، كما كتاب ثخين تدور صفحاته بين الأصابع، زوابع ثم هدوءا كاذبا، هو مركز الإعصار، ثم المطر وإلى أن تصحو نكون قد ذهبنا في خبر كان في الأفق هناك.. ألا ترى.. تتحرك الأمواج نحونا ألا ترى؟
كيف تعرفين؟ ربما لا تتحرك.. أراها ساكنة.. داكنة!
«تورنيدو» سوف يلمس بقعة قريبة من مكاننا، توقف في مكان آمن قبل أن..
لا، سوف أبقى حتى نصل!
أنت دوما هكذا، رأسك عنيد! يا ربي، نذهب كي نأكل طعامك العربي… فنموت بالإعصار… أوه، قلت لك توقف؟!
لكن بسرعة كبيرة، كانت السيارة حوالي اربعين ميلا، على مهل، بسرعة كبيرة تجلت السماء واختفى التورنيدو. أين ذهب؟ وهي تنظر من خلال الزجاج، والشمس الحمراء الكبيرة تسطع. كانت لعبة من السماء، لا تهتمي يا «شيلسي!»
ها! أنت دوما هكذا، تجازف من دون وعي، تتصرف كما يتصرف زنجي! كان عليك التوقف.
ماذا بهم الزنوج؟ أحدهم هو الحاكم الذي يدير دفة الولايات!
صحيح يدير، لا، لا يدير سوى مؤخرتي، لكن بعد الآن لن يكون لهم مرة أخرى ذلك، كان خطأنا.
لا يعجبك، أليس كذلك؟
أوه، لا يعجب أي انسان قويم العقل. رجل يتكلم ويتكلم، لا يفعل شيئا سوى الهذر.
مرت بجانبنا سيارة منخفضة تكاد تمس الأرض، زجاج النوافذ معتمة، ويخرج من مكبرات الصوت التي في خلفيتها رجيج جعلتها تضع كفيها لحماية اذنيها قائلة: تخلص منه… ما هذا.. سيثقب آذاننا.. المهووس.. أنظر إما أن يكون زنجيا أو من المكسيك. هؤلاء الهمج. تخلص منه، ابتعد أو تأخر. كان قد أفلت انشوطة السرعة وتقدمنا في سيارة غريبة التشكيل تقول: دعه يذهب إلى الجحيم هذا الأهبل.
لماذا أنت عنصرية يا شيلسي، أنت لا تتكلمين هذا الكلام الا معي، حين تكونين معهم لا تقولين كلام كهذا، تجادلين في المساواة وحق الحياة المشتركة؟
لست عنصرية والدليل أنني معك! ورجاء…. لا تقص قصتك التي لا تنتهي منها.
ماهي القصة التي لا تنتهي؟
إنني لا أتعاطف معك لأنك عربي!
نعم هذه هي الحقيقة، أنت مثلا لا تقيمين، إلى الآن، أي وزن لما يحدث في سورية، أهلنا هناك والأطفال، أنظري، الأطفال يرمون ببراميل محشوة بالحديد والديناميت وأنت لا تأبهين. الأمر لا يهمك. طبعا هو هكذا….هذه هي قصتك منذ زمان.. أتذكرين حرب العراق؟ كم كانت ضحكتك تملأ وجهك وتقلدين صدام حسين في مشيته، تضعين اصبعك إلى جنبك على أنه مسدسه قائلة: كسرنا عظمه. لم تكسري شيئا بل أشعلت النيران في كل بيت عراقي وفي قلب كل طفل.
أوه، دعنا من هذا الهراء، هل سنأكل الشاورما أم لا؟
هدأ الجو، وراحت السيارة تطوف في الهواء الساكن، تجري في عتمة الصوت، تدق الإسمنت على الطرق السريعة وتصدر نبضات خلاقة لطريقة تركيب العالم، التقدم والحث على المطالبة بالحق، على أن الأمر لم يتوقف عند ذلك لقد وضعت يدها فوق يدي للترضية قائلة: أنا آسفة لما يحدث، بالفعل آسفة، شيء محزن أن العالم لا يقدم الدعم ويزيل السفاح من سوريا.
نعم، لو ترسل امريكا طائرتين فقط فوق القصر الجمهوري فسوف تنتهي الأزمة.
لا يفعلها الزنجي، لأنه جبان، أنت تعلم ذلك.
لا، ليس منه بل من إسرائيل.
لنتوقف عن هذا الامتحان، أرجوك، دعنا من هذه المجادلة التي لا تنتهي، سوف نتخاصم في النهاية كما كل مرة.
أنتِ التي بدأتِها، رأسي عنيد كما زنجي ألا تذكرين!
أولا رأس الزنجي ليس عنيدا، هو جبان، ولو كنت زنجيا لما نظرت إليك ولما تكلمت معك كلمة واحدة من البدء. لا تظن ذلك!
أنت فقط عنصرية، لا أحد في عائلتك كذلك سواك… أخوك، تتذكرين، كان قد تزوج من زنجية…
نعم تزوج زنجية ثم بسببها مات بالإيدز.
صمتت ثم صمتت مرة أخرى، بعد ذلك في آن بعيد، يتغير الحال، وتجري في الأعماق مداخلات اللا وعي، والأشباه المستورة كي تقول في النهاية: لقد أخذوا كل حقوقهم ومازالوا يتباكون، كسإلى، يركضون وراء منح الدولة ويتعاطون المخدرات.. الجرائم، لن يتعلموا. لا قدرة لهم على ذلك.. هذا هو الذي أشعر به، آسفة إن كنت ضد قناعاتك.
هل هذه رحلة إلى مطعم عربي أم نحو الزنوجة يا شيلسي؟
ظلت صامتة، لم تجب.
اجتازتنا في هذا الأثناء سيارة بيك آب بسرعة ضاجة، مداخنها كما مداخن طاحونة، لها صوت مجرشة، والسائق في قبعة الكابوي يدخن ويتنفس بعلو المدار. قلت لها، انظري! كل شيء عظيم، كبير لديكم، أنتم البيض. فقهقهت قائلة: أوه كل شيء كبير، نعم هذا صحيح، إلا العضو….
مساكين، إذن، أنتم، على أي شيء هذه العجرفة؟
لادخل لهذا بذاك! انتبه على الطريق واجعلنا نصل بأمان.
سوف نصل بأمان، ونعود بأمان.
ثم انقطع الزمن وتوقفت معجزة الحياة كي تقفز بعد ساعة تقريبا قائلة: أحب كثيرا طعامكم، الحمص والشاورما، لنغير الموضوع المقرف، ونتقدم نحو الأكل. زجاج نوافذ المطعم مفتوح نحو الساحة المنارة، تخرج منه فتاتان قصيرتان، تعدوان خلف بعضهما بعضا، على سباق، صيحاتهما، خلال النور الذي بدأ ينبثق بخفة من الأضواء العاكسة البيضاء، عالية، ونحن نتقدم نحو الزجاج ونتوقف برهة هناك ننظر ونرى الساحة في الشمس التي غابت ونرى معها داخل المطعم، تداخلا موحيا، كتلة واحدة، أين الباب يا شيلسي، الحمص والشاورما في الساحة، تحت الأضواء، على الإسمنت، بين موقف السيارات المصطفة على الحد المكسور، في الزجاج المنار بالمرايا، هل ندخل إلى الشاورما أم نخرج إلى السيارات، من أين، ثم نسمع من وراء الزجاج آهات لأم كلثوم المصرية ترفع المنديل تحية للقادمين وإن كان هنا تذكرت هناك، وتذكرت كيف كانت تضع يدها في يدي تسألني: ضمني إليك! من خلال الهواء المنعش، عديم الرطوبة، قرار هائل للحب الذي كلما يتم القبض عليه يخرج ويكسرالقضبان، يطير باحثا عن مكان آخر أكثر استقرار وأمنا، وأقل صخبا، على منارة المياه التي تحت القمر، تتسلل المياه التي لا تنقطع، نافورة لبحرة تقفز فيها العصافير بعد منتصف الليل، في الساعة الثانية ليلا، حيث الناس في الحلم ونحن في المقام، تمسك وأمسك ونضع الأقدام في المجرى الساكن أندخل أم نخرج فبقينا بذهول في مكاننا حتى جاء النادل وقادنا نحو الداخل، يسألنا إن كنا نريد هذا المكان أم مكانا آخر.
إلى الطاولة وهي تتناول الشاورما المنقعة بخلطة السمسم المطحون والليمون والمخلل، تقول بفم ملآن: آه، إن الطعام…مذاقه أقصد. متعة الشاورما ومذاقها أفضل بأضعاف من متعة الجنس، تصيب الرأس وتخرج نحو الأعلى كي تأخذني في رحلة إلى الجنان. السيد المسيح امنحني بركتك.

كاتب سوري

حسين سليمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية