الطفل الذي أيقظ العالم بإغفاءته

بهدوء بالغ كما لو أنه سيقلب مُحيّاه إلى الجهة الأخرى بعد هُنيهة، نائمًا على بطنه مثل كل الأطفال، على رمل البحر أو الفراش الوثير أو الحصير البالي، لا فرق لديه أبدًا، المهم أن ندعه ينام حتى يصحو ويعود للضحك واللعب وإشاعة الفرح في الحياة، فقط الكبار هم الذين يحسبون ألف حساب لتلك التفاصيل، ينشرون الكآبة والموت أينما حلوا، وفي كثير من الأحيان باسم الطفولة.
إلان، الطفل السوري، لم يشرح قضية شعبه المنكوب، ولم يختر النوم فوق الأمواج العاتية، انضم مع عائلته إلى سرب المغامرين بأرواحهم، مانحين ثقتهم للبحر بعد أن فقدوا الثقة بالبشر، فاقلعوا فجرًا من قارة إلى قارة..
لا تعدو المسافة الكائنة بين آسيا وأوروبا أكثر من نصف ساعة بقارب هوائي مطاطي على بحر إيجه في الحالات العادية ونحن في الألفية الثالثة لكنها تحولت إلى دهر ينهار وعصر يغرق في السواد.
تشتد الرياح وتنقض الأمواج على إلان ذي الثلاث سنوات وأخيه وأمه وأبيه الذي تمكّن وحده من الإفلات إلى الشاطئ، لكي تكتمل المأساة الصغيرة اكتمالًا تامًا لا تشوبه أي شائبة سياسية أو ايديولوجية أو غيرها، ويروي الأب بحرقة حكاية شعب جميل ووطن ضائع، أخذ السماسرة يتاجرون بآلامه، عارضين آلاف الصور البشعة من القتل والدمار والحصار، حتى اعتاد العالم على رؤية المأساة الكبيرة، بعد أن أصبح في داخلها، فلم يعد يراها من خارجها.
المشتغلون بالحرب المستعرة من جميع الأطراف انتابهم الحنق الشديد، فكيف لم يبصر العالم مئات آلاف الضحايا تحت قصف البراميل وقذائف الهاون خلال خمس سنوات، وانتبه فجأة إلى طفل ينام كملاك على شاطئ البحر، وربما لم يستغرق غرقُه ثواني أو دقائق حتى انتقل إلى الفسحة السماوية بجوار الله؟!
هنا الحكاية كلها، والعودة إلى الفطرة البشرية، طفلٌ يموت في بحر هائج، لكن بفعل تجار صغار تركوه لمصيره، وتجار أكبر تركوه على طاولة المفاوضات الحقيرة، هنا وهناك حتى تمتلئ الجيوب والخزائن ويطول أمد الحرب لمزيد من الوقت!
لا يعرف إلان مزايا الحياة الحرّة المرفّهة في أوروبا، ولم يقارنها برزايا العيش في سوريا، أو سورية بالتاء المربوطة، فتلك قصة تاريخية سياسية ايديولوجية لغوية ثقافية أخرى.. ولو طُلب من إلان اختيار المكان الذي يود العيش فيه، لاختار بلا تردد مدينته كوباني ـ عين العرب، حيث فتح عينيه لأول مرة على سمائها وتمرّغ بترابها وصفعته أمه وهي تحمّمهُ بمائها الساخن.
عاد التجار إلى مزايداتهم في سوق النخاسة الوطني والدولي، وعاد إلان السوري إلى كوباني تاركًا صورة نعلي حذائه الصغير مقاس 27 في وجوه المشاهدين عبر القارات كلها.
لم يكشف عن وجهه الغارق العَبوس، أدار ظهره للعالم، كما فعل من قبل «حنظلة»، الطفل الفلسطيني الذي أبدعه رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي، فبقي في عمر عشر سنوات عاقدًا يديه خلف ظهره رافضًا كل الحلول التطبيعية حتى يعود إلى وطنه المحتل، أما «إلان» فقد احتضن الرمال الغريبة في عدسة المصورة التركية الشابة نيلوفر دمير، ريثما يصحو ضمير قادة العالم من سباته العميق، فيلتفتون إلى مصائر البشر الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة.
قوة الصورة ليس في مدى البشاعة والجعجعة عليها، قوتها في تعبيريتها، في عفويتها الرمزية، وطاقتها الشعرية الكامنة، في صدقها وبساطتها، حتى في الألوان: قميص أحمر وشورت أزرق وحذاء بني مائل إلى الصفرة، ربما فضّلته الأم وناقشها الأب ثم استقرا على شرائه أخيرًا قبل السفر إلى السماء.
في كل يوم تعصر القنوات الفضائية والصحف الورقية والمواقع الالكترونية حمولتها الكريهة، لتفرغها على مرأى ومسمع النظّارة على مدار الأرض، استدرارًا للعطف والتعاطف مع هذه الجهة أو تلك، فيما اخترق هذا الملاك بخفّة الطائر المشهدَ كله وأدانه.
لو تم جمع كل المنغمسين بالصراع الدموي السوري في حاوية واحدة، فلن يتعدّوا عشرين في المئة، عشرة منهم «إرهابيون» وعشرة منهم «كافرون»، أما الغالبية الصامتة من الشعب السوري المُحب للحياة، فلا شأن لها بمهنة الموت والطرق المؤدية إليه.
أصبح «إلان» أيقونة دون أن يبذل أي جهد سوى الضحك من القلب في صورة عائلية سابقة كأنها تتنبأ بالصورة اللاحقة والصاعقة!

شاعر سوري

عبدالله الحامدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية