■ لم تنته قصة الذئب المظلوم بقميص يوسف الذي رُمِي على وجه يعقوب فارتد بصيراً.. فالقصة تُعيدُ ذاتها بأشخاص جدد لم يبلغـــوا طهـــارة يوسف ولا مكر الأسباط ولا حكمة يعقوب، التي لا زالت تدوي حين قال «بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون».
لقد تداولت صفحات الانترنت وتناقلت المحطات التلفزيونية خبر قتل الصحافيين الأمريكيين ولا زالت تترقب قتل البريطاني الموعود به، وتلقفت الشاشات المتعطشة لأخبار الدم، الصور التي تظهر كلاً من الأمريكيين وكأنه بطلٌ هوليوودي وقف شامخاً صلداً بين يدي قاتله، آمراً وناهياً وكأنه ملك فوق عرش، إلا أن اللقطات سرعان ما أحالت هذا العرش نعشاً، وصيرت رأس المتحدث بين كفيه المقيدتين. ببرود من خبر سفك الدماء وبراعة من تمرَّس التأثير بالكلمات وقف القاتل المفترض ليتحدى العالم بلغته التي أتقن، إلا أن الشك والريبة سرعان ما تسللت إلى هذا الخبر بعد أن قضى الجميع منه وطراً، ساسةً وعسكريين، مؤيدين ومعارضين.
وأمام هذه النشوة التي وصل إليها الجميع كان لابدَّ من التحليل والتحرّي حول هذا الخبر وحول توقيته، وبما أن للمحدد الزماني بالغ الأهمية في أي لعبة من الألعاب فلا بدَّ لنا من الوقوف عند المحددات الزمانية المهمة في ما يتعلق بلعبة السياسة، وفي القضية موضوع المقال أودُّ الوقوف عند محددين زمانيين… الأول وهو تاريخ اختفاء كل من جيمس فولي وستيفن سوتلوف في سوريا، والثاني وهو تاريخ الفيديوهات التي تشير إلى تصفيتهما.
بالرجوع إلى قضية اختفاء جيمس في سوريا، نجد أن كل المؤشرات تدلُ على أن تاريخ هذا الاختفاء ينحصر بين نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر ومنتصف كانون الأول/ديسمبر 2012 ، أي أن فترة اختفائه لحين خروجه في مشهد إعدامه استمر ما يقارب العامين، في ظل سكوت لم يعكره إلا صوت الصرخة الأولى، أما بالنسبة لاختفاء ستيفن فقد استمر ما يقارب العام، الأمر الذي يجعلك بطول الفترة وتعدد أيامها تقف على بعض مشاهد الأسى والمرارة التي ذاقها ذووهما، حالهم في ذلك حال مئات الآلاف من السوريين، الأسى الذي تلمسناه بكلام الأم التي تجاهلت الساسة والسياسيين لتخاطب البغدادي كخليفة للمسلمين وتطلب رحمته وعفوه. إلا أن مدار الحديث حول هذا المحدد الزماني، ومقاطعته مع الجاني الذي اقتحم الصورة في قتل الصحافيين معلناً انتماءه للدولة الاسلامية، ليضع المدققين أمام تساؤل مهم: هل كانت «الدولة الاسلامية» وما يشار إليه بـ»داعش» موجودةً أصلاً في تواريخ اختفائهما .
ليس هناك ما يدع مجالاً للشك بالوجود الفعلي لتنظيم الدولة على الأرض السورية في تاريخ اختفاء ستيفن ـ مع أن الوجود لا يؤكد نسبة الجرم إليها ـ إلا أنه وبالمقابل فمن المؤكد أن وجود التنظيم لم يكن قائماً وقت اختفاء سابقه جيمس فولي، الذي اختفى أثناء تغطيته لمشاهد الدمار في مدينة حلب، وذلك في مناطق كانت تشير التقارير إلى خضوعها لقوات نظام الاسد.
وباعتبار أنه في عالم الاحتمالات لا يمكن البناء على اليقين، فلا بدَّ من التساؤل حول كيفية وصول هذ الشخص إلى أيدي «الدولة الإسلامية»، فإما أن تكون يد الدولة ممتدة ليدٍ في دمشق، أو تكون يد دمشق ممتدة لأخرى وراء البحار، إلا أن شغفها لا يزال منعقداً لهذه الأرض.
وبالعودة إلى المحدد الزماني الثاني والمتمثل بتاريخ قتل الصحافيين، فإن ما يهم بهذا الصدد هو تقاطعه مع تاريخ قرار مجلس الأمن ضد الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، بموجب الفصل السابع، فبالرجوع إلى القرار نجد أنه يُلزِم الأطراف انتهاج كافة الأساليب غير العسكرية قبل البدء بأي عمل عسكري، وقد صرَّحت روسيا على لسان سفيرها بيتر ايليشيف بأن هذا القرار «لا يمكن اعتباره موافقة على عمل عسكري»، فلماذا أمام هذا العقم السياسي، يظهر هذا المحرض الحيوي في الشهر التاسع وما له من مدلول في البعد الذهني الأمريكي، المتمثل بقتل الصحافيين الأمريكيين.
وبين الاندفاع الأمريكي والتحفظ الروسي والتطاول من قبل النظام والمعارضة على حدًّ سواء للمشاركة في حملة القضاء على ما اتفقوا على تسميته بالإرهاب، نقف أمام تساؤل حول صاحب المصلحة من الفيديوهات المنشورة، في ظل غياب المصلحة الحقيقية للدولة الاسلامية بهما، وفي ظل غياب أي آليةٍ مستقلة لتأكيد أو نفي هذه التسجيلات.على ميزان مصلحة الادارة الأمريكية نجد أن لهذه التسجيلات بالغ الأهمية والأثر، حيث أنها ستساعد الادارة الأمريكية في تسويق حربها أمام الرأي العام المتأثر بمرارة كلمات أبنائه وذويهم، والمتخوف من تكرار معاناته في سبتمبر/أيلول الأسود في 2001، الذي شاء القدر أو رتب المدبَّر أن يرخي ستائره ذاتها في 2014، وبيد العدو ذاته المتمثل بالإرهاب الاسلامي المفترض.. ولهذا القول ما يؤيده من حيثيات، فليس صدفةً أن موقع «سايت» الأمريكي – الذي يعمل بتفويض من الحكومة الأمريكية ويقدم الاستشارة لمكتب المخابرات الأمريكية بواشنطن – أن يكون الناشر لهذه الفيديوهات والدَّال اليها. وإن المتتبع لهذا الموقع يلحظ نشاطه قبل الحملات العسكرية التي تخوضها الولايات المتحدة، فقد نشط بعد تأسيسه عام 2002 وإبان الحرب على العراق، وها هو يعود للعمل مع العودة لها، ولكن بهدف توسيع النطاق إلى الداخل السوري الذي التزم الأطراف ولو مداهنة بعدم دخولها، وهو ما أكده أوباما برسم خطته التي تستبعد سوريا إلى ما بعد عامين، إلا أن اللافت للانتباه أن موقع «سايت» الذي يعد استشارياً للإدارة الأمريكية، هو الذي نشر التسجيل ومع ذلك تتريث الإدارة ذاتها في التأكد من التسجيل.
أما في موازين النظام والمعارضة، فليس ما يمنع الأسد من استهلاك الفيديوهات لجرِّ التدخل إلى الأراضي الخارجة عن سلطته تطهيراً لها من الأغيار، وإعادة تطويعها لصالح نظامه الذي لازال يحتفظ باعتراف العالم به. وأما في ما يتعلق بالمعارضة فلن تدَّخر جهداً للمشاركة في هذه الحملة وهذا التحالف سياسياً وعسكرياً، فالمشاركة السياسية ربما تجلب اعترافاً أكبر بها، والمشاركة العسكرية ربما تحافظ على الكتائب المتخوفة من استغلال الحملة للقضاء عليها، وهذا ما يدفع الجميع لزيادة تسليط الضوء الاعلامي على الجبهات المشتعلة بينهم وبين الدولة الاسلامية، وكأن البوصلة انحرفت ليقف الجميع في خطٍّ اختار النظام الوقوف به.
ويبقى الميزان الغائب هو ميزان شعب على أرض غُيِّب وراء حدود دولة أطلقت على نفسها الدولة الاسلامية وآثرت الصمت في ظلِّ هذا الصخب، إلا أنَّ المعادلة بطرفيها المتمثلين بتأخر التدخل الدولي أمام كلِّ جرائم النظام خلال الفترة السابقة، وتهافته لهذا التدخل أمام الجرائم المعلنة لمارد «الدولة الإسلامية»، تفرض نتيجة حتميةً مؤداها التحام القاعدة الشعبية مع القيادة في «الدولة الإسلامية» أمام تدخل أعمى لم يضع معاناة الشعب في موازينه يوماً من الأيام.. وفي ميزان السينما يبقى الاخراج الهوليوودي حاضراً للعبور به إلى دمشق.
٭ كاتب من سوريا
عمار تباب